منذ أيام أثيرت مسألة استقلال القضاة، وكان الأمر يتعلق بإشراف الأكاديمية العسكرية على تعيينات رجال النيابة، وقد علق نادي القضاة اجتماعه الاحتجاجي في 6 فبراير الماضي بعد تدخل المجلس الأعلى للقضاء، الذي يبدو أنه هدأ الأمور ولم يُلغها. عقب ذلك صدرت عدة تصريحات، تتناول الرغبة في التوسع في السياسة المتبعة منذ عدة أشهر والمتمثلة في إشراك المدنيين في المدارس العسكرية، من دعاة وأئمة مساجد ودبلوماسيين وبعض موظفي الدولة، بينما أُميط اللثام عن مشاركة الصحفيين، وتدريبهم بذات الأسلوب، بسبب طبيعة عملهم التي لا ولن تتوافق مع منطق التدريب العسكري.

الاحتراف العسكري بين مصر ودول الجوار

ولأن المؤسسة العسكرية المصرية ممثلة في جيش البلاد هي مؤسسة حرفية، وظلت منذ نشأتها بمنأى عن إشراك المدنيين في أية أعمال تخصها، فقد بقت الأمور العسكرية بعيدة كلية عن منطق النقد من قبل أي طرف مدني. فالجيش المصري كان وظل وسيظل هو الحارس الأمين لمقدرات هذا الوطن، وزادا قويا لأمنه القومي بمفهومه الكلاسيكي الممثل في الدفاع عن الوطن من أعداء الخارج، وقد مُثلت تلك السياسة دوما في حراسته للثغور من النيل من الأعداء، ولذلك كان عضدا ومرادفا لكرامة المصريين الذين دائما كانوا دعاة فخر به لكونه الحافظ الأمين على عزتهم، ما جعلهم مطمئنين على حياتهم، وبالتالي استقرارهم، ومن ثم غلق جفونهم ليلا، وهم واثقون وغير قلقين على أنفسهم وأرضهم. وكان لتسليح البلاد الكبير داعما قويا وسندا؛ للحفاظ على تلك المعادلة، ما جعل الفروق واضحة بين هذه المؤسسة، وهذا الجيش وبين الجيوش والمؤسسات العسكرية في بلدان مجاورة، تعرضت للانقسام والتشرذم، لكون جيوشها تأسست على الطائفية والمذهبية والشخصنة والولاءات المناطقية، وكلها أمور كانت مستغربة للمصريين كافة، الذين مردوا على رؤية جيشهم كجيش للشعب منه وبه وله.

إلحاق المدنيين بالتعليم والتدريب العسكري

مما سبق كان الجيش دائما وبإجماع المصريين بعيدا عن التحزب وإبداء الآراء، لكونه بعيدا عن الاحتكاك مع كل ما هو مدني. لكن يبدو أن تلك الأمور عقب حركة 25 يناير 2011 قد تعرضت لبعض التغير، فالجيش نزل إلى الشارع لحماية المدنيين، وتعاطى مع غير العسكريين، بعد أن ضعُفت الشرطة؛ نتيجة بعض الأعمال التي خُرقت خلالها حقوق الإنسان قبل هذا التاريخ، وأفضت إلى تلك الحركة، في هذه الأيام قام الجيش بحراسة المنشآت والتعاطي مع الناس في أمور كثيرة، ولم يتوقف هذا الأمر لشهور طويلة، حيث شارك في عملية التحول إلى الحكم المدني عقب 30 يونيو 2013، إذ أشرف على حماية الناس من محاولات الإخوان المسلمين للهيمنة والاستحواذ والمغالبة، وكان هو الساعد الأمين لحماية البلاد من الإرهاب الذي بقى بضعة سنوات، قبل أن يقضي عليه كلية.

هنا من المهم وضع خط زمني فاصل مع ما ذُكر من أمور وما سيتلوها، بمعنى أنه من الضروري أن تُعاد الأمور إلى وضعها الطبيعي، فالمدني سيظل دوما هو الشخص الذي يسأل، ويأخذ ويرد ويناقش وينقد ويطرح البدائل ويترشح للمناصب ويقترع، وهو ما جعل الدستور يحميه ويحمي من حوله بسياج من الرقابة والمحاسبة السياسية والإدارية؛ لمنع الفساد والإبقاء على صيغة حرية الرأي والتعبير. وبالمقابل هناك العسكري، الذي يتحتم أن يتعامل بصيغة السمع والطاعة والأوامر، وغيرها من الأمور التي مردت كل الجيوش في البلدان المتمدينة على التعامل بمنطقها. فالمدني والحياة المدنية تفسد، إذا سادها نظام الدكتاتورية والتسلط ونظام الأوامر والطاعة العمياء، بل تنهار النظم السياسية، إذا دخلها القهر والظلم، وقد شاهدنا بلدان كثيرة سقطت، بعد أن تحملت الكثير من ظلم الحكام المتسلطين، فانهارت النظم ووقعت الدول في براثن الانقسام والخلافات المذهبية والمناطقية وغيرها. وبالعكس، العسكري والحياة العسكرية لا تقوم بمنطق الديمقراطية، والرأي والرأي الأخر، وإلا ساد النظام العام حالة من التسيب والسيولة التي تفسد الدول. القاعدة السابقة هي التي اعتادت عليها الحياة في البلدان المتمدينة والمتقدمة.

خطر عسكرة كل ما هو مدني

وكما هو من الخطورة بمكان مَدينَة الحياة العسكرية، فإن عَسكَرة الحياة المدنية تُشكل خطورة، ربما تكون أكبر بكثير، فكيف للداعية الإسلامي أو الدبلوماسي أو القاضي أو موظف مدني أن يقف في طابور الصباح، وكيف يتريض رغما عنه؟ وكيف يستمع لمحاضرات عن الضبط والربط؟ وما يجب عليه وما لا يجب عليه قوله؟ وفوق كل ذلك، كيف يقود هؤلاء رجل لا ينتمي إلى سلكهم الوظيفي أو المهني؟ ومن ثم لا يعرف طبيعة عملهم وتخصصاتهم الدقيقة وفنيات سلكهم المهني. إضافة إلى ذلك، ما هي القيم التي يراد له هذا الرجل أن يغرسها فيهم؟ لكون القيم التي تعلمها كما يرى المتلقي لا تكفي أو غير فاعلة؟ وإلى أي حد ستؤثر تلك القيم على عمله عندما يتخرج من تلك المدرسة العسكرية؟ ألا يعني إرغام كل هؤلاء على المشاركة في تلك المدرسة، أن المدرسة تنظر باستعلاء لقيمها والدونية، وربما الاحتقار لقيم هؤلاء؟ ألا يتفق الجميع على أن كل البشر مصنفون إلى مهن، بينهم الصالح وبينهم الطالح، وأنه من المستحيل أن تصنف فئة دوما، بأنها صالحة وأخرى دوما بأنها فاسدة.  

في التعليم والتعلم، خذ على سبيل المثال الحديث المثار اليوم عن تأسيس كلية أو مدرسة للاقتصاد والعلوم السياسية، ما هي المناهج التي يمكن أن تدرس في تلك الكلية، ومن هم أعضاء هيئة التدريس في تلك الكلية؟ فإذا كان المدرسون ينتمون إلى السلك العسكري، فما هي القيم المراد غرسها في الطلبة المتلقين؟ وإذا لم يكن القائمون بالتدريس من غير المنتمين لتلك المدرسة فما هو الفارق بين هؤلاء وبين من يدرسون في الكليات المدنية الخاصة بسلك الاقتصاد والعلوم السياسية، للتوضيح أكثر خذ مثلا: كورس النظم السياسية الذي هو واحد من أسس الكورسات المُدرسة في قسم العلوم السياسية بتلك الكلية مثله ككورس العلاقات الدولية. كيف يقوم الدارسون في هذا الكورس بتدريس موضوعات كحقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير، والانقلابات العسكرية، والتحول الديمقراطي في النظم الاستبدادية والعسكرية. وبصراحة أكبر، هل ستنحاز المناهج للفطرة أو للأدبيات الحديثة أي للديمقراطية وحرية الرأي، أم ستنحاز لحكم العسكريين!! وفي قسم الاقتصاد، كيف سيدرسون موضوعات كالضرائب العامة، والموازنة العامة، والدعم، والاستثمارات، وكلها موضوعات يعلم القاصي والداني أن خبراء صندوق النقد الدولي- الذي اختارت مصر أن تتعامل معه منذ نحو عقد من الزمان- قد انتقدوا بشدة الخبرة المصرية فيها، وعبروا عن ذلك صراحة برفضهم وجود موازنتين في مصر!! كما عبروا عن رفضهم لوجود جهات ومؤسسات عامة تستثمر ولا تدفع ضرائب ولا تسري عليها اقتصادات السوق وتحكم بعطاءات ومناقصات الأمر المباشر، وأخرى خاصة، تستثمر وتدفع ضرائب وتخضع للقوانين الاقتصادية الحرة!!

   وفي جميع الأحوال، وبالنسبة للعلوم الاجتماعية، كيف سيشارك طلبة الكليات النظرية في أعمال البحوث؟ وكيف يستعرضون آرائهم؟ وكيف تكون قراءتهم حرة؟ وهل ستُفرض عليهم قراءات بعينها للاستعانة بها، وستكون هناك مراجع، يُحرّم استخدامها. وكيف سيعقدون ندوات وموائد مستديرة وحلقات نقاش لتبادل الخبرات مع الآخرين؟ وفوق كل ذلك كيف سيتم تقييم الطالب؟ هل سيكون الطالب الملتزم بالطابور وتحية العلم ووزن الجسم أفضل، أم الطالب الذي لا تتوفر فيه تلك الشروط لكنه طالب مُحاور، ومُناقش ومُجادل ومنفتح الأفق؟ وبعد التخرج، كيف سيمارس المتخرج لو كان قاضيا أو دبلوماسيا أو خلافه عمله الذي قد يتعارض كلية مع هيكل تلك المدرسة؟

الحل في تطوير التعليم

الأمر جد يحتاج إلى عدم التسرع وإعادة التفكير، فما هو مذكور من أن هذا التعليم الجديد سيغرس الوعي والانضباط الأخلاقي والانتماء الوطني، هي كلها أمور تغرسها الأسرة والمدرسة في التعليم الأساسي، ويمكن أيضا إضافتها للمناهج في التعليم الجامعي المدني. هذا التعليم لا زال قائما على مبدأ التعليم المجاني، كمبدأ دستوري لا فكاك منه، أي أنه يختلف عن التعليم المطروح اليوم والمكلف جدا للطالب أو الخريج.

ما من شك أن الأهداف المرجوة يمكن أن تتحقق بدعم المناهج في وزارة التربية والتعليم منذ رياض الأطفال. فالقيم تحفر في الذهن منذ نعومة الأظافر، وليس ما بعد سن الشباب، هنا على الأرجح ستكون العملية عبارة عن تنشئة اجتماعية سليمة، وليست غرس قيم على حد التعبير السوفيتي الكلاسيكي. فالتنشئة هي ناتج قيم النقاش والحوار، والغرس هو ناتج قيم الجبر والزجر.       

كل ما سبق من رجوات، يمكن تحقيقه بترشيد وإصلاح التعليم المدني، من منهج ومعلم ومبنى وإدارة ووسائل تقويم. الأمر فقط محتاج لفقة أولويات في الإنفاق على عملية التنمية برمتها، وهرمها هو التنمية البشرية لا الحجرية. من هنا ندعو للتمهل، قبل أن تُفضي تلك العملية الجديدة إلى آثار غير إيجابية على الجيل بأسره.