من يراجع مضمون الصحافة الاستقصائية خلال الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي يجد أنها لم تكن مخلصة للصحافة، إنما لدعاية تناسلت وانداحت حتى وصلت إلى المستويات الاجتماعية القاصية والبعيدة، ولم ترمِ إلى حشد الشباب؛ ليكونوا في صفوف المقاتلين أو “المجاهدين” فحسب، بل أيضا دفع الناس إلى جمع تبرعات سخية لهم.

وهنا نتناول الحرب الأفغانية في موقفين أو حالتين من التعبئة أو التحشيد، هما:

1 ـ التحشيد للحرب: وهو ما تم أيام جريانها، خصوصا طوال العقد التاسع من القرن العشرين، حيث كان الهدف هو دفع الشباب العربي والمسلم إلى المشاركة في القتال، ودفع الناس إلى التعاطف والتبرع، حتى يصبح المجال العام كله مشبعا بالفكر التي كانت تروج أيامها عن المواجهة بين الإسلام والشيوعية.

2 ـ التحشيد بالحرب: ويعني محاولة تجميل التجربة الأفغانية، بعد أن نالها تقبيح شديد، جراء صراع التنظيمات والأحزاب التي كانت تنضوي تحت راية “الجهاد” على السلطة بعد خروج السوفييت، وتعظيم دور القيادات الميدانية والفقهية العربية التي لعبت دورا كبيرا فيها لاستخدام أسمائهم أو صيتهم في إضفاء شرعية، وجلب شعبية، على الحركة الإسلامية السياسية المعاصرة.

والحالة الأولى، التي نستدل منها على ذلك، يمثلها كتاب أحمد منصور “تحت وابل النيران في أفغانستان”، ففيه يبين ابتداء مدى اتساع الجهد الاستقصائي الذي قام به حين يقول: “لي عشرون رحلة قمت بها مع المجاهدين من خلال تغطيتي الصحفية لقضيتهم طوال ما يزيد على ثلاث سنوات، قضيتها بينهم”، ثم يعود ويؤكد مدى قربه من مصادره في مقال لاحق، فيقول: “أذكر أثناء تغطيتي الصحفية للحرب الأفغانية بين عام 1987 و1990، كيف كان الأفغان يقدرون عملي بشكل خاص، باعتباري كنت من الصحفيين العرب القلائل في ذلك الوقت الذين قاموا بتغطية ميدانية للأحداث، وكان سعيي الدائم للحصول على قصة انسانية مميزة أو خبر مهم أو مقابلة خاصة محل تقدير واحترام من الجميع، لا سيما وأني كنت أراسل أكثر من سبع صحف ومجلات عربية تصدر بين الخليج ولندن”.

يتناول الكتاب تفاصيل بعض المعارك التي دارت رحاها بين “المجاهدين” والقوات السوفيتية، ليظهرهم بأنهم شجعان شديدي المراس، يقاتلون ببسالة، ويحققون معجزات في الميدان، وينقل عن قائد اسمه نور الدين نصيحته له، إن أراد أن يتجول حول كابل أن يعتبر نفسه في عداد الشهداء، بل يمعن الكاتب نفسه في تعميق الشهادة، فيجعل من نفسه مشروع شهيد، قبل انطلاقه إلى رحلته الاستقصائية، حيث يقول: “ودعت زوجتي وابنتي الرضيعة وداع الذي يعتبر نفسه في عداد الشهداء، وأوصيتها وصية المودع للدنيا، ثم حملت حقيبتي الصغيرة وانطلقت”.

ويستعمل الكاتب مصطلح “الحكومة الإسلامية” الذي أطلقه أبو الأعلى المودودي، ولاقى هوى واسعا بين شباب التيار الديني في العالم العربي، ويجعل منه مقصدا لكفاح الأفغان، فيقول: “هدفهم إقامة الحكومة الإسلامية بعد إخراج السوفيت”.

ورغم أن منصور يؤكد في بداية كتابه أنه ينقل ما جرى في الواقع، دون زيادة أو نقصان، فإن تحيزه جعله لا يستطيع الالتزام بهذا طوال الوقت. فهو يقول ابتداء: “حدثت حكمتيار عن رغبتي في نقل صوة واقعية عن المجاهدين” ، ثم يمضي في رحلة استقصائية تامة، يذكر فيها الكاتب التفاصيل كافة، للأماكن وطبيعتها، والبشر وأحوالهم، وجريان الأمر في الميدان، عبر سطور غارقة في الإعجاب، والرغبة الواضحة في الانتصار لمسألة الجهاد، وحض الشباب على هذا.

وقد كان منصور ذكيا واعيا، في أن يورد هذا دون كلمات مباشرة صارخة صاخبة، إنما عبر وصف يسير، يسري في هدوء، كوصف ورسم لا يخلوان من بلاغة، خلاصته أن هناك معاناة، لكن في وجهها رجال صناديد، تحملوا كل شديد صعب في سبيل الدفاع عن عقيدتهم، وهو هنا، من دون شك، يطلق في يسر وسلاسة “مادة ناعمة” بمكنتها أن تسكن قلب كل قارئ أو متابع، بحيث يصبح جاهزا ليكون جنديا في صفوف “المجاهدين”.

وقد أكمل منصور هذا المسار في كتابين آخرين له، وهما” امرأة من أفغانستان“، وفيه رسم صورة، تثير الشفقة حقا لنساء من أفغانستان، وهن يعانين الكثير بسب الحرب، فراح “يصور ملابس أبناء المهاجرين المهترئة البالية التي لا تقي من برد، ولا تحمي من قيظ، وسطر حروفه من دموع الأرامل، ودماء الشهداء، وصبر المجاهدين ورباطهم وغربتهم، فخرج كما هو، جامعاً لقصص واقعية لبعض المجاهدين والمهاجرين النساء دوّنها صوراً، لما رأى ورسم لما سمع، ووصف لما عايشه على امتداد سنوات ثلاث، قضاها بين المهاجرين والمجاهدين الأفغان، فروى عنهم ونقل مآسيهم وآلامهم وتضحياتهم ومعاركهم وبطولاتهم عبر هذا الكتاب، وقد ذيل هذه القصص بتاريخ كتابتها أو حدوثها، وذلك تقريباً للصورة وتأريخاً للحدث”، أما الكتاب الثاني فهو “نداء من طفل أفغاني”، حيث ينقل التعاطف من حيز النساء إلى الذين يثيرون شفقة أكثر وهم الأطفال، الذين يمثلون دوما أكبر ضحايا الحروب النظامية والأهلية والفوضى والاضطرابات السياسية، ويحتاجون إلى رعاية نفسية وبدنية فائقة. وقد أصدر منصور هذا الكتاب عام 1990، أي بُعيد خروج السوفيت، ليحمل استغاثة من أطفال أفغانستان إلى سائر المسلمين في شرق الأرض وغربها كي يمدوا إليهم يد العون.

ويعود منصور بعد عقد من الزمن ليصف المشهد، بشكل مختلف نسبيا، يؤكد فيه، ربما دون قصد، أن كثيرا مما أورده أيام أن كان يغطي الحرب الأفغانية مباشرة، كان مشبعا بالمبالغات التي تتطلبها الدعاية، فها هو يقول عنها بعد عشر سنوات من نهايتها:

“في هذه الأثناء بدأ الآلاف من المتطوعين المسلمين من كل أنحاء العالم، يفدون إلى أفغانستان للمشاركة في الجهاد إلى جانب إخوانهم الأفغان ضد السوفيت، وكانت معظم الدول العربية والإسلامية تدعم ذلك برضا أمريكي، حتى أن بعض الدول كانت تنظم رحلات للمتطوعين أو تقدم لهم تسهيلات، فيما كانت دول أخرى تقدم دعماً عسكرياً وأخرى مادياً، وربما لا توجد دولة عربية أو إسلامية لم يذهب متطوعون منها إلى أفغانستان، وكان العرب دون غيرهم يحظون باحترام خاص لدى الأفغان، الذين كانوا يعتبرونهم أحفاد النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، وكانت عبارة (مهمان عرب) أي ضيوف عرب لها وقعها الخاص لدى الأفغان”.

وعلى النقيض مما أورده من صورة إيجابية للمقاتلين العرب في صفوف الأفغان خلال الحرب، يعود منصور بعد مرور هذه السنوات العشر، ليقول: “صورة العرب بدأت تتغير في نفوس الأفغان بعد سقوط كابول في أيدي المجاهدين عام 1992، فالذين شاركوا الأفغان الجهاد الحقيقي أدركوا أن مهمتهم قد انتهت، وعاد كثيرون منهم إلى بلادهم وانخرطوا في أعمالهم وحياتهم العادية، لكن آخرين انحرفوا واحترفوا العمل ضد حكوماتهم، وأصبحوا يقومون بأعمال تخريبية في بلادهم، تستند على فتاوى خاصة أساءوا من خلالها إلى دينهم وإلى أوطانهم وخسروا كل شيء، أما الباقون فقد بقوا في أفغانستان يقاتلون مع هذه الفئة ضد الأخرى، بعدما بدأ النزاع يدب بين صفوف الأفغان بعد سقوط العاصمة كابول”.

في هذا المقال اللاحق على الكتاب، ندرك أن صورة المجاهدين كان مبالغا فيها، وأن كل ما ورد بشأنهم كان محض افتعال متسرع، فها هو من ساهم في صناعة هذه الصورة في العالم العربي يعود بعد سنين ليقول: “أخذ حكمتيار يدك كابول بالصواريخ طوال أربع سنوات، فهدم منها ما لم يهدمه الشيوعيون طوال سنوات بقائهم في الحكم”، ولم يخرج الأفغان العرب من هذا الانحدار، فقد بين الكاتب كيف ساهم هؤلاء في القتال مع مختلف الفصائل، وشاركوا في مجازر بشعة لطالبان، فيما بعد، ضد المدنيين الطاجيك الذين لم يؤيدوا حركة طالبان، وشاركوا في إبادة قرى أفغانية من على ظهر الأرض، وأحرقوا أطفالاً ونساءً وعجائز. وأخيراً قام اثنان من العرب انتحلا صفة صحفيين بقتل الزعيم الأسطوري أحمد شاه مسعود الذي فشل السوفيت في اغتياله طوال سنوات الجهاد، فتركوا جرحاً غائراً لن يندمل في نفوس الطاجيك والأفغان الذين أحبوا مسعود بشكل عام، الذين أصبحوا ينظرون إلى العرب على أنهم قتلة”.

إن هذا المقال يبدو بمنزلة مراجعة، حتى لو لم يكن صاحبه يقصد هذا، لكثير مما ورد في الاستقصاءات الظاهرة، بينما باطنها غير هذا، لكن هذه المراجعة أو التراجع، أو حتى النقد الذاتي ليس بوسعه أن ينسينا، بعد مرور كل هذه السنوات، أن كثيرا مما كتبه منصور نفسه لم يكن سوى “دعاية”، رمت إلى حشد الشباب العربي إلى أفغانستان، وتم اعتبارها مثالا لمواجهة اليسار العربي، قوميا كان أو ناصريا أو ماركسيا، الذي كان متسيدا وقتها.

ففي وقت كان هذا اليسار عاجزا عن إحداث اختراق في قضية العرب المركزية، وهي فلسطين، ظهر “الجهاد الأفغاني” محررا من تكبيل أنظمة حكم لها حساباتها، ومؤيدا من قبل قوى دولية رأسمالية، وأخرى إقليمية تابعة أو متوافقة، أو خائفة من تمدد اليسار في أيام عنفوانه.

ففي نهاية سبعينيات القرن العشرين، كانت الثورة الإيرانية قد نجحت في إيصال الملالي إلى السلطة، ورغم اختلاف المذهب، فإن الجماعات والتنظيمات السنية رأتها فرصة سانحة لإقامة “الحكومة الإسلامية”، وبدا النموذج الأفغاني مغريا، كمسار سني، لقيام مثل هذه الحكومة، وبذا رأى القائمون عليه ضرورة الدفع في هذا الاتجاه، ولم يكن أمامهم من سبيل يسير وقتها سوى الحرب الأفغانية، التي قاموا بالتعبئة لها ظنا منهم، أن مجرد القيام بهذا العمل سيضخ طاقة جديدة في شرايين “الحركة الإسلامية”، وأن هذه الطاقة لن تكتفي بصنع مثال لنظام حكم ديني سني فحسب، بل إنها سترتد على الصراع ضد اليسار العربي، وستجهز على ما تبقى له، ليُفتح الطريق أكثر أمام القوى الدينية لبناء نظامها السياسي.