بفارق زمني يقارب الستة عقود، شهدت مصر يومين ملهمين في تاريخها الحديث، لا يصح اصطناع التناقض بينهما بأية ذريعة.
الأول– (25) يناير (1952)، وقد أسس بالتداعيات لتغيير البيئة السياسية بالكامل وفتح المجال واسعا لإطاحة النظام الملكي وجلاء قوات الاحتلال البريطانية.
والثاني– (25) يناير (2011)، وقد عبر بالثورة عن عمق التطلع للالتحاق بالعصر وبناء دولة حديثة، مدنية وديمقراطية وعادلة، كما عبر بالغضب، عن مدى ما يعانيه المصريون من تهميش اجتماعي وتفشى للفساد وهدر للأموال العامة.
في اليوم الأول، تصدى ضباط وجنود الشرطة في الاسماعيلية بأسلحة بدائية لقوات الاحتلال البريطاني رافضين تسليم مواقعهم.
تحمل ضابط الشرطة الشاب النقيب، اللواء فيما بعد، “مصطفى رفعت” مسئولية التصدي البطولي لقوات الاحتلال.
أفضت الواقعة، بما حملته من استهانة بريطانية، وما عبرت عنه من شجاعة مقاومة إلى إضراب عام باليوم التالي في القاهرة لـ”بلوكات النظام”.
تداعت الأحداث بعده إلى حريق هائل في قلبها.
كان حريق القاهرة في (٢٦) يناير (١٩٥٢) إنذارا أخيرا، بأن كل ما فوق المسرح السياسي يوشك على الانهيار.
أفلت النظام العام وسادت الفوضى وعمليات نهب وتخريب.
فرضت الطوارئ ونزل الجيش لأول مرة في التاريخ المصري الحديث ـ لاستعادة السيطرة وفرض الهدوء على المدينة المروعة.
حتى الآن لا توجد إجابة لها صفة الفصل على سؤال: من حرق القاهرة؟!
الأقرب إلى الحقيقة، أن مخزون الغضب وجد انفجاره في إضراب “بلوكات النظام”، كأنه عود ثقاب، ألقى على أرض مشبعة بالوقود.
إثر حريق القاهرة، شاعت في الأجواء العامة قصيدتان.
أولاهما- للشاعر “إسماعيل الحبروك”:
“سأنام حتى لا أرى.. وطني يُباع ويُشترى”.
وثانيتهما- للشاعر “مأمون الشناوي” دعا فيها الجيش بلا مواربة إلى إطاحة النظام الملكي:
“غضبة من عزمك الجبار تمحو كل باطل”.
في نفس التوقيت فكر “الضباط الأحرار” باستغلال نزول الجيش إلى الشوارع للقيام بانقلاب عسكري، لكن “جمال عبد الناصر” مال إلى كسب بعض الوقت، حتى يستكمل هذا العمل فرص نجاحه.
لم تكن إطاحة النظام الملكي حدثا مفاجئا، قفز من خارج سياق الحوادث، أو بعمل سرى محض جرى في الظلام.
هكذا كانت معركة الاسماعيلية نقطة تحول جوهرية برسائلها وتداعياتها في معادلات السياسة المصرية.
أعطت بالشجاعة الفائقة رسالة إلى المستقبل، أن تحدي غطرسة المحتل ممكن، الصمود ممكن، إجبار العدو على احترامك ممكن، أن مصر يمكنها أن تقول كلمة أخرى.
كان عام (١٩٥١) مشحونا بإشارات النهاية.
كتب “إحسان عبد القدوس” في “روز اليوسف”- (٨) مايو- مقالا عنوانه “دولة الفشل”.
جاء فيه بالحرف الواحد: “إننا في مصر نؤمن بالفشل ونعبد الفاشلين.. الفشل في كل مكان.. وأمام كل خطوة ووراء كل زعيم، وفي حنايا كل ملف، وفي ظلام كل درج، وفي طيات كل صوت.. والفاشلون هم الذين يحكمون مصر، وهم الذين يسوقونها من فشل إلى فشل ثم إلى فشل جديد”.
أخطر ما في هذا المقال، ما كتبه عن وزير الحربية، فهو “فاشل.. فشل حتى في الاحتفاظ باختصاصه، وترك الجيش يخرج من بين يدي الحكومة والشعب، ليكون هيئة كهنوتية لها أسرارها، ولها سلطانها، ولها استقلالها، ولها قائد فاشل”.
كان ذلك تلميحا، إلى أن هناك شيئا قد يحدث من داخل الجيش لإنهاء دولة الفشل.
ولم يكن منعزلا، عما يحدث في منطقة قناة السويس من أعمال فدائية؛ تستهدف معسكرات الاحتلال البريطاني، وقد كان “الضباط الأحرار” في قلب الحدث بالتدريب والتسليح طلبا للجلاء والاستقلال.
لكل حدث جوهري مقدمات تومئ إليه، وقد كانت معركة الإسماعيلية أحد العناوين الكبرى للوطنية المصرية في تلك اللحظة الحاسمة من تاريخنا الحديث.
في اليوم الثاني، اكتسب (25) يناير (2011) صفة الثورة من أعداده المليونية ومن طلب التغيير الشامل، ومما ألهمه من آمال كبرى في الانتقال إلى عصر جديد.
الذاكرة لا يمكن محوها وأثر الثورة يستحيل حذفه.
هذه حقيقة نهائية الصدام معها فيه خسارة للمستقبل.
أسوأ نظر إلى ثورة (25 يناير) وضعها على تناقض مع بطولة الإسماعيلية، التي جرت في اليوم نفسه على أجندة الزمن.
نقد التجاوز الأمني شيء وإنكار فعل المقاومة شيء آخر تماما.
اتخذ (25) يناير عيدا للشرطة، وكان ذلك تكريما للجهاز الأمني منسوبا إلى معركة كبرياء وطني.
ذلك المعنى لا يجب أن يضيع وسط أجواء الانقسام الحاد في المواقف والمشاعر.
بذات القدر، فإن من يحاولون الاستهانة بطلب التغيير في (25) يناير (2011) بنفي صفة الثورة عنها، كأنها مؤامرة؛ استهدفت الدولة، يرتكبون خطأ أفدح في فهم معنى ما حدث.
لا توجد دولة في العالم، تستغنى عن أمنها، غير أن ذلك ليس تصريحا بالتجاوز والتغول على حقوق وكرامات المواطنين.
لم تكن “يناير” أول ثورة تُختطف، أو تجهض، فقد لقيت ثورات أخرى المصير ذاته، دون أن تفقد قدرتها على الإلهام، حتى حققت أهدافها بعد رحلة معاناة طويلة ومؤلمة.
هذه حقيقة ماثلة حتى اليوم بنصوص الدستور، كما في ذاكرة الأجيال الجديدة التي ترى نفسها في الثورة ومشاهدها الملهمة.
في الأيام الأولى لثورة “يناير” جرى توسيع مجال المشاركة السياسية إلى حدود غير مسبوقة تحت ضغط المليونيات ووسائل الاتصال الحديثة، وطرحت قضية العدالة الاجتماعية بصورة جديدة على رأى عام، لم يعد يتقبل أو يستسيغ تنكيل السلطات بالمواطنين وإهدار الكرامة الإنسانية.
الإنجازات الفعلية ليست كبيرة بالنظر إلى حجم التضحيات التي بذلت، لكن شيئا ما تحرك في عمق المجتمع، يصعب أن يعود مرة أخرى إلى المربع رقم واحد.
أحد أسباب السهولة النسبية التي اختطفت بها “يناير”، أنها لم تدرك موقعها في التاريخ المصري، ولا تراكم خبرة ثوراتها.
تراجيديا الثورات المصرية- بالآمال العريضة التي تسقط من حالق- لم يمنع في أي وقت اتصال فعل الحركة الوطنية جيلا بعد آخر للتصحيح وتعلم الدروس، وهذا ما يجب أن نتذكره دوما.






