مع تزايد المخاوف من هجوم أمريكي على إيران، تعود المخاوف مجددًا إزاء ملف المال الساخن بمصر، خاصة مع ارتفاع استثمارات الأجانب بأذون الخزانة إلى نحو 44.65 مليار دولار تعادل 2.1 تريليون جنيه مصري بنهاية سبتمبر الماضي، بحسب بيانات النشرة الشهرية الصادرة عن البنك المركزي.
أذون الخزانة هي أدوات دين حكومية قصيرة الأجل، تتراوح مدتها الزمنية بين 90 و364 يومًا، ويقبل عليها المستثمرون الأجانب بقوة، فإقراض الحكومة مليار جنيه لمدة 182 يومًا يحقق عائدا قبل الضرائب بنحو 24.57%، أي أن المليار يحقق 245 مليون جنيه فائدة قبل الضريبية التي تبلغ 20%.
وفتحت وزارة المالية الباب أمام المال الساخن، رغم أنها عانت من مشكلات؛ بسبب تلك الأموال من سنوات قريبة أهمها، إبان أزمة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وفي الأخيرة خرج من مصر 20 مليار دولار في 5 أشهر فقط مسببة تراجعًا عنيًفا حينها في سعر صرف الجنيه.
د. محمد معيط، وزير المالية السابق والمدير التنفيذي بصندوق النقد الدولي حاليًا، قال حينها، إن الحكومة لم يعد يمكنها الاعتماد على المشتريات الأجنبية لأذون وسندات الخزانة لتمويل ميزانيتها، بل يجب العمل على تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر، مضيفا نصًا: “الدرس الذي تعلمناه هو أنك لا يمكنك الاعتماد على هذا النوع من الاستثمار، إنه يأتي فقط للحصول على عوائد مرتفعة، وما إن تحدث صدمة، فإنه يغادر البلاد”.
الدرس لم ينته
بعد مرور 3 سنوات من تلك التصريحات، لا يبدو أن وزارة المالية تعلمت الدرس، مع تسجيل قفزات كبيرة باستثمارات الأجانب بأذون الخزانة التي بلغ إجمالي رصيدها نحو 44.94 مليار دولار بنهاية سبتمبر الماضي، مقارنة بنحو 13.6 مليار دولار في فبراير 2024 بزيادة بنحو 31.32 مليار دولار في أول 19 شهرا من تحرير سعر الصرف.
هل تؤثر الأموال الساخنة على الاحتياطي؟
الدكتور محمد فؤاد، عضو مجلس النواب، يحذر من المخاطر الكامنة التي قد تترتب على هذا الحجم الضخم من التدفقات قصيرة الأجل، حال تعرّض الأوضاع المالية العالمية أو الإقليمية لأي تقلبات مفاجئة.
يوضح فؤاد، أن تنامي تلك الاستثمارات قد يُفسَّر في توقيته الحالي كعامل دعم مؤقت لتدفقات النقد الأجنبي وتخفيف الضغوط التمويلية قصيرة الأجل، إلا أن الوصول إلى هذا المستوى القياسي يفرض الانتقال من منطق الاحتفاء بالأرقام إلى منطق إدارة المخاطر والاستدامة المالية.
انجذبت الأموال الساخنة إلى الأسواق النامية مثل مصر، بسبب وجود إعفاءات ضريبية على الأرباح الرأسمالية، مما يسهل خروجها من السوق، وظل قانون الضرائب رقم 199 لسنة 2020 يعفي غير المُقيم أو الأجنبي من الضريبة على الأرباح الرأسمالية التي يحققها في حال التصرف في أذون الخزانة قبل تعديله.
فؤاد يرى، أن استثمارات الأجانب في أذون وسندات الخزانة تُصنَّف بطبيعتها كـ”أموال ساخنة”، وهي تدفقات عالية الحساسية لتحركات أسعار الفائدة وسعر الصرف، ولا تمثل تمويلًا إنتاجيًا أو استثمارًا طويل الأجل، محذرًا من أن تضخم حجمها، يعكس فجوة عائد ظرفية، أكثر مما يعكس تحسنًا هيكليًا في قدرة الاقتصاد المصري على توليد النقد الأجنبي بشكل مستدام.
يؤدي خروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة من السوق بدون ضوابط إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي واحتياطاته، ويتبع ذلك تخفيض قيمة العملة المحلية وانهيار قوتها الشرائية، فترتفع معدلات التضخم، ونتيجة لأن تلك الأموال تبحث بشكل دائم عن الربح السريع، تعد مصدرًا غير مستقر لتدفقات العملات الأجنبية التي تهرب سريعًا من دون سابق إنذار في حال حدوث أي تقلبات إقليمية أو عالمية.
يقول فؤاد، إن الدولة نفسها سبق أن أقرت رسميًا بمخاطر الاعتماد على هذا النوع من التدفقات، لافتًا إلى تصريحات موثقة لوزير المالية السابق، أكد خلالها أن الاعتماد على “الأموال الساخنة” كان خطأ استراتيجيًا، بعد الخروج المفاجئ لنحو 22 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وما ترتب على ذلك من ضغوط حادة على سوق الصرف والاقتصاد الكلي.
أذون وسندات الخزانة.. مكاسب كبيرة
يقبل المستثمرون الأجانب بشراء عطاءات أذون الخزانة بالجنيه المصري بآجال تتراوح مدتها بين ثلاثة شهور وسنة واحدة للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة، ثم يقومون بعد ذلك ببيعها وتحويل عوائدها إلى العملة الأجنبية والتخارج من السوق المحلي، وتقبل عليها الحكومة لتمويل عجز الموازنة العامة للدولة.
لكن فؤاد يرى أن تجربة مصر مع المال الساخن لم تكن استثنائية، بل تكررت على موجات متعددة خلال أعوام 2018 و2020 و2022، ما دفع الحكومة حينها إلى الإعلان عن تغيير في الاستراتيجية الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على هذه التدفقات، والتوجه نحو جذب استثمارات مباشرة طويلة الأجل أكثر استقرارًا.
ويرفع حجم استثمارات الأجانب بأدوات الدين من درجة الترابط بين استقرار سوق الدين المحلي واستقرار سوق الصرف، بما يزيد من قابلية انتقال الصدمات الخارجية إلى الداخل، ويضاعف الضغوط المحتملة على الاحتياطيات الأجنبية، وكلفة خدمة الدين، وهامش المناورة النقدية في حال حدوث انعكاس مفاجئ في اتجاه التدفقات، بحسب فؤاد.
كما نبّه النائب، إلى أن الاستقرار الناتج عن هذا النمط من التمويل هو استقرار هش بطبيعته، وقد يؤدي دون قصد إلى خلق إحساس زائف بالطمأنينة، وتأجيل إصلاحات إنتاجية وهيكلية أعمق، وتحويل السياسة الاقتصادية من إدارة النمو المستدام إلى مجرد إدارة تدفقات مالية مؤقتة.
المال الساخن.. كلمة السر في عدم استقرار الجنيه
منذ بداية عام 2022 انخفض سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار؛ كنتيجة لهروب الأموال الساخنة على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية وارتفع ليصل إلى 19.51 جنيها لكل دولار في الربع الثالث من عام 2022 أي بنسبة تغير تصل إلى 24% خلال الفترة (الربع الأول عام 2020 إلى الربع الثالث عام 2022).
وفي الربع الرابع عام 2022 تم تحرير سعر صرف الجنية المصري للمرة الرابعة، وبلغ أكثر من 24 جنيهًا مصري للدولار الأمريكي داخل البنوك، مع وجود أسواق موازية لسعر الصرف، والتي تزايد فيها سعره بوتيرة سريعة؛ بسبب ضغط الطلب على الدولار الأمريكي، بعدما قررت الحكومة السماح بالإفراج الجمركي للبضائع المستوردة حينها.
تقدم الدراسات، على مدار السنوات الماضية، العديد من التوصيات لصانع السياسة الاقتصادية في مصر بضرورة وضع ضوابط على حركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل “الأموال الساخنة” لدورها الكبير في التأثير على سعر الصرف، وضرورة تقليل الاعتماد على الديون والأموال الساخنة في تمويل برامج التنمية المحلية، وكذلك اختيار توقيت التخفيض المناسب ومقداره، كما تنصح المستثمر في سوق الأوراق المالية باختيار التوقيت لمناسب للدخول والخروج من السوق
بحسب فؤاد، فإن الاستدامة المالية لا تُقاس بحجم الأموال عند دخولها، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحمّل صدمات خروجها دون اللجوء إلى تصحيحات قسرية، يدفع ثمنها المواطن، مطالبًا بإحالة طلب إحاطة عن هذا الموضوع إلى لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب لمناقشته بصورة شاملة.
المال الساخن.. هل يضر الاحتياطي؟
هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي ومستشار محافظ البنك المركزي سابًقا، قال في تصريحات صحفية أخيرًا، إن معظم الأموال الساخنة التي دخلت مصر خلال الفترة الأخيرة ليست مُضمنة في الاحتياطي النقدي الأجنبي، ما يجعل خروجها المفاجئ غير مؤثر بقوة أو عنف على الاحتياطي.
الفكرة ذاتها يؤكدها د. مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، الذي قال، إن الحديث عن وصول حيازات الأجانب من أذون الخزانة المصرية إلى 45 مليار دولار قد يكون مضلِّلًا، ما لم يُفكَّك الرقم، موضحا أن نحو 24 مليار دولار من هذا الإجمالي هي أذون خزانة مرهونة كضمان في تعاملات تمويلية مع مؤسسات مالية دولية، وليست استثمارًا محفظيًا ولا أموالًا ساخنة.
أذون الخزانة المرتهنة (Repo) في مصر، هي أدوات دين حكومية (بالجنيه أو الدولار) تستخدمها البنوك والمؤسسات للحصول على سيولة نقدية فورية عبر رهنها للبنك المركزي، بآجال قصيرة (91-364 يومًا) وعوائد مرتفعة، غالباً ما تتجاوز 20%، وتخضع لضرائب 20% من المنبع
أوضح أن الاستثمار الأجنبي الحقيقي في الأذون بغرض العائد (Carry Trade) لا يتجاوز 20 مليار دولار تقريبًا، وهو الجزء القابل للدخول والخروج السريع والمؤثر فعليًا في تقلبات السوق، والخلط بين الدين المرهون والاستثمار المحفظي يؤدي إلى قراءة غير دقيقة لحجم التدفقات الأجنبية ومستوى المخاطر.






