يأتي التقارب المصري- التركي الحالي كمرحلة جديدة مختلفة، تتجاوز استعادة العلاقات بين القاهرة وأنقرة أو توسيع التعاون الاقتصادي، إلى اختبار حقيقي للدولتين، يتعلق بالأمن القومي وحدود النفوذ الإقليمي.

الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لكل من الرياض، وبعدها إلى القاهرة تأتي في لحظة، تتقاطع فيها مسارات هامة في المنطقة المشحونة بالاضطراب، فيتشابك فيها ما هو اقتصادي ملح، مع ما هو سياسي، يعيد ترتيب المشهد، مع ما هو أمني تفرضه التطورات في الشرق الأوسط، وتتقاطع فيه المصالح المصرية التركية ولا يحتمل التأجيل أو الحياد

في هذا الطرح، نتعامل مع مسار التقارب المصري التركي بوصفه مسارا مركبا، لا يمكن فهمه من خلال النظر لصور الزيارة ولا البيانات الرسمية المشتركة، بل بتتبع الطبقات المختلفة لهذا التقارب، وما رصدته الصحف والمؤسسات البحثية، وما كشفته الأحداث في الشهور الأخيرة، والسؤال الطبيعي والأول هو: لماذا الآن؟

الاقتصاد بوابة التقارب الأولى

من بوابة الاقتصاد، عادت مصر وتركيا للتقارب بعد سنوات الاختلاف، فمنذ عام 2024، تحركت القاهرة وأنقرة معا؛ لإعادة العلاقة على أساس فكرة واضحة يفهمها الطرفان جيدا: المصالح المشتركة.

الهدف الأساسي الذي أعلن في حينها من الجانبين هو رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار خلال سنوات مقارنة بنحو 8_9 مليارات قبلها، فالعلاقات التجارية لم تتوقف والتعاون الاقتصادي استمر بصمت، وربما هو ما حافظ على الأرضية المشتركة في زمن الخلاف، فارتفاع حجم التبادل التجاري لم يأت كدعاية، بل ارتبط واقعيا بإجراءات عملية مباشرة: إعادة تنشيط اللجان الاقتصادية المشتركة، وتسهيلات للاستثمار، وفتح قنوات مباشرة بين البلدين.

اللافت للنظر هو تركز الاستثمارات التركية في مصر في قطاعات بعينها تصديرية طويلة الأجل لا قصيرة الأجل، مما يطرح بعدا يوحي بالثقة في الاستثمار.

تركزت الاستثمارات التركية في مصانع الغزل والنسيج والملابس الجاهزة، خاصة في المناطق القريبة من محور قناة السويس، وهو ما يعني أن تركيا تبحث عن قواعد إنتاج مستقرة ومنخفضة التكلفة، ومصر بدورها تسعى لتوطين الصناعة وزيادة الصادرات وخلق فرص عمل، هناك قطاعات أخرى للاستثمار التركي في مصر مثل الصناعات الهندسية والمعدنية والكيماويات والبلاستيك والصناعات الغذائية، ولكنها ليست بثقل الاستثمارات في قطاع النسيج. فالعلاقة الاقتصادية المصرية– التركية لا تقوم على تنوع القطاعات بقدر ما تقوم على تركيز مدروس في قطاعات كثيفة العمالة ومنخفضة الحساسية السيادية، مع إبقاء القطاعات الاستراتيجية تحت إدارة سياسية مباشرة.

ببساطة أكثر، يمكن القول إننا امام تعاون تتشابك فيه المصالح، ويجعل التدهور السياسي في العلاقات مكلف للطرفين، وبالتالي، الاقتصاد كان هنا أداة التقارب الأولى…

من الاقتصاد إلى الأمن: كيف ومتى تغير سقف العلاقة؟

جاءت الشرارة الأولى التي حولت التقارب إلى ضرورة ملحة من غرب مصر وشرق المتوسط معا، في ليبيا، تحول التنافس إلى دعم لأطراف الصراع، وبلغ التوتر ذروته مع إعلان القاهرة عن خط سرت- الجفرة كخط أحمر في مواجهه مباشرة للدعم العسكري التركي لحكومة طرابلس، وبالتالي، بدا شبح المواجهة العسكرية بين القوتين الإقليميتين يلوح في الأفق وتزامن هذا مع اشتعال أزمة توقيع تركيا لاتفاق ترسيم الحدود البحرية مع حكومة طرابلس، ورد مصري بتوقيع اتفاق مماثل مع اليونان، وإنذار بتحول المتوسط لساحة صراع غير معلنة.

أدركت القاهرة وأنقرة، أن تكلفة الصدام أعلى بكثير من أي مكسب محتمل، وبدأت قنوات الاتصال في إدارة الخلاف ومنع الانزلاق إلى حرب، كانت هذه هي اللحظة التي ولِد فيها التعاون الأمني، لا كخيار بل حفاظا على البقاء.

العاصفة الثانية: صدى الانفجار في السودان

وبينما كانت خطوات الثقة تسير ببطء، اندلعت أزمة السودان في إبريل 2023، لتصبح عاملا حاسما للتعاون الأمني بين البلدين، خاصة وأن السودان يمس الأمن القومي للبلدين، بالنسبة لمصر، السودان هو العمق الاستراتيجي الجنوبي، وبالنسبة لتركيا السودان بوابة استثماراتها في إفريقيا وقاعدة تواجدها الاقتصادية في البحر الأحمر. ما جرى في ليبيا كان تمريناً على إدارة الخلاف، لكن السودان فرض الانتقال من إدارة الخلاف إلى إدارة الخطر.

هنا لم يعد التنسيق الأمني يقتصر على تجنب الصدام في ليبيا، بل امتد ليشمل ضرورة العمل معًا؛ لمنع انهيار دولة بحجم وأهمية السودان. الخطر المشترك هنا هو مواجهة فراغ استراتيجي، يمكن أن تملأه الفوضى والتطرف. هذا التهديد الجديد وحد الرؤى، وأكد للبلدين، أن مصيرهما في المنطقة مترابط بشكل وثيق، وأن التنسيق ليس رفاهية بل ضرورة.

وهكذا، أخذت الصورة في الاكتمال. بدأت بالاقتصاد الذي حافظ على الجسور، ومرت بالخطر المباشر في ليبيا وشرق المتوسط الذي أجبر الأطراف على الحديث، وتطورت بالأزمة السودانية التي حولت الحوار إلى شراكة. إن قصة التقارب الأمني بين مصر وتركيا هي درس في الواقعية السياسية، تؤكد أن في عالم السياسة الدولية، لا توجد عداوات دائمة، بل مصالح مشتركة، وأن أقوى التحالفات تنمو على أنقاض أخطر الأزمات، وهذا ما سنراه في الأسطر القادمة..

التعاون العسكري– الأمني: ما الذي يجري فعليًا تحت السطح؟

لا يمكن تفسير التقارب المصري– التركي الراهن بالاقتصاد وحده، ولا حتى بوضعه في إطار الأزمة السودانية فقط، ما يتشكل بين القاهرة وأنقرة هو مسار تعاون أمني– عسكري متدرّج، جرى بناؤه بهدوء وعلى مراحل، وبعيدًا عن الضوضاء الإعلامية، لأن الملفات التي يتعامل معها تمس مباشرة مفاهيم السيادة والأمن القومي وحدود النفوذ الإقليمي، هذا المسار لا يأخذ شكل تحالف عسكري معلن، ولا يرتقي إلى مستوى قواعد أو قوات مشتركة، لكنه يتجاوز بوضوح مرحلة التنسيق السياسي التقليدي، ويدخل نطاق تفاهم عملي منضبط، يقوم على إدارة المخاطر لا على صناعة مراكز قوى واصطفاف.

أبرز مؤشرات هذا التحول يظهر في ملف الطائرات المسيّرة. حيث الانتقال من منطق شراء السلاح الجاهز إلى منطق إنتاجه أو توطينه جزئيًا داخل مصر، يعكس تغيرًا نوعيًا في مستوى الثقة السياسية بين الطرفين. الاتفاقيات المعلنة بين الهيئة العربية للتصنيع وشركات دفاع تركية، وفي مقدمتها “هافيلسان”، بشأن إنتاج مسيّرات ذات إقلاع وهبوط عمودي داخل مصر، لا تكتسب أهميتها من الخصائص الفنية للمسيّرة نفسها، بل من طبيعة القرار الذي سمح بها، تركيا قبلت نقل معرفة تقنية إلى دولة، لم تكن حتى وقت قريب، ضمن دوائرها الدفاعية المغلقة، ومصر قبلت إدخال شريك إقليمي غير غربي إلى قطاع سيادي بالغ الحساسية، في خطوة تعكس تحولًا في طريقة تعريف الخطر والفرصة داخل المؤسسة الأمنية المصرية، هذا النوع من التعاون لا يتم إلا بعد حسم سؤال مركزي: هل يشكل الطرف الآخر تهديدًا محتملًا يجب تحجيمه، أم شريكًا يمكن استخدامه لضبط التوازنات؟ الوقائع تشير إلى أن القاهرة وأنقرة وصلتا إلى إجابة عملية تميل إلى الخيار الثاني، مع إبقاء سقف التعاون مضبوطًا وقابلًا للإدارة.

في السياق نفسه، يكتسب الحديث عن إنشاء مكاتب عسكرية أو مكاتب ارتباط تركية في مصر دلالته الحقيقية، في أنه لا يمكن قراءته بوصفه تمهيدًا لتموضع عسكري أو توسع ميداني، بل بوصفه خطوة نحو وضع أساس التواصل الأمني وتثبيت قنوات اتصال دائمة، وظيفة هذه المكاتب إن اكتملت لا تتمثل في توسيع النفوذ التركي، بل في احتوائه داخل إطار مصري واضح، يمنع سوء التقدير في الملفات الإقليمية المشتركة، ويدير التعاون التقني في مجالات محددة مثل المسيرات والاتصالات والتدريب، ويضع أي تفاعل أمني داخل منظومة رقابة وسيطرة مصرية، بمعنى أدق، القاهرة لا تفتح المجال لنفوذ جديد، بل تعيد تنظيمه وتقييده داخل آلية يمكن التحكم بها.

هذا كله يوضح، لماذا يشكل الأمن الغطاء الحقيقي لكل مسارات التقارب الأخرى. الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، والتقارب السياسي، هي مسارات مرئية وقابلة للقياس، لكنها لا تعمل في فراغ. ما يسمح لها بالاستمرار هو تفاهم أمني ضمني يقوم على قواعد واضحة: عدم استهداف المصالح الحيوية للطرف الآخر، عدم استخدام الساحات الإقليمية كأدوات ابتزاز متبادل، والاستعداد للتنسيق، عندما يهدد انهيار دولة مركزية توازن الإقليم بأكمله، الحرب في السودان كشفت هذا الإطار بوضوح، لم يكن ممكنًا لأي مستوى من التعاون الاقتصادي أن يصمد، لو كانت القاهرة ترى في أنقرة خطرًا مباشرًا على أمنها الجنوبي، أو لو كانت أنقرة تعتبر أن مصر تعمل على إقصائها بالكامل عن مجالها الإفريقي والبحر الأحمر. ما جرى ويجري يشير إلى أن الطرفين اختارا إدارة الخطر معًا، بدل تركه يتفاقم خارج السيطرة، ضمن صيغة تعاون محسوبة، لا ترقى إلى تحالف، لكنها تتجاوز بوضوح حدود المجاملة السياسية.

السعودية في المعادلة: من التقارب الثنائي إلى شبكة ضبط إقليمي

دخول السعودية على خط التقارب المصري– التركي لا يضيف طرفًا ثالثًا، بقدر ما يغيّر طبيعة الإطار الذي تُدار داخله العلاقة، فالرياض لا تتحرك هنا كوسيط سياسي تقليدي، ولا كقائد لمحور جديد، بل كفاعل يسعى إلى إعادة تنظيم بيئة الإقليم، بما يقلّل كلفة الصراعات المفتوحة ويرفع كلفة الانزلاق غير المحسوب، هذا التحول رصدته الصحافة الغربية بوضوح، واعتبرته جزءًا من إعادة تعريف الأولويات السعودية في ضوء متطلبات الاستقرار طويل المدى.

تغطية ربطت بين الانفتاح السعودي المتزامن على كلٍّ من القاهرة وأنقرة وبين هدف خلق محيط إقليمي أقل اضطرابًا، بوصفه شرطًا لازمًا لجذب الاستثمار وتنفيذ مشروعات التحول الاقتصادي، القراءة الأساسية هنا، أن السعودية لم تعد ترى في إدارة الأزمات هدفًا بحد ذاته، بل باتت تركّز على تقليص مخاطرها، وهو ما يفسّر دعمها لمسارات تهدئة وتنسيق بين قوى إقليمية كانت على خلاف حاد خلال العقد الماضي.

أما فقد قدّمت قراءة أكثر تركيبًا، اعتبرت فيها أن السعودية انتقلت من دور “الفاعل الصدامي” إلى دور “المنظِّم الإقليمي”، وأن هذا التحول لا ينفصل عن منطق رؤية 2030 التي تفترض بيئة إقليمية مستقرة نسبيًا، المجلة شددت، على أن الرؤية الاقتصادية السعودية لا يمكن تنفيذها في محيط مشتعل، وأن التقارب مع قوى إقليمية مؤثرة مثل مصر وتركيا يخدم هدف ضبط الإقليم، بدل إعادة إنتاج محاور متقابلة.

هذه القراءة تعززها تحليلات مراكز بحثية غربية.، رأت أن السعودية تعمل على بناء شبكة توازنات مرنة، بدلا من تحالفات صلبة، وأن انخراطها غير المباشر في التقارب المصري–التركي يهدف إلى سدّ الفراغات الأمنية في جوارها الممتد من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، في هذا الإطار، يُقدَّم السودان كحالة خطر يجب احتواؤها، لا كساحة نفوذ يجب السيطرة عليها.

بدورها، حذّرت من أن استمرار الحرب في السودان دون أطر ضبط إقليمي، سيقود إلى تفكك الدولة، معتبرة أن أي تقارب عملي بين مصر وتركيا بدعم سعودي، يخفّض احتمالات الانهيار الكامل، حتى لو لم يفضِ سريعًا إلى تسوية سياسية شاملة.

في المحصلة، لا تقرأ الصحافة الغربية ولا مراكز الأبحاث دخول السعودية على خط التقارب المصري– التركي بوصفه اصطفافًا جديدًا، بل باعتباره عامل ضبط يرفع كلفة التصعيد ويخفض كلفة التهدئة، هذا الدور يتقاطع مباشرة مع متطلبات رؤية 2030: إقليم أقل اضطرابًا، مسارات تجارة وطاقة أكثر أمانًا، ودول مركزية غير منهارة في الجوار المباشر. وبهذا المعنى، يتحول التقارب المصري–التركي، في ظل حضور سعودي محسوب، من علاقة ثنائية إلى جزء من إطار أوسع لإدارة المخاطر الإقليمية، لا لإعادة إنتاج استقطاب قديم.

ختاما

التقارب المصري– التركي الذي يتبلور اليوم لا يمكن اختزاله في زيارة رئاسية، ولا في توسع تجاري، ولا حتى في تنسيق عسكري ظرفي فرضته تطورات السودان، نحن أمام مسار حقيقي هام، يُعاد تشكيله تحت ضغط اختلالات إقليمية حادة، وفي مقدمتها انهيار دول مركزية، وتحوّل الميليشيات المسلحة إلى فاعلين عابرين للحدود، وتراجع قدرة النظام الإقليمي التقليدي على إدارة الأزمات، وتلاعبات لا تخفى على أحد من دول أخرى.

الاقتصاد كان المدخل الآمن لإعادة فتح القنوات، لكنه لم يكن المحرك الحقيقي، ما دفع العلاقة إلى هذا المستوى، هو إدراك متبادل، بأن كلفة ترك الفراغ أعلى من كلفة التنسيق، وأن إدارة المخاطر صارت أولوية، تتقدم على تصفية الحسابات القديمة. من هنا جاء التعاون العسكري– الأمني بصيغته المحدودة والمنضبطة، ليس بوصفه تحالفًا، بل كأداة لمنع الانزلاق وضبط التوازن.

دخول السعودية على خط هذا التقارب لا يغيّر طبيعته، فالمعادلة التي تتشكل ليست محورًا جديدًا، بل شبكة ضبط إقليمي؛ تستهدف حماية مسارات التجارة والطاقة، ومنع تفكك دول إضافية في جوار مضطرب، هذا الدور يتقاطع مباشرة مع التحول السعودي الأوسع المرتبط برؤية 2030، التي تفترض إقليمًا أقل فوضى وأكثر قابلية للإدارة.

في هذا الإطار، يمكن القول، إن التقارب المصري– التركي هو نتاج لحظة اضطرار لا لحظة اختيار كامل، هو تنسيق ذكي محسوب بسقف واضح، قابل للتوسع أو التقييد، بحسب مسار الأزمات، وعلى رأسها السودان، نجاحه لا يُقاس بعمق التحالف، بل بقدرته على منع الأسوأ، وتأجيل الانفجار، وإبقاء الإقليم داخل حدود يمكن التحكم بها.