اضطرت “علياء. س”، المُطلقة التي ترعى طفلين، إلى ترك الشقة التي تقيم فيها منذ عامين، بعدما فوجئت بمالكها، يطالب برفع الإيجار فجأة 40% دفعة واحدة من 5 إلى 7 آلاف جنيه، في وحدة لا تتجاوز مساحتها 70 مترًا وفي منطقة شعبية.
لم يلتزم المالك بالعقد بين الطرفين الذي ينص على زيادة سنوية 10%، وكان الخيار أمام المرأة الأربعينية، إما الرحيل عن الشقة وإما دفع المبلغ بالزيادة الجديدة، وهي مشكلة يعاني منها جميع المنتفعين بعقود الإيجار الجديدة، حيث لا يملكون حقوق تُذكر.
تتباين الإيجارات في مصر بشكل عنيف، فإيجار الشقة المفروشة في القاهرة الجديدة يصل لـ75 ألف جنيه شهريًا، وفي الزمالك يدور في فلك 50 ألف جنيه، وفي كمبوند زايد بالشيخ زايد يصل الإيجار اليومي لـ4200 جنيه (126 ألف جنيه شهريًا).
التفاوت يتزايد في الشقق غير المفروشة، ففي العجوزة المتوسط 15 ألف جنيه، وفي مدينتي يصل الإيجار لـ21 ألف جنيه، وفي الرحاب 30 ألف جنيه، والمهندسين يتراوح بين 18 ألف جنيه و40 ألف جنيه.
المناطق الشعبية في القاهرة، طالها غلاء الأسعار أيضًا، فشبرا الخيمة المصنفة كمنطقة شعبية ارتفع الإيجار للشقق المفروشة لـ20 ألف جنيه شهريا، وفي صقر قريش يرتفع إلى 30 ألف جنيه للمفروش، وفي عين شمس تدور في فلك 6 آلاف جنيه شهريًا للشقق غير المفروشة.
وضع كارثي
النائب رضا عبد السلام، عضو مجلس النواب، تقدم بطلب إحاطة إزاء حالة الانفلات التي يشهدها سوق الإيجارات في مصر، خاصة الإيجار الجديد الذي أصبح سوقًا عقارية غير منضبطة ومُبالغ فيه، أدى إلى تحميل المواطنين أعباء معيشية تفوق قدرتهم.
يقول النائب، إن غياب الرقابة وترك السوق دون ضوابط شجع بعض الملاك والسماسرة على رفع القيم الإيجارية بمعدلات خيالية، فإيجار الوحدة السكنية في بعض المدن، مثل المنصورة بالدقهلية، بات يتراوح بين 7 آلاف و15 ألف جنيه بالمتوسط، ما لا يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية أو معدلات التضخم، بل يعكس حالة من الجشع واستغلال حاجة المواطنين للسكن.
يقول عبد السلام، الذي كان محافظا سابقًا، إن الارتفاع الجنوني، يحرم ملايين المصريين من الحصول على مسكن مناسب، ويقود إلى مشكلات اجتماعية خطيرة، خاصة بين الشباب المقبلين على الزواج وأصحاب الدخول المحدودة وأصحاب المعاشات، واصفًا الوضع الحالي بــ”الكارثي”.
بحسب شركة الاستشارات والاستثمارات العقارية “جيه إل إل”، فإن الطلب على الإيجارات يتزايد، بوقت تتباطأ الحركة بسوق التمليك، نظرًا لارتفاع التكلفة مع استمرار عدم مواكبة الأجور لمعدلات التضخم، مضيفة أن إيجارات الوحدات السكنية ارتفعت في مدينة 6 أكتوبر بنسبة 25.5% في 2025، والقاهرة الجديدة زيادة بنسبة 17.7%. في العام ذاته.
شدد النائب على ضرورة وضع نظام ومعايير موضوعية لضبط الزيادات السنوية في الإيجارات، بما يحقق التوازن بين حقوق المالك والمستأجر، لافتًا إلى وجود تجارب إقليمية ناجحة بهذا الملف، من بينها قرار المملكة العربية السعودية بإيقاف الزيادة السنوية في القيمة الإيجارية بمدينة الرياض لمدة خمس سنوات، بهدف ضبط السوق وتحقيق العدالة بين طرفي العلاقة الإيجارية.
من المتوقع زيادة معدلات الإيجار الجديد بقوة خلال السنوات القادمة مع إنهاء عقود الإيجار القديم التي تتركز بالمحافظات الكبرى، إذ يقيم نحو 40.8% من سكان هذه الوحدات بمحافظة القاهرة، و18.8% بالجيزة، و13% بالإسكندرية، بينما تستحوذ القليوبية على 9.2% من هذه الوحدات.
يطالب رضا عبد السلام، مجلس النواب، بالتحرك العاجل لإقرار قواعد واضحة تنظم سوق الإيجارات، مؤكدًا أن ضبط هذا الملف يمثل ضرورة اجتماعية، وأحد ضمانات الأمن المجتمعي، في إطار تحقيق مبدأ الحماية الاجتماعية للمواطنين.
وفقًا لأحدث الإصدارات المعلَنة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء “عام 2017،” فإن عدد الأسر المقيمة بوحدات الإيجار الجديد، تبلغ نحو مليون و454 ألف أسرة، تضم نحو 5 ملايين و694 ألف فرد، وزادت تلك الأرقام بطبيعة الحال خلال السنوات الثماني الأخيرة مع نمو السكان.
د. أحمد شمس، الخبير القانوني، يقول إن أسعار الإيجار الجديد تُحدد بعشوائية تامة بمصر، وبتشجيع من بعض السماسرة، لدرجة أن إيجار الشقة في مدن مثل “طنطا”، وصل لأرقام خيالية تفوق قدرة أي شاب أو أسرة.
في طنطا، التي تتوسط الدلتا، وصل الإيجار لبعض الشقق غير المفروشة لـ 10 آلاف جنيه شهريا ترتفع إلى 15 ألفا في شارع الحلو الشهير، بينما وصل المفروش لـ 35 ألف جنيه في شارع النحاس، وهو شارع يربط بين محطة السكك الحديدة وشارع البحر الرئيسي الذي يتضمن مبنى المحافظة، ويفتقر للعناصر الجمالية.
طالب شمش أيضًا بتبني تجربة مدينة الرياض في السعودية كنموذج، بعد اتخاذ قرارات حاسمة هناك؛ لضبط العلاقة بين المالك والمستأجر، شملت: إيقاف الزيادة السنوية في القيمة الإيجارية لمدة (5 سنوات على الأقل) لضمان استقرار الأسر والشباب، وتثبيت قيمة الإيجار للوحدات الشاغرة عند مستوى آخر عقد تم تسجيله، لمنع القفزات السعرية المفاجئة.
خلال 2017، ارتفع متوسط الإيجار الجديد بست مرات عن مثيله في 2008، ولم يحقق الدخل ارتفاعًا بالمعدل ذاته، ما أدى إلى انخفاض القدرة على تحمل الأعباء إذ قفز متوسط نسبة الإيجار إلى الدخل على المستوى القومي من 14% في عام 2008 إلى 39% عام 2017.
وشدد شمس، على أن الهدف من ضبط الإيجار الجديد هو حماية الشباب، فالسكن أصبح العائق الأول أمام الزواج، والوضع الحالي يقتل طموح جيل كامل، وتحقيق العدالة الاجتماعية لضمان ألا تلتهم الإيجارات دخل المواطن وأصحاب المعاشات الذين يعانون من التضخم وضبط فوضى السماسرة لإنهاء حالة “اللا ضابط” التي جعلت السكن سلعة للمضاربة، وليس حقاً إنسانياً.
قانون الإيجار الجديد.. هل حقق أهدافه؟
منذ إقرار قانون الإيجار الجديد قبل 30 عامًا بالتمام والكمال، لم يحقق هذا الإيجار مستهدفاته، بل يتباطأ، إذ تغير نمط تلك العقود في مليون وحدة خلال العقود الثلاثة الماضية؛ بسبب زيادة الإيجار أو رغبة الملاك في بيع الوحدات للتمليك أو إخلائها من السكان وجعلها شاغرة.
الملاك ذاتهم يشتكون من تلك العقود، ففي بعض الأحيان يخرج الساكن تاركا مديونيات للكهرباء والمياه، بما يعادل 50% من قيمة الإيجار السنوي، مثل محمد عليّ (مالك عقار) والذي اضطر لرفع دعوى قضائية على مستأجر رفض إخلاء الوحدة بعد انتهاء عقده مستغلا وجود بند (يُجَدَد تلقائيا في العقد).
دفع المالك أتعاب محاماة، وصلت لـ 10 آلاف جنيه، وبعدما ربح القضية، فوجئ بمديونية على الشقة للكهرباء والمياه تعادل 20 ألف جنيه، (فالمستأجر لم يكن يدفع الفواتير)، أي أنه خسر في التأجير أكثر مما ربح، ما يتطلب عقدا موحدا واضحا، يلزم المستأجر والمالك بواجباتهما معا.
مشروع قانون في الطريق
بسنت محمد، ربة منزل، تقول إن الإيجار الجديد أصبح مرادفًا لعدم الاستقرار حالًيا، فالكثير من الأسر بالمنطقة التي تقيم بها، تم طردها؛ بسبب تفضيل الملاك المستأجرين من غير المصريين الذين يدفعون في وحدات بمناطق شعبية مثل عين شمس 25 ألف جنيه إيجار شهري.
النائب حاتم عبد العزيز، عضو مجلس النواب، أعد بالفعل مشروع قانون بشأن الإيجار الجديد، في إطار مواجهة الارتفاعات غير المبررة في أسعار الإيجارات، والتي باتت تمثل عبئًا متزايدًا على الشباب والأسر المصرية خلال الفترة الأخيرة.
بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ارتفعت أسعار مجموعة الإيجار الفعلي للمسكن بنسبة (15.3%)، مجموعة الإيجار المحتسب للمسكن بنسبة (31.1%) على أساس سنوي في ديسمبر الماضي (ديسمبر 2025 مقابل ديسمبر 2024).
وأكد عضو مجلس النواب، أن انفلات أسعار الإيجار الجديد وصل إلى مستويات غير مسبوقة، محذرًا من تحوّل المواطن، خاصة الشباب إلى فريسة لجشع بعض أصحاب العقارات، في ظل الإقبال الكبير على هذا النوع من الإيجارات وغياب ضوابط واضحة تحكم العلاقة بين المالك والمستأجر.
أوضح أن الزيادات المبالغ فيها في قيمة الإيجارات تفرض ضغوطًا حياتية قاسية على الأسر والشباب، وتضعهم أمام معادلة صعبة بين تلبية احتياجات أسرهم الأساسية، وتوفير القيمة الشهرية للإيجار الجديد، ما يستدعي تدخلًا تشريعيًا عاجلًا لإعادة ضبط السوق وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية.






