في مجال القانون الدولي للاجئين، يوجد فرق شاسع بين العودة والإعادة، فرق بين الاختيار والإجبار، بين فرحة اللاجئ بالعودة إلى وطنه الذي حُرم منه لسنوات، بعد أن انقشع غبار المعارك، وبين إلقائه في أتون صراع لا يزال دائراً في أقاليم عدة من بلاده، وهنا نتحدث عن الفئات المستضعفة غير القادرة على حماية نفسها أو الدفاع عن أراضيها، وهو الفرق ذاته بين الهجرة والتهجير، وبين النحر والانتحار، وبين القتل والاقتتال، كلها مصطلحات قد تتشابه في بنيتها اللفظية، لكنها تختلف جذريًا في معانيها ودلالاتها.
كانت ولا تزال العودة إلى الوطن تمثل الحل الأمثل للبلد المضيف الذي يسعى إلى تقليل أعداد المقيمين، وللمنظمات الدولية العاملة في مجال اللاجئين التي قد تشارك هذا التوجه، كما تمثل– بطبيعة الحال– مصلحة للدولة الأم، إذ تُعد عودة اللاجئين دليلًا على استقرار الأوضاع، وهو ما تستثمره الأنظمة الحاكمة في الترويج لقدرتها على فرض سيطرتها على البلاد أو على معظم أراضيها. ومع ذلك، فإن مسألة العودة يجب أن تكون طوعية بالكامل، وأن تتم بالتنسيق مع جميع الأطراف المعنية.
إن الحملات الأمنية التي نفذتها بعض الأجهزة الأمنية والموجهة ضد السودانيين على وجه الخصوص، تمس بصورة مباشرة مفاهيم راسخة، تتعلق بدور مصر، باعتبارها من أهم الدول العربية القادرة على استضافة من ضاق بهم وطنهم من الأشقاء، ولو لفترة مؤقتة. كما أثرت هذه الحملات سلبًا في صورة الدولة المصرية، باعتبارها دولة تسعى إلى الاضطلاع بدور متقدم في إدارة ملف اللاجئين، بما قد يتجاوز أدوار المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
قد تكون الأوامر الصادرة للجهات التنفيذية تقضي بفحص أوضاع من لا يحملون إقامة قانونية، أو لا يتمتعون بحماية المفوضية، ومن ثم ترحيلهم، غير أن التساؤل المشروع يظل قائمًا: هل القيادات التنفيذية على علم بما ورد– وفق روايات بعض اللاجئين– بشأن مداهمة منازل بعضهم في منطقة أرض اللواء؟ وهل تعلم بوقوع حالات ترحيل رغم حيازة بعض الأشخاص بطاقات صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؟ وهل هي على دراية بما أُثير بشأن بعض الممارسات المرتبطة بعمليات القبض؟ وهل اضطلعت المفوضية بدورها وفق ولايتها في هذا السياق؟ إن هذه التساؤلات تكشف عن وجود فجوة حماية، تستوجب التدخل العاجل لمعالجتها.
دعونا بدايةً نؤكد أن مصر استقبلت ما يزيد على مليون من الأشقاء السودانيين منذ اندلاع النزاع في السودان، حين غُلِبت صراعات السلطة على استقرار الدولة، ودفعت تلك الصراعات إلى قتل وتشريد المواطنين وتدمير البنية التحتية والتراث الحضاري لدولة عريقة. وكانت مصر– تاريخيًا– وجهة رئيسية للسودانيين قبل حرب إبريل 2023 وبعدها.
وقد أُتيحت لي فرصة زيارة أوغندا قبل عدة أشهر، حيث التقيت بعدد من المحامين والنشطاء السودانيين في كمبالا، ولمست لدى معظمهم رغبة واضحة في الانتقال إلى القاهرة. ولم تكن اللغة وحدها هي العامل الجاذب، بل إن لمصر مكانة خاصة لدى السودانيين، كما يحتل السودانيون مكانة مماثلة لدى المصريين. وربما شهد الفضاء الرقمي بعض السجالات بين الطرفين، تراوحت بين الجدل حول أصول الحضارة أو السخرية من العادات وأساليب الحياة، إلا أن الجميع يدرك وجود أطراف، تعمل على تأجيج هذه الصراعات الإلكترونية. ومع ذلك، تبقى حقيقة وحدة المصير بين الشعبين أكثر رسوخًا من محاولات الوقيعة بينهما.
وفيما يتعلق بإعادة بعض اللاجئين قسرًا إلى بلدانهم، يمكن التوقف أمام عدد من الحقائق:
كما أشرت في مقال سابق، وفيما يتعلق بمسألة إعادة بعض اللاجئين قسرا إلى بلدانهم، دعونا نطرح، ونحلل ونتأمل الحقائق التالية:
• كما ذكرت فى مقال سابق هنا https://shorturl.at/XILt2/، فإن عودة اللاجئين وطالبي اللجوء تُعد فعلًا طوعيًا، تسعى المنظمات الدولية بالتعاون مع دولتي المنشأ واللجوء، إلى تشجيعه متى زالت الأسباب التي دفعتهم إلى الفرار من بلدانهم، وليس قبل ذلك، مع ضرورة دراسة كل حالة على حدة، وتوافر شروط تتعلق باستقرار الأمن وتوافر البنية التحتية، وأن تتم العودة في إطار من الأمان والكرامة.
• كما ذكرت الدكتورة أماني الطويل مؤخرًا، أننا “في نصف الميل الأخير من حالة استضافة الأشقاء السودانيين، ومن ثم لا ينبغي خسارة الأثر الإيجابي المتحقق”، ولا يُعلم على وجه اليقين، ما إذا كانت الجهات التي أصدرت أوامر الحملات الأمنية قد وضعت في اعتبارها الأثر السلبي الذي قد يترتب عليها، بما قد يمحو مشاعر الامتنان التي يعبر عنها كثير من السودانيين تجاه مصر.
• قد تكون لهذه الحملات دوافع أمنية مشروعة، خاصة في ظل ما أُثير بشأن وجود عناصر مسلحة مرتبطة بميليشيات الدعم السريع داخل مصر، ومحاولات بعض هذه العناصر استغلال أوضاع اللجوء لتنفيذ مخططات، تهدد الأمن أو لتجنيد لاجئين لصالحها. ومع التسليم بأهمية الاعتبارات الأمنية، يظل التساؤل قائمًا، حول ما إذا كانت الحملات الأمنية بالشكل الحالي تمثل الوسيلة الأنسب للتعامل مع هذه التهديدات.
• باستثناء الفئات المرتبطة بمخاطر أمنية– التي نثق في قدرة الدولة على التعامل معها– فإن كثيرًا من اللاجئين السودانيين في مصر ما زالوا يطمحون إلى إعادة توطينهم في دول أوروبا أو الولايات المتحدة أو أستراليا، نظرًا لارتفاع تكاليف المعيشة في مصر مقارنة بدخولهم المحدودة. أما من يسعون إلى الاستقرار الدائم في مصر، فهم غالبًا من أصحاب الدخول المرتفعة القادرين على الإسهام في تنشيط الاقتصاد المحلي بصورة مستدامة.
• شهدت مصر من حين لآخر حملات إعلامية أو مجتمعية، تنتقد وجود اللاجئين، رغم أن استضافتهم تتم وفق اتفاقيات دولية والتزامات دستورية وقانونية. كما أن الأعداد الفعلية للاجئين وطالبي اللجوء لا تتجاوز– وفق البيانات الرسمية– ما يزيد قليلًا على مليون شخص من نحو ستين دولة، وهم يعتمدون في معيشتهم بدرجة كبيرة على دعم المنظمات الدولية وأقاربهم أو على مواردهم الذاتية.
• إن صدور قانون لجوء الأجانب في ديسمبر 2024 يُعد خطوة مهمة، إذ ينص على إنشاء لجنة وطنية دائمة لشؤون اللاجئين، تتولى إدارة الملف بمشاركة عدة جهات حكومية وخبراء متخصصين، مع انتقال تدريجي للاختصاصات من مفوضية اللاجئين إلى هذه اللجنة، ويترتب على ذلك مسئولية مضاعفة على الدولة المصرية لإدارة الملف وفق المعايير الدولية، خاصة في ظل الدعم الأوروبي الموجه لتعزيز قدرات الدولة في هذا المجال.
• تعاني مفوضية اللاجئين منذ اندلاع الحرب في السودان من فجوة تمويلية كبيرة، بلغت نحو 79% من الميزانية المطلوبة لتغطية احتياجات اللاجئين، ومع انتقال إدارة الملف إلى الدولة المصرية، يصبح من الضروري ضمان استمرار تدفق التمويلات والمنح، مع الالتزام بحماية حق اللاجئ– خاصة الفئات الأكثر ضعفًا– في عدم الإعادة القسرية إلى أوطان غير آمنة.
• كما ينبغي التذكير، بأن مصر التزمت طوعًا بالاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية اللاجئين، وأن أي دعوات لترحيلهم دون مراعاة هذه الالتزامات تتجاهل المخاطر الجسيمة التي قد يتعرضون لها، من قتل أو تعذيب أو عنف جنسي أو انتهاكات أخرى جسيمة.
وعلى الجانب الآخر، وبقدر من الموضوعية، فإن التعامل مع الظاهرة يقتضي رصد بعض الإشكاليات التي تستوجب المعالجة، دون أن تشكل مبررًا للقبض أو الترحيل العشوائي.
• إن الحديث عن “إلقاء الشباب في أتون الحرب” قد يفتقر إلى الدقة القانونية، إذ إن مجرد بلوغ سن التجنيد لا يمنح صفة اللجوء تلقائيًا، ما لم يرتبط ذلك بأسباب تتعلق بالاضطهاد أو رفض الخدمة العسكرية لأسباب ضميرية وفق معايير محددة.
• كما يجب التمييز بين النقد الحقوقي المشروع للحملات الأمنية، وبين محاولات بعض الأطراف استغلال هذه الأحداث لتشويه تاريخ طويل من استضافة مصر للاجئين، فقد واجهت مصر سابقًا حملات مشابهة، إلا أن مواقفها العملية أسهمت في احتوائها، ومن المهم الحفاظ على هذه الصورة الإيجابية في مواجهة محاولات بث الفرقة بين الشعبين المصري والسوداني.
الخلاصة
تستضيف مصر لاجئين من أكثر من ستين دولة، ورغم وجود مؤشرات على توقف بعض الحملات الأمنية، فإن الإفراج عن الأشخاص المشمولين بحماية المفوضية يظل أمرًا ضروريًا وعاجلًا. كما ينبغي أن تضطلع المفوضية بدور أكثر فاعلية لضمان عدم ترحيل من هم تحت حمايتها، وأن تُصدر الجهات الرسمية بيانًا، يوضح أعداد المقبوض عليهم والمفرج عنهم، مع التحقيق في أي تجاوزات، قد تكون وقعت.
أشرف ميلاد روكسي
محامي لجوء
خبير بالمفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان






