قبل ثمانية قرون، مع مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، كانت أوروبا تشق طريقها العسير والشاق والطويل نحو بناء الدولة الوطنية المركزية الموحدة على أنقاض واقع موروث من العصور الوسيطة الباكرة، يقوم على سلطة مركزية هشة وضعيفة، سلطُتُها لا تتجاوز حدود باريس أو لندن، بينما يتمتع رؤساء الإقطاع بسلطات سياسية وإدارية وقضائية كاملة داخل قلاعهم وبين أسوار إقطاعاتهم، كان هذا هو واقعُ الحال منذ انهارت الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476 ميلادية، الإقطاع كان ضرورة، أملتها حقائقُ الواقع، فقد كان هو الحل الوحيد القادر على ملء الفراغ الاجتماعي والسياسي الذي أعقب سقوط الإمبراطورية، كان الإقطاع جنباً إلى جنب ويداً بيد وكتفاً بكتف مع الكنيسة الكاثوليكية، هما المؤسستان القادرتان على حماية غرب أوروبا من الفوضى الأدبية والمادية، الكنيسة قدمت منظومة فكرية، والإقطاع قدم منظومة أمنية، وبهما معاً أمكن الحفاظ على استمرارية الحياة، دون انتكاسات كبرى، تعصف بالحد الأدنى من الأمان والنظام والاستقرار اليومي لروتين الحياة المعيشية.

مع وجود هاتين المؤسستين، وعدم الاستغناء عن دورهما، تشكلت بنية السياسة والاقتصاد والاجتماع والقانون والفكر في أوروبا العصور الوسيطة المتأخرة التي شهدت البذور، ثم الجذور الأولى لبناء الدولة الوطنية التي ظلت تتغير وتتطور على مدار ثمانية قرون، حتى تشكلت على النحو الذي نراه الآن، ومع وجود هاتين المؤسستين- الإقطاع والكنيسة- كان يستحيل على أي سلطة مركزية، أن تقوى أو تسيطر أو تتمكن من بسط كامل سلطتها على كامل ترابها وشعبها، لم تكن تستطيع أي سلطة مركزية، أن تجسد السيادة العليا منفردة، ما دامت هي لا تستطيع أن تستغني عن أدوار الإقطاع والكنيسة، كما لا تستطيع أن تحل محلهما سواء في حفظ الأمن المحلي أو تقديم منظومة معنوية وروحية وفكرية مُقنعة وجاذبة لعموم الناس، الإقطاع كان ضرورة، ما دام لا توجد سلطة مركزية قابضة على الزمام واللجام بقوة وإحكام، كذلك كانت الكنيسة ضرورة، ما دام بقي الفراغ السياسي لا يجد سلطة حكم ذات رؤية وفكر ومنهج، قادرة على أن تملأ فراغه الشاغر.

لكن مع مطلع القرن الثالث عشر شهدت بلاد غرب أوروبا وشمالها ثلاث نهضات في وقت واحد :1- ترجمة الفكر اليوناني عن ابن رشد وغيره من فلاسفة الإسلام مع الانفتاح على الحضارتين البيزنطية والإسلامية؛ كنتيجة ترتبت على حركة الحروب الصليبية. 2- نهضة قانونية تمثلت في التعرف على القانون الروماني ممثلاً في مدونة جستنيان. 3 – نهضة في الحكم تقوم على جناحين: أولهما- تأسيس بيروقراطية إدارية مستقرة ودائمة، تتقاضى مرتبات نقدية منتظمة، وقبل ذلك كانت تتقاضى أراضي وضياع في مقابل الانتظام في خدمة الدولة، وكانت تمثل مشكلة، لمن لا يحسن زراعة الأرض أو استثمارها، فجاءت المرتبات النقدية المنتظمة حلاً ناجزاً، أغرى المتعلمين وأهل الكفايات والخبرات، أن ينتظموا في خدمة الدولة عبر القيام بوظائف دائمة في جهازها الإداري، أما الجناح الآخر: فبالإضافة إلى تكوين بيروقراطية إدارية عمومية، لجأ الملوك كي يكسبوا عطف الرعايا إلى بسط محاكم ملكية، تقيم العدل وتنظر في النزاعات وتفصل بين الناس، وتؤكد حضور المؤسسة الملكية في كافة الأنحاء وبين كافة الطبقات، كان هذا القضاء الملكي هو البديل عن القضاء الإقطاعي والقضاء الكنسي، وقد أخذ القضاء باسم الملك، يكسب كل يوم أرضاً جديدة تحت راية العدالة للشعوب، حتى أجهز على قضاء الإقطاع، كما أنهى قضاء الكنيسة، كانت عدالة الملوك هي سبيلهم الوحيد لكسب الشعوب إلى جانبهم في معاركهم التي دامت عدة قرون في الصراع ضد الإقطاع كما ضد الكنيسة، ناضلت الحكومات الملكية مئات السنين لاحتواء النبلاء والأشراف من قادة الإقطاع، وكذلك احتواء الباباوات من زعماء الكنيسة الكاثوليكية.

من هنا ظهرت مبكراً، منذ مطلع القرن الثالث عشر، المعادلة الأساسية للتطور السياسي الأوروبي، الطرف الأول للمعادلة هو كيف تصبح الدولة قوية، أقوى من كل رعاياها، أقوى من الإقطاع، أقوى من الكنيسة، كيف تكون صاحبة السيادة عليها، فلا تعلوها سلطة، مثل الكنيسة، ولا تنافسها سلطة مثل الإقطاع، ثم الطرف الثاني من المعادلة كيف تستطيع السلطات الملكية أن تكسب الشعوب إلى صفوفها في هذا الصراع التاريخي الممتد، هنا ظهرت فكرة العدالة، وفكرة دولة القانون، وفكرة القضاء المنظم، وفكرة حقوق الدفاع وتكوين المحامي المحترف، وبالتوازي فكرة القاضي المتفرغ المنتظم المتعلم المحترم، وكانت خلاصة ذلك، تيسير دراسة القانون دراسة أكاديمية منظمة، واشتراط أن يحصل المحامي والقاضي على المقادير الوافية من العلوم القانونية، قبل أن يزاول المهنة، مثل هذا التطور حدث في القرن الثالث عشر، وهو كاشف للأسبقية الأوروبية في مضمار دولة القانون وبسط العدالة وحقوق الدفاع وتأهيل القضاء، فقبل ذلك كانت المحاماة مجرد مهارة شخصية، تعتمد على الفصاحة والبلاغة والذكاء الفطري فقط، وكذلك كان القضاء أقرب ما يكون إلى جلسات التحكيم العرفي، تجاوزت أوروبا كل ذلك قبل ثمانية قرون، أما نحن فقد تأخرنا، ولم نبدأ شيئاً من ذلك إلا عند الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ولم يتم تنظيم مهنتي المحاماة والقضاء إلا مع مطلع القرن العشرين

كان لويس التاسع- وهو ملك قديس مؤمن اشتهر بالتقوى والورع وحب العدل، لدرجة أنه كان يجلس تحت شجرة، ويتوافد إليه الناس، يقدمون منازعاتهم بين يديه، وهو يفصل بينهم بالعدل، ويقضي بينهم بالحق- هذا الملك كان في وقت واحد يفعلُ أمرين: يجتاح قلاع قادة الإقطاع، ويكسر شوكتهم، وفي الوقت ذاته يكسب عطف الشعب بإقامة العدل وعلى نهجه سار حفيدُهُ فيليب الرابع الذي أعلن تأسيس برلمان باريس 1302، وهو هيئة قضائية كانت بمثابة المحكمة العليا في جميع أنحاء المملكة الفرنسية.

وفي بريطانيا، وحتى قبل أن تعرف الماجنا كارتا أو وثيقة الحقوق أو العهد الأعظم 1215، كانت فلسفة الحكم تقوم على فكرة أن إرساء العدالة هو الواجب الأول المتوقع من الحاكم، وكان الملك هنري الثاني 1154- 1189 لا يكتفي فقط بإقامة العدل، إنما كان يأمر بتعويض المجني عليهم، بما يرفع عنهم الغبن وبسرعة ودون إبطاء، وقد عرفت بريطانيا في النصف الثاني من القرن الثاني عشر أي قبل عصر الماجنا كارتا، ما عُرِفَ باسم الأوامر الملكية القضائية، وكانت عبارة عن خطابات رسمية باسم الملك، تتناول توضيحاً للإجراءات التي يلزم اتخاذُها لتصحيح المظالم التي يشكو منها الأفراد، ومن هذه الأوامر الملكية القضائية ما كان يتم توجيهه من الملك إلى حكام المقاطعات، بأن يقوموا بإنصاف من تقع عليهم المظالم وتعويضهم، وإذا لم ينجز حاكم المقاطعة التكليف الموكول إليه، كان عليه أن يحضر إلى حيث المقر الملكي ليشرح أسباب ذلك.

الخلاصة: تقوية سلطة الدولة في أوروبا بدءاً من القرن الثالث عشر، والتي اشتهرت بالحكم المطلق، أو الحكم بالحق الإلهي، كانت في جوهرها عملية تاريخية ضرورية، لا بديل عنها لخلق دولة وطنية مركزية قوية موحدة، لا تنتقص فيها سلطة الدولة بتغول سلطة الإقطاع والكنيسة عليها، وفي مقابل هجمة الدولة المبررة على الكنيسة والإقطاع، فإنها سعت دائماً إلى ضمان إقامة العدل وخلق هوية وطنية من خلال منظومة قضائية موحدة، هي قضاء الملك ومحاكم الملك التي قضت بالتدريج على محاكم الإقطاع ومحاكم الكنيسة، فكرة العدالة والقانون واستقلال ضمير القضاء، هي فكرة أصيلة قديمة ذات جذور عميقة في التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لكل من الدولة والمجتمع وحقوق الإنسان الفرد في التجربة الأوروبية.

نستكمل الأربعاء المقبل بمشيئة الله