تواجه سوريا تحديات كثيرة أبرزها، بسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني، وحل مشكلة الدروز والعلويين والأكراد الذين يشكلون مع المسيحيين نحو ثلث المجتمع في مقابل غالبية سنية تقدر بالثلثين.
وقد نجحت القوات الحكومية طوال الأسبوع الماضي في السيطرة تقريبا على كل الأراضي التي كانت تسيطر عليها قوات قسد ذات الغالبية الكردية، وتحديدا في مناطق الرقة والحسكة والقامشلي، حتى وصلت إلى مدينة “عين العرب” (كوباني)، والتي كانت مسرحا لمعارك شرسة مع داعش، وبات التحدي الذي يواجه النظام الجديد، ليس السيطرة العسكرية على أراضي كانت واقعة خارج سيطرة الدولة، إنما في أن تقنع مختلف المكونات السورية، وخاصة “الثلث الآخر”، بأن القوات الجديدة هي قوات دولة ومشروعها مشروع دولة، وليست امتدادا لفصائل مسلحة، حاربت النظام الاستبدادي، ودفعت ودفع معها الشعب السوري أثمانا باهظة من أجل إسقاط واحد من أبشع النظم الديكتاتورية في العالم.
ومن هنا، لم يكن غريبا أن يكون أبرز ما تردد عقب تقدم القوات الحكومية في أماكن سيطرة قوات قسد هو أن الدولة الجديدة ستعمل على دمج مختلف المكونات في المسار السياسي الجديد، وأكدت في نفس الوقت على ضرورة إعادة بناء الدولة وتأهيل الفصائل المسلحة التي واجهت نظام “آل الأسد”، وأسقطته، حتى تصبح قوات وأجهزة دولة.
وللأسف لم تمارس هذه الفصائل ممارسات الدولة الوطنية، وارتكبت في عدد من المناطق انتهاكات عديدة، مثلما جرى في محافظة السويداء ومدن الساحل، واستهداف أبرياء على الهوية المذهبية، مما دل على أن هناك أزمة في عمليتي إعادة بناء الدولة وإعادة تأهيل العناصر المسلحة.
والحقيقة، إن إعادة بناء الدولة السورية على أساس مهني جديد، يعني النجاح في إعادة تأهيل قوى وجماعات قادمة من خارج المؤسسات والقواعد السائدة وتكرار تجارب نجاح، حدثت في كثير من المجتمعات شرقا وغربا.
لقد شهدنا من أوروبا إلى أمريكا الجنوبية دولا تحول فيها الراديكاليون اليساريون إلى إصلاحيين واجتماعيين ديمقراطيين، وهو تحول تطلب وجود مؤسسات دولة قوية، حتى لو لم تكن ديمقراطية، ولا تحترم القانون، ولكن في النهاية، وكما جرى في كثير من المجتمعات، وخاصة في دول أمريكا الجنوبية حيث نجحت التنظيمات المعارضة عبر النضال السياسي وأحيانا الفعل المسلح في إصلاح هذه المؤسسات غير الديمقراطية.
أما أوروبا الشرقية، فقد عرفت نظما سياسية شيوعية استبدادية، ولكنها في نفس الوقت عرفت مؤسسات دولة قوية وراسخة، ولم تعرف تجارب سقوط الدولة أو تحللها، مثلما حدث في سوريا أو ليبيا، فقد حدث التغيير في أوروبا الشرقية، وجاءت قوى الحكم الجديدة على دولة موجودة أصلا، فأصلحت مؤسساتها لكي تنسجم مع قواعد النظام السياسي الجديد.
وحتى التجربة التركية فقد حملت في جانب رئيسي منها مفهوم البناء وإعادة التأهيل، فقد تعلم الجميع من دروس الماضي، ولم تعد الدولة التي هيمن عليها الجيش هي نفسها الدولة الحالية، ولم يعد دور الجيش التركي الذي قام بانقلابين دمويين في ١٩٦٠ و١٩٨٠، هو نفسه الجيش الحالي الذي تقوده السلطة المدنية المنتخبة، أما التيارات الإسلامية التي ناصبت الجمهورية التركية العداء، فأصبحت مع تجربة أردوغان أحزاب محافظة ديمقراطية، تبنت العلمانية المنفتحة، واحترمت القيم والمظاهر الدينية، ولا تدعو لتطبيق الشريعة.
في كل هذه التجارب كانت هناك إما مؤسسات دولة قوية، حتى لو تكن ديمقراطية، وحين أسقطت التنظيمات والقوي المعارضة النظام السياسي، أصلحت مؤسسات الدولة، أي إنها استلمت في النهاية دولة، حتى لو لم تكن ديمقراطية، أو هناك تجارب أخرى، امتلكت أيضا مؤسسات دولة قوية، ولكنها تحترم الديمقراطية والقانون، ونجحت في استيعاب وإعادة تأهيل القوي الجديدة، وحولت المتطرفين إلى معتدلين، كما حدث مع فصائل سياسية، بدأت ثورية وحولتها المؤسسات القائمة بالأدوات القانونية والديمقراطية إلى إصلاحية.
أما المشكلة الكبرى في سوريا، تكمن في أن النظام الجديد استلم مؤسسات دولة غائبة، بعد أن دمرها بشار الأسد، فأضعف الجيش وتحول إلى أداة لقتل السوريين، وانهارت الإدارة والإعلام والقضاء والشرطة، ومارس النظام على مدار ١٤ عاما جرائم مروعة بحق الشعب السوري، وأفشل مشاريع الإصلاح من داخل النظام منذ ٢٠١٤ بإجهاض بديل وزير الخارجية الأسبق فاروق الشرع، وكان يمكنها أن تحافظ على ما تبقى من الدولة السورية، وفي قلبها الجيش، وتفتح الباب أمام إصلاح مؤسسي وسياسي.
إن معضلة الوضع الحالي أنه لا توجد مؤسسات دولة قادرة على استيعاب وإعادة تأهيل الفصائل المسلحة، وفق قواعد موجودة سلفا، وبالتالي، سنصبح أمام التحدي الأصعب لتجاوز المحنة السورية، ويتمثل في بناء الدولة الجديدة على أسس الحياد والمهنية في ظل انهيار “مؤسسات” الدولة القديمة.
المشهد السوري الحالي، يقول إن الحد الفاصل بين عمل التنظيمات والفصائل في المعارضة المسلحة وبين عمل مؤسسات الدولة، لم يظهر بعد بصورة كاملة، وإن مسألة إعادة تأهيل عناصر الجيش والأمن العام، يجب أن يكون هدف جميع المحبين لسوريا؛ لأن كثير من عناصرها ارتكبوا انتهاكات، ولا يوجد بديل لهم إلا الفوضى والتقسيم.
لن تُقنع الدولة الجديدة باقي المكونات السورية، إلا لو ضمت في أجهزتها عناصر من كل الطوائف، وصهرتهم داخل “بوتقة وطنية”، وليس محاصصة مذهبية، صحيح إنه أمر جيد أن يتم دمج عناصر من تنظيم قسد في ثلاثة ألوية للجيش السوري، ويجب أن يتكرر نفس الأمر بالنسبة للعلويين، وعلى أمل أن يصل للدروز، إلا أن معيار النجاح هو في صهرهم داخل مؤسسات وطنية، تُبنى على أسس مهني وقانوني، ومستقل عن هيمنة خطاب الفصائل والجماعات المسلحة.






