تمثل ممرات التنمية الإفريقية المختلفة “البرية والبحرية والجوية والرقمية والطاقوية وتشابكاتها معًا” مدخلًا رئيسًا ومتصاعدًا لتحقيق التنمية والتكامل الإقليمي في القارة، وكذلك مع عدد من أهم شركائها التجاريين مثل الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والإمارات.

وتمتد هذه الممرات في كافة أقاليم القارة الإفريقية، فيما يسير العمل في تطويرها بشكل متسارع للغاية، ولعل أبرزها حاليًا ما أعلنه الاتحاد الأوروبي وفق مبادرته Global Gateway بتخصيص نحو 150 بليون يورو لإفريقيا بحلول العام 2027 من أجل تطوير بنية أساسية مستدامة ومترابطة في إفريقيا، ومنها تعزيز استدامة ممرات التنمية مثل كوتونو- نيامي، وأبيدجان- لاجوس، وأبيدجان- وأجادوجو، ودار السلام- كيجوما وغيرها. 

وبرز البنك الإفريقي للتنمية في هذه الاستراتيجية بشكل واضح، كأكبر فاعل إفريقي، إذ كان الاستثمار الكبير في الممرات الإقليمية في إفريقيا حجر الزاوية لاستراتيجيات البنك 2025- 2026، والتي تمت مناقشتها بالتفصيل خلال الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الإفريقي للتنمية لعام 2025 (أبيدجان 26- 30 مايو) تحت شعار “تحقيق أقصى استفادة من رأس المال لإفريقيا لتعزيز تنميتها”.

 ورأى البنك، أنه من خلال تحويل روابط الطرق والسكك الحديدية هذه إلى طرق اقتصادية حيوية، تستغل القارة أصولها الأكثر قيمة؛ تتمثل في موقعها الجغرافي وقدرتها على خلق أسواق متكاملة.

وهذه الممرات لا تعمل على فك العزلة عن الاقتصادات الوطنية فحسب، بل تعمل أيضًا على تطوير الموارد الطبيعية والزراعية الهائلة التي لا يتم استغلالها حاليًا؛ بسبب نقص القدرة على الوصول إلى الأسواق.

ومع استثمار أكثر من 50 مليار دولار في البنية التحتية على مدى العقد الماضي (2016- 2025)، أصبح البنك هيئة التمويل المتعددة الأطراف الرائدة في هذا المجال في إفريقيا.

واتساقًا مع انفتاح مصر في السنوات الأخيرة على التعاون الثنائي مع الدول الإفريقية، وكذلك تعزيز مظلة الاتحاد الإفريقي لهذا التعاون الممثلة في اتفاق منطقة التجارة القارية الحرة، فإن انتشار هذه الممرات يمثل فرصَا وتحديات كبيرة أمام مصر، التي يمر بها عدد من أهم هذه الممرات بالفعل، واستراتيجيات تمتين علاقاتها الإفريقية في ظل تغيرات إقليمية ودولية متسارعة للغاية، ويمكن رصد أهم هذه الممرات وارتباطاتها بمصر على النحو التالي:  

الممرات البحرية: التعاون والتنافس

تمثل الممرات البحرية في إفريقيا أبرز مشروعات التكامل الإقليمي في هذا النطاق، مع ملاحظة أن 90% من تجارة إفريقيا الخارجية، تتم عبر المواني وطرق الملاحة البحرية بالفعل، كما أن جزءا كبيرا من تجارة القارة يمر مباشرة أو على نحو مباشر بخطوط الملاحة المارة بمصر سواء في البحر الأحمر وقناة السويس، أم عبر البحر المتوسط (لا سيما مع خطط ربط عدد من الممرات البرية الإفريقية بمواني مصرية في مقدمتها ميناء الإسكندرية الذي يتمتع بقدرات لوجيستية كبيرة وإمكانات توسع مستقبلي ملحوظة)، ومن أهم الممرات البحرية في إفريقيا: الممر الشمالي الذي يربط ميناء ممباسا الكيني بكل من أوغندا ورواندا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية؛ وممر لوبيتو الذي يربط ميناء لوبيتو في أنجولار بزامبيا (الحبيسة) وجمهورية الكونغو الديمقراطية؛ وممر البحر الأحمر- جيبوتي الذي يربط شرق إفريقيا بالتجارة العالمية عبر البحر الأحمر؛ وممر البحر المتوسط- طنجة في المغرب.

وتقع إفريقيا على مفترق طريق بحري بالفعل، ومع تغير طرق النقل البحري وتزايد الضغوط المناخية، فإن إفريقيا خرجت من وضعها كقوة هامشية على أطراف هذا العالم، مع ملاحظة أن 80- 90% من تجارة إفريقيا الخارجية تتم عبر الممرات البحرية، رغم أنها لا تمتلك إلا أقل من 1% من خطوط النقل العالمية الأمر الذي يفرض تحديات على منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ويعيد تشكيل التجارة الإقليمية، لا سيما مع دخول ميثاق النقل البحري المراجع Revised Maritime Transport Charter حيز التنفيذ في العام الماضي.

 وتتمثل التهديدات القائمة في الممرات البحرية بالنسبة لمصر وبقية الدول الإفريقية في حالة عدم الأمن في البحر الأحمر، وكذلك في توقع نشوب اضطرابات جيو سياسية خطيرة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بعد اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال في ديسمبر 2025. 

وتسعى القاهرة لدعم التعاون الإقليمي عبر تشبيك عمل الممرات البحرية المختلفة في القارة، أخذًا في الاعتبار نمو أنشطة هذه الممرات في مختلف أقاليم القارة (وعلى سبيل المثال تشهد البنية الأساسية في الممرات البحرية في غرب إفريقيا ووسطها نموًا كبيرًا لملاحقة النمو العالمي في التجارة البحرية الذي يبلغ 7% سنويًا، وتشهد هذه المشروعات اهتمامًا كبيرًا من المستثمرين الخارجيين؛ ويبرز بين هؤلاء (في غرب ووسط إفريقيا تحديدًا لعوامل القرب الجغرافي وموارد الطاقة) الاتحاد الأوروبي الذي يقدم دعمًا تقنيًا ودبلوماسيًا ولوجيستيًا من أجل تحسين أمن وسلامة وكفاءة المواني في هذا الإقليم (عبر أولويات “الممرات الاستراتيجية” Strategic Corridors في مبادرة Global Gateway التي اطلقها الاتحاد)، ويمول الاتحاد بالفعل مشروع “تأمين الممرات والمواني والتبادل في غربي ووسط إفريقيا Securing Corridors, Ports and Exchanges in Western and Central Africa (SCOPE Africa) وتقوم على تطبيقه مجموعة من الشركات المتخصصة في فرنسا وبلجيكا، ووضع المشروع عدة أهداف يعمل على تحقيقها حاليًا، ومنها تقوية الالتزام بالقيم والمعايير الدولية في مجال أمن المواني وسلامتها من أجل تعظيم تدفق حركة التجارة والنقل عبر المواني الإفريقية؛ وتقوية قدرة المواني المستهدفة، وتقوية الهياكل الإقليمية الأخرى من أجل الإسهام في تنمية الممرات الاستراتيجية، وأقربها في الحالة تلك ممر لوبيتو الذي يستثمر فيه الاتحاد الإفريقي استثمارات كبيرة للغاية.

الممرات البرية: مبادرة مصرية

تقود مصر جهود بناء ممر بري هام للغاية للربط بين مصر وليبيا وتشاد، سيسهم عند اكتماله في تحقيق مآلات تنموية بالغة الأهمية للدول الثلاث، ويضمن نجاعة أكبر للجهود الدولية الجارية في مجال مكافحة الإرهاب وأنشطة الجماعات الإرهابية؛ وقد عزز وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي هذه الرؤية بإعلانه (31 يناير الفائت)، أن الدبلوماسية المصرية في إفريقيا تنظر للممر كمحرك رئيس للتكامل الإفريقي،

 وأكد أمام جمع من ممثلي هيئات الاتحاد الإفريقي بالقاهرة، أن الممر “مشروع أساسي لتقوية الترابط القاري وتحسين التعاون بين شمال إفريقيا ووسطها”، مشيرًا في الوقت نفسه إلى عزم القاهرة على المضي قدمًا في تعزيز مشروعات الممرات البرية في إفريقيا، وأهمها ممر القاهرة- كيب تاون، وممر ربط بحيرة فيكتوريا بالبحر المتوسط، وأمن هذه المبادرات والمشروعات جزء لا يتجزأ من أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وأجندة 2063 التي وضعها الاتحاد الإفريقي.

وقد رصد البنك الإفريقي للتنمية وجود 17 ممرًا بريًا في القارة الإفريقية موزعة على الأقاليم المختلفة؛ ومنها ممرات: نكالا، ومتورارا، والممر الشمالي (في شرق وجنوب إفريقيا)؛ وبرازافيل- ليبرفيل، ودوالا- أنجامينا، والكاميرون- نيجيريا في وسط إفريقيا؛ وباماكو- سان بيدرو، وداكار- باماكو- وأجادوجو، وداكار- أبيدجان (في غرب إفريقيا).

كما يعد مشروع ممر بحيرة فيكتوريا- البحر المتوسط من أهم مشروعات الممرات البرية التي ستحقق تنمية مستدامة في إفريقيا بالنظر الى عدة اعتبارات، منها مروره بعدد كبير من الدول الإفريقية الحبيسة (مثل أوغندا، وجنوب السودان، ورواندا وبوروندي، وأفكار ارتباطه بممر مصر- ليبيا- تشاد البري)، ومساهمته في تعزيز التنمية في إقليم حوض النيل على أسس حقيقية ومستدامة، وربط تجارة الدول التي يمر بها بسوق كبيرة للغاية، تتمثل في الاتحاد الأوروبي وعدد من دول البحر المتوسط ومن بينها دول شمال إفريقيا بوسائل نقل تجارية.

ومن أهم الممرات البرية التي تقع في دائرة الاهتمام المصري الراهن “الممر الأوسط” Central Corridor في شرق إفريقيا، والذي تصفه تقارير مختلفة بخط حياة تجارة شرق إفريقيا الذي يقود “النمو الإقليمي” في الإقليم، ويخدم شرق ووسط إفريقيا؛ إذ يربط كل من رواندا وبورندي وشرقي دمهورية الكونغو الديمقراطية وأجزاء من أوغندا بميناء دار السلام في تنزانيا (والذي تمر عبره حمولات تتجاوز 15 مليون طن سنويًا)، ويمتد على طول 1300 كم ويدعم حركة سلع لأكثر من 55 مليون نسمة، ويشمل المشروع الذي يمكن أن يتقاطع مع ممر بحيرة فيكتوريا- البحر المتوسط، شبكة طرق وسكك حديدية وطرق نقل نهرية (في بحيرة فيكتوريا وبحيرة تنجانقا)، ويتوقع أن يخفض نصيب النقل من تكلفة السلع من 30- 40% إلى 25% فقط.

الممرات الرقمية: دور مصر المحوري

تعرف الممرات الرقمية، بأنها أطر إلكترونية تربط المشغلين الاقتصاديين ومزودي اللوجيستيات، وهيئات التنظيم من أجل المشاركة في البيانات التجارية في الوقت المناسب باستخدام واجهات برمجة التطبيقات APIs (وهي مجموعة من القواعد والبروتوكولات التي تتيح للتطبيقات والأنظمة البرمجية المختلفة التواصل وتبادل المعلومات فيما بينها)، ورسائل التبادل الإلكتروني للبيانات EDI وغيرها من واجهات التطبيقات.

 وكان من آخر الممرات الرقمية التي أُطلقت في إفريقيا، ما عرف “بممر إفريقيا الرقمي” بين نيجيريا وكيب فيرد في العام الماضي؛ وهي مبادرة تستهدف تعزيز صلات أقوى في التكنولوجيا والتجارة والابتكار، وركزت على مجالات رئيسة مثل الذكاء الاصطناعي، وتمكين الشباب، والتنمية الاقتصادية الثنائية.

وتمثل مصر نقطة ارتكاز محورية للممرات الرقمية بالنظر لعدة اعتبارات في مقدمتها الموقع الاستراتيجي لمصر عند ملتقى قارتي آسيا وإفريقيا، وقربها من أوروبا عبر البحر المتوسط، ومرور عدد من أهم كابلات الاتصالات العالمية البحرية بمياه مصر الإقليمية (تقدر بنحو 14- 18 نظام كابلات بحرية وعشرة محطات أرضية موزعة على خمس محطات في البحر الأحمر وخمسة في البحر المتوسط).

وتدير شركة المصرية للاتصالات ممر ترانزيت المصرية للاتصالات TE Transit Corridor، أو ما يعرف بترانس-ايجيبت الذي ينقل خطوط الاتصالات من البحر الأحمر (من منقطة خليج السويس) برًا إلى البحر المتوسط (غرب مدينة الإسكندرية)، ووضعت الشركة، حسب موقعها، خططًا لدعم بنيتها الأساسية الدولية في قطاع ممرات الاتصالات عبر بناء محطات أرضية جديدة على البحرين المتوسط والأحمر لربط مزيد من الطرق (الرقمية) البحرية الدولية.  

وحسب دراسات حديثة (نوفمبر 2025)، فإن موقع مصر يؤهلها لتوفير أقصر طرق الربط الرقمي بين إفريقيا وآسيا وأوروبا وأكثرها أمانًا في الوقت نفسه؛ كما أن موقع مصر يؤهلها بامتياز، لأن تربط إفريقيا بالشرق الأوسط، وفي المقابل، فإن هذه الأهمية تمنح مصر فرصة تعزيز موقعها كنقطة مركزية في ارتباط نظم الكابلات البحرية الدولية والمسئولة عن نحو 17% من إجمالي حركة مرور الإنترنت في العالم.

الممرات الطاقوية: مُقدرات على المحك

تشهد الممرات الطاقوية النظيفة في إفريقيا انتعاشة ملموسة، وتقودها مبادرة “ممر الطاقة النظيفة الإفريقية”  Africa Clean Energy Corridor (ACEC)، وهي مبادرة إقليمية لتسريع تنمية مقدرات الطاقة المتجددة وعمليات نقلها عبر الحدود داخل مبادرتين فرعيتين في شرق إفريقيا Eastern Africa Power Pool (EAPP)، و Southern African Power Pool (SAPP)، وتوقعت تقارير اقتصادية جذب القطاع في شرق إفريقيا وجنوبها استثمارات كبيرة حتى العام 2030، تلبي مجتمعة 40- 50% من الاحتياجات الطاقوية الإقليمية، بينما هناك حاجة لضخ استثمارات سنوية بقيمة 25 بليون دولار للاستثمار في توليد الطاقة حتى العام 2030 مع إضافة 15 بليون دولار كاستثمارات سنوية في قطاع بناء شبكات نقل الكهرباء، وهي أرقام طموحة للغاية لا يمكن تلبيتها على المدى القريب أو حتى المتوسط؛ مما يمثل عبئًا كبيرًا على خطط تطوير الممرات الطاقوية في إفريقيا بشكل عام.  

خلاصة

إجمالًا، يمكن النظر للممرات، على أنها روافع للتنمية الاقتصادية في إفريقيا، وملاحظة أن المنافسة في إفريقيا لم تعد بين دولة وأخرى، لكن بين ممر وآخر، تعني في نهاية الأمر قيمة مضافة للاقتصادات الإفريقية والتعاون بين دول القارة، لا سيما أن هذه الممرات باتت تقضي بشكل تدريجي (ومبدئي بطبيعة الحال) على حساسية الحدود القائمة بين دول القارة الإفريقية، لصالح تعزيز تعاون إقليمي أكثر قوة وتأثيرًا.

وثمة توصيات عامة بخصوص تفعيل استراتيجيات الاستفادة من الممرات المختلفة في القارة الإفريقية يمكن رصدها على النحو التالي:

– تبني استراتيجيات نقل بحري وبري وجوي وطنية واقتصاد أزرق وتطبيقها فيما بين الدول الساحلية والحبيسة بشكل مؤسساتي فعال.

– الاستثمار في الممرات الخضراء والموانى النشطة في القارة الإفريقية والمعروفة بديناميتها، والعمل على ربط البنى الأساسية البحرية بأسواق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية والأسواق الخارجية.

– تمكين خطوط النقل البحري المحلية وهيئات صناعة السفن من الوصول للتمويل وتفعيل الشراكات المختلفة.

– تعزيز التنسيق على المستوى القاري والإقليمي الفرعي، بحيث تضمن إفريقيا أن تعبر عن مصالحها الاقتصادية المتعلقة بالممرات المختلفة على الساحة الدولية.