نشر المعهد الملكي، وهو مركز بحثي بريطاني (RUSI) تحليلًا، يرصد التداعيات الإقليمية لاعتراف إسرائيل بإقليم صوماليلاند. وتقدّم خلاله Hani Ibrahim، وهي باحثة ومستشارة المعهد في نيروبي، قراءة مركّزة لأبعاد القرار، تتناول دوافع إسرائيل، وتأثيره على وحدة الصومال وموقع صوماليلاند الإقليمي، مفترضة أن الاعتراف قد يعمّق عزلة الإقليم، ويزيد من مخاطره الأمنية، في ظل تصاعد دور الفاعلين غير الدوليين، وعلى رأسهم حركة الشباب الصومالية والحوثيين.
وتخلص إلى أن الخطوة مرشحة لتعميق عدم الاستقرار، بدلًا من ترسيخ الشرعية، في منطقة تشهد تنافسًا جيو سياسيًا محتدمًا، مشيرة إلى دعوات الصومال للأطراف الإقليمية وفي مقدمتها السعودية والدول المطلة على البحر الأحمر للتحرك، عقب قطع مقديشو علاقاتها مع الإمارات، كما يتناول التقرير الرفض الداخلي للقرار في صوماليلاند، وما تبعه من إجراءات أمنية، كاشفًا عن انقسامات داخلية مرشحة لمزيد من التصاعد، إلى جانب تداعيات أمنية أوسع على القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

في 26 ديسمبر، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسميًا بصوماليلاند، غير أن هذه الخطوة المثيرة للجدل تقوّض على الأرجح، الأساس الذي تقوم عليه شرعية الكيان نفسه في نظر شريحة واسعة من الصوماليين.
صوماليلاند، وهي إقليم انفصالي في شمال الصومال، أعلنت استقلالها من جانب واحد عام 1991، ومنذ ذلك الحين، عمل الإقليم ككيان يتمتع بحكم ذاتي فعلي، لكنه ظل معزولًا دبلوماسيًا، ولم يحظَ– حتى الآن– بأي اعتراف دولي، وقد وقّع كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الخارجية جدعون ساعر، ورئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله (المعروف بـ«عِرّو») إعلانًا مشتركًا للاعتراف المتبادل، جرى توقيعه عبر تطبيق «فايس تايم»، في سابقة لافتة في الممارسة الدبلوماسية.
وفي 6 يناير، أصبح ساعر أول مسئول إسرائيلي يزور هرجيسا عاصمة الأقليم، مُعلنًا إقامة علاقات دبلوماسية كاملة.
ما الذي يدفع إسرائيل للإهتمام بالمنطقة؟
على الرغم من التكهنات الواسعة في أديس أبابا ونيروبي وواشنطن، لم تحذُ أي دولة أخرى حذو إسرائيل حتى الآن، وقد حوّلت هذه الخطوة منطقة القرن الإفريقي إلى بؤرة شديدة التقلب، كاشفة عن إعادة اصطفاف جيو سياسي ناشئة، تدافع فيها الولايات المتحدة عن حق إسرائيل في هذا القرار، مع تمسكها الرسمي في الوقت ذاته بوحدة الأراضي الصومالية.
كما أسهم القرار في بلورة تكتل مضاد، تقوده مصر والسعودية وتركيا، متحالفًا مع مقديشو، ومتأثرًا بتصاعد التنافس مع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي رغم دعمها المعلن لسيادة الصومال، تحافظ على علاقات قوية مع صوماليلاند، وتُتهم على نطاق واسع بتسهيل قرار إسرائيل.
دعوة الرياض للتدخل عسكريا

وقد قطعت الصومال علاقاتها رسميًا مع الإمارات عقب دخول زعيم انفصالي يمني مدعوم من أبوظبي إلى أراضيها عبر صوماليلاند، ما دفع مقديشو إلى إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات.
ودعا وزير الدفاع الصومالي، أحمد فِقِي، المملكة العربية السعودية إلى اتخاذ عمل عسكري ضد صوماليلاند، في مؤشر على تحول أوضح في التموضع السياسي باتجاه الرياض.
في المقابل، اتسمت مواقف دول إقليمية مثل إثيوبيا وكينيا بالحذر، حيث جدّدتا التأكيد على سيادة الصومال، بينما اتخذت جيبوتي موقفًا أكثر تشددًا، فقررت تعليق جميع علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع صوماليلاند.
لقد أحدث اعتراف إسرائيل بصوماليلاند اضطرابًا واسعًا في منطقة القرن الإفريقي، التي باتت على نحو متزايد ساحة تنافس جيو سياسي لقوى الخليج والشرق الأوسط، فالمنطقة تُعد مركزًا بالغ الأهمية للمصالح الأمنية، وتستضيف قواعد عسكرية، تُستخدم في عمليات مكافحة الإرهاب والقرصنة، وتتمتع صوماليلاند تحديدًا بموقع استراتيجي، يتيح الوصول إلى خليج عدن، وإلى مضيق باب المندب، وهو أحد أهم الممرات البحرية العالمية التي يمر عبرها جزء كبير من التجارة الدولية.
وقد استقطبت الخطوة الإسرائيلية اهتمام أطراف رئيسية في مصر والسعودية واليمن والإمارات وتركيا، في وقت تراقب فيه الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي التطورات عن كثب.
ثلاثة أهداف لإسرائيل
وخلال زيارته الرسمية الأولى إلى هرجيسا، حدّد ساعر ثلاثة مجالات رئيسية للتعاون مع صوماليلاند: المياه والزراعة، والصحة والتعليم، والدفاع والأمن. غير أن المجال الأخير هو الذي حظي بالاهتمام الأكبر. فقد تحدثت تقارير عن احتمال إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في صوماليلاند، رغم النفي السابق. وأشار مسئولون إسرائيليون سابقون إلى ثلاثة دوافع أمنية استراتيجية رئيسية، تقف خلف القرار:
التعاون في مجال الأمن البحري، لا سيما في باب المندب وخليج عدن.
إنشاء قاعدة عسكرية لمراقبة أنشطة الحوثيين عبر الخليج.
المشاركة في استراتيجية تطويق ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويضم حركة حماس وحزب الله والحوثيين وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
ولا تثير هذه الخطوة الجدل فقط؛ لأنها تقوّض مطالبة الصومال بالسيادة ووحدة الأراضي، بل لأنها تمس كذلك الهوية السياسية للدولة، والإطار الأخلاقي الأوسع الذي تستند إليه تلك الهوية.
ومنذ عام 2024، أفادت تقارير متعددة، بأن إسرائيل كانت تدرس إمكانية نقل الفلسطينيين قسرًا من غزة وإعادة توطينهم في المنطقة، ورغم تأكيد صوماليلاند، أن قرار الاعتراف لا علاقة له بالقضية الفلسطينية، فإن كلًا من الصومال والسلطة الفلسطينية يريان وجود رابط واضح بين الأمرين.
ما تداعيات ذلك على مقديشو وهرجيسا؟
لم يُسهم الاعتراف في تعزيز موقع صوماليلاند الإقليمي، بل على العكس، ينذر بعزلها بصورة أعمق، ويقوض جهودًا دبلوماسية تاريخية. وعلى الرغم من ترحيب بعض الأوساط في صوماليلاند بالقرار، فإنه لم يحظَ بدعم خارجي يُذكر، فالإقليم، الواقع في تقاطع هوياتي بين الصومال وإفريقيا والعالم العربي والعالم الإسلامي، لم يتلقَ دعمًا ملموسًا من أي من هذه الدوائر.
وقد جدّدت غالبية الحكومات الإقليمية دعمها لوحدة الأراضي الصومالية، فيما سارع كل من الاتحاد الإفريقي ومجموعة شرق إفريقيا إلى إدانة الخطوة الإسرائيلية، وتخشى الدول الإفريقية على وجه الخصوص، من أن يؤدي استقلال صوماليلاند إلى تشجيع حركات انفصالية أخرى في القارة.
بالنسبة لهرجيسا، يمثل الاعتراف الإسرائيلي معضلة وجودية: إقليم لطالما جرت مغازلته؛ بسبب أهميته الاستراتيجية، لكنه حُرم من الاعتراف، ليجد نفسه اليوم أمام اعتراف لا يحسم وضعه السياسي، بل يهدد بتعميق عزلته.
فعلى مدى عقود، انخرطت أطراف دولية مع صوماليلاند اقتصاديًا وعسكريًا، مع الإصرار العلني على سيادة الصومال، في تمييز ضمني بين الصومال كدولة والصومال كحيز جغرافي.
وهذه الحالة ليست فريدة، إذ شهدت كيانات «بحكم الأمر الواقع» أخرى نمطًا مشابهًا من الغموض الاستراتيجي، حيث يوفر الاعتراف الانتقائي أمنًا مؤقتًا، لكنه يرسخ التبعية، ويطيل أمد الجمود السياسي.
تنظر مقديشو إلى الإعلان الإسرائيلي بوصفه «عملًا عدوانيًا»، فالخطوة لا تمس فقط السيادة ووحدة الأراضي، بل تقوض أيضًا الهوية السياسية للصومال والأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه، ويُذكر أن الصومال وجيبوتي هما الدولتان الوحيدتان في القرن الإفريقي، ومن بين 29 دولة فقط عالميًا اللتين لا تربطهما أي علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ولا تعترفان بدولتها.
وفي الوعي الصومالي، تُعد القضية الفلسطينية مرجعية أخلاقية راسخة، تتجاوز القومية والسياسة والمزاج الشعبي.
تباين في موقف سكان الإقليم
وتتسم الوقائع الصومالية بتعقيد أكبر من الثنائية الشائعة التي تختزل المشهد في «صومال فاشل» مقابل «صوماليلاند ديمقراطية»، فعلى الرغم من أن هرجيسا نجحت في ترسيخ قدر من الاستقرار النسبي، فإن صوماليلاند نفسها لم تكن موحدة بالكامل يومًا.
وقد أدى الاعتراف إلى تصاعد التوترات الداخلية، وإلى جدل حول حرية التعبير، في ظل حملة حكومية على الأصوات المعارضة. وجرى اعتقال عدد من رجال الدين والمفكرين لمعارضتهم الاتفاق الإسرائيلي، واعتبارهم إياه إشكاليًا أخلاقيًا وسياسيًا، كما أفادت تقارير باعتقال أشخاص، رفعوا الأعلام الفلسطينيةن وكشف القرار عن انقسامات داخلية عميقة، لا سيما في المناطق الشرقية والغربية المهمشة تاريخيًا، حيث يرى بعض الانفصاليين، أن الاعتراف بهذه الشروط أسوأ من عدم الاعتراف أصلًا، وهو موقف متجذر في الدعم التاريخي لسكان صوماليلاند للقضية الفلسطينية.
عامل حركة الشباب والحوثيين
استدعى القرار الإسرائيلي ردود فعل حادة من كل من الحوثيين وحركة الشباب، ما يعكس حجم الرهانات الأمنية والأيديولوجية في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر. فالخطوة توفر مادة دعائية غنية لذراع حركة الشباب الإعلامية «الكتائب»، يمكن استغلالها في التجنيد، كما قد تفتح أمام الحركة أهدافًا جديدة للهجمات.
وعقب زيارة ساعر إلى هرجيسا، أصدرت حركة الشباب بيانًا، وصفت فيه قيادة صوماليلاند بالمرتدة، وشرعنت استهدافها، داعية أنصارها إلى «الجهاد»، ومستحضرة القضية الفلسطينية، ومؤكدة أن أي وجود إسرائيلي في صوماليلاند سيُعد هدفًا مشروعًا.
ورغم محدودية الوجود الدائم للحركة في الإقليم، فإن البيان استحضر هجمات عام 2008 في هرجيسا، في إشارة إلى النية والقدرة العملياتية. واعتبر المتحدث باسم الحركة، علي ديري (علي محمد راجِه)، الاعتراف «ذروة الإذلال والعار»، متعهدًا بالدفاع عن «الأراضي» ضد «الإسرائيليين الملعونين».
كما بثت منصات إخبارية موالية للحركة صورًا لمدنيين، يحتجون ضد إسرائيل في مناطق خاضعة لسيطرتها.
وعلى الضفة الأخرى من خليج عدن، حذّر الحوثيون في اليمن، من أن أي وجود إسرائيلي في صوماليلاند سيُعامل كـ«هدف عسكري مشروع».
ومع الغموض الذي اكتنف وقف إطلاق النار في غزة مطلع عام 2026، ألمح الحوثيون إلى استعدادهم لتصعيد الهجمات ضد أهداف إسرائيلية، وقبل الإعلان الإسرائيلي، كان الحوثيون قد فرضوا حصارًا بحريًا في البحر الأحمر وخليج عدن؛ أدى إلى تراجع حركة الشحن عبر قناة السويس بنسبة 70%.
وتشير تقارير إلى تصاعد التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب خلال العام الماضي، بما يمثل تهديدًا متناميًا للأمن والاستقرار في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فإلى جانب محاولات تعزيز قدرات الحركة في مجال الطائرات المسيّرة، يُقال إن مقاتلين صوماليين تلقوا تدريبًا عسكريًا وأيديولوجيًا لدى الحوثيين.
كما تورط الطرفان في شبكة تهريب أسلحة عابرة للحدود، رغم سريان حظر أممي على السلاح. ويبدو أن العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب، آخذة في التوطد، وقد يؤدي توجيهها نحو هدف مشترك إلى تغيير جذري في معادلات عدم الاستقرار الإقليمي.
فرضية تعميق العزلة
بالنسبة لإسرائيل، فإن مساعيها لتعزيز علاقاتها مع صوماليلاند– كما فعلت مع أطراف أخرى في العالم العربي، مثل المغرب والإمارات والبحرين عبر «اتفاقيات إبراهام» تصطدم بتجاهلها واقع القضية الفلسطينية.
أما صوماليلاند، فإن سعيها إلى الاعتراف الدولي أدى على إلى تعميق عزلتها، فإقليم اعتاد العمل ذاتيًا دون اعتراف دولي، يجد نفسه اليوم مرفوضًا دبلوماسيًا، ويواجه تهديدًا متزايدًا من الجماعات المتطرفة، ما يثير تساؤلات جدية حول جدوى هذا المسار الذي اختارته هرجيسا.






