لغط كبير  ثار مع إعلان التعديل الوزاري الأخير، وطرحت تساؤلات حول معني التغيير وجدواه، وهل هو مجرد “استبدال وجوه”، أم إعادة ترتيب للأوراق؟

السؤال الأهم ــ في رأيناــ لم يطرح.. ما الذي قدمته حكومات مدبولي على مدار سنواتها في السلطة؟ فهذا التعديل الأخير في حكومة مدبولي هو الرابع، فقد تولى مدبولي رئاسة الوزراء منذ 8 سنوات، حيث أدى اليمين رئيساً للوزراء في يونيو 2018، وبعد عام ونصف العام تقريباً، دخل التعديل الأول على تشكيل الحكومة لتضم 6 وزراء جدد، وبعد إعادة انتخاب السيسي في ديسمبر 2023، أعاد تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة. وفي الثالث من يوليو 2024، أدّت حكومة مدبولي اليمين الدستورية بعد حركة تعديل شملت حقائب وزارية جديدة.

السطور التالية هي محاولة لتقديم كشف حساب بالأرقام، لما قدمته “حكومات مدبولي” في السنوات الماضية، سطور تسعى للإجابة عن جدوى التغيير، وسيناريوهات المستقبل.

حين ينمو الاقتصاد ولا يتحسن الدخل 

السؤال الأول في تقييم الأداء الحكومي، هو معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي مقارنة بالمستهدف، خاصة مع تكرار الرواية الحكومية طوال السنوات السابقة، عن أن الاقتصاد ينمو، وأنه استطاع الصمود وتجاوز صدمات قاسية إقليمية ودولية.

فعليا سجل الاقتصاد المصري خلال سنوات حكومة د مصطفى مدبولي معدلات نمو، تدور في نطاق 3 إلى 4% سنويا، وفقا للبنك الدولي وصندوق النقد، لكن قياس النمو بالأرقام وحدها غير عادل بدون مقارنتها مع العامل المهم والأكثر تأثيرا، وهو التضخم، والحقيقة أن مصر شهدت موجات تضخمية متتالية وضخمة، تجاوزت في بعض السنوات الـ30%والـ40% سنويا، فيما تجاوز التضخم التراكمي منذ عام 2018 حاجز 100%.

التضخم تسبب في تآكل أي زيادة شهدها دخل المواطن، ووفق بيانات البنك الدولي وصندوق النقد، لم يشهد نصيب الفرد من الناتج المحلي تحسنا ملموسا، وكل زيادة في الأجور ابتلعتها تماما زيادة الأسعار وتراجع قيمة العملة.

وبالتوقف عند سعر الصرف، سنجد أن سعر صرف الدولار قفز من مستوى 17 ـ18 جنيها للدولار في بداية الفترة إلى مستويات تجاوزت 45- 50 جنيها، فيما بعد، وبالتالي، فجزء لا يستهان به من “النمو “الذى حققته الدولة وظهر في البيانات، كان نموا اسميا لا معيشيا.

الاقتصاد في عهد مدبولي نما على الورق، بينما تراجعت القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق، بينما واجهت دول نامية أخرى صدمات عالمية مثلنا، لكنها استطاعت عبر السلوك الحكومي الرشيد الحفاظ على التضخم وفق حدود محتملة، ومنها على سبيل المثال المغرب والأردن.

المشكلة ليست في الظرف الدولي، بل في كيفية إدارة النمو، الذي لم يصحبه تحسن في وضعية الفرد الاقتصادية.

الدين.. العبء المزمن

إذا كانت أرقام النمو تكشف فجوة العلاقة بين الرقم والتأثير الحقيقي، فحجم الدين يكشف الواقع الأصعب.

خلال سنوات حكومة “حكومات” د مصطفى مدبولي ارتفع الدين العام بمساريه المحلي والخارجي إلى مستويات، جعلت خدمة الدين من فوائد وأقساط هي البند الأكبر في الموازنة العامة للدولة، وفقا لبيانات وزارة المالية المصرية، وباتت تستحوذ على النصيب الأكبر من الإنفاق العام مقارنة بالصحة والتعليم.

الدين واستدامته لا يقاسان بحجمه فقط، بل بنسبه الفوائد المستحقة مقارنة بنسبة الإيرادات وآجاله، وبهيكل الدين، أي كيف اقترضت الدولة بأي فائدة؟ دين قصير أم طويل الاجل؟ بأي عملة؟

الدولة اعتمدت على أدوات قصيرة ومتوسطة الأجل، ما جعل الموازنة حساسة للغاية في حال ارتفاع أسعار الفائدة.

 ومع تشدد السياسة النقدية عالميا ومحليا، ارتفعت تكاليف الاقتراض، وظهر ذلك تلقائيا في عجز الموازنة وبالطبع في الإنفاق الاجتماعي. السؤال الحاسم هو، هل مول الدين “تحولا إنتاجيا”.. الإجابة بالأرقام “لا”.

ما حدث أن الدين كان أداة للاستقرار قصير الأجل (تأمين العملة، سد فجوات، الحفاظ على وتيرة إنفاق) دون خلق أساس يعتمد عليه؛ لغلق حلقه الاعتماد على المزيد من القروض لاحقا.

الحكومة وقطاعات الدولة المختلفة.. “إنجازات” لا تكتمل

أولا: الصحة وعد لم يتحقق

قالت الدولة، إنها تضع القطاع الصحي على رأس أولوياتها، ووعدت بـ”تأمين صحي شامل وإلزامي” يغطي تدريجيا كل المواطنين، وفقا لقانون التأمين الصحي الشامل 2018، ليتحول العلاج من امتياز إلى حق.

ما تحقق فعليا، هو التوسع في بناء وتجديد المنشآت الطبية والهيئات الخادمة، لكن الوعد بخفض العبء المالي عن المواطن لم يتحقق.

الدولة نجحت في إطلاق النظام، لكن لم تنجح في تحويله إلى حماية صحية، يشعر المواطن بها في حياته اليومية.

 وبقي معدل الإنفاق على القطاع الصحي ما بين  3_4% من الناتج المحلي الإجمالي أي أقل من متوسط الدول المتوسطة الدخل.

تقارير منظمة الصحة العالمية قالت، إن المواطن لا يزال يتحمل ما يقارب نحو 55- 60% من إجمالي الإنفاق الصحي، وهي نسبة مرتفعة للغاية. وإن نصيب الفرد من الإنفاق الصحي أقل من 200 دولار، وهو رقم أقل من دول إقليمية بموارد مشابهة.

وتبقى أزمة الأطباء قائمة بوجود نحو طبيب فقط لكل 1000 نسمة، وأحيانا أقل داخل الخدمة العامة.

الدولة نجحت في حملاتها الصحية مثل حملة القضاء على التهاب الكبد الوبائي، وهو أكبر نجاح موثق في القطاع الصحي، ونال إشادات دولية، ومثله حملات سرطان الثدي، وشلل الأطفال، والسمنة والسكر.

وبالتالي، يمكن القول إن الدولة نجحت في الحملات الصحية ذات الهدف المحدد والمدة الزمنية الواضحة والممولة، لكنها لم تنجح بعد في تحويل هذا النجاح إلى نظام صحي يومي يخفف العبء عن المواطن.

التعليم.. وعقدة التطوير

خلال السنوات الماضيةــ وكما في ظل حكومات سابقةــ لم تتعامل الدولة مع التعليم كنظام متكامل (معلم، فصل، إنفاق، محتوى)، بل كمنتج يمكن إجراء بضع تحسينات عليه من على الواجهة.

الأرقام تظهر، أن الإنفاق على التعليم كنسبة من الناتج المحلي ظل في حدود 3- 4%، وبالتالي، استمرت أزمة كثافة الفصول المرتفعة، ولم ترتفع أجور المعلمين أو أوضاعهم المهنية، بل أنصب اهتمام الدولة على شكل التعليم وآليات إدارته أكثر من جودته.

تطوير التعليم بقي عند عقدة التطوير الشكلي لا الإصلاح المدروس كالعادة منذ عقود.

السياحة: تعافي كمي

ربما كانت السياحة أنجح القطاعات الحكومية على مستوى الأداء في السنوات السابقة، خاصة مع نشاط الدولة في الترويج، وإنجاز المتحف المصري الكبير، لكنها لم تتحول بعد إلى قطاع مستقر عالي القيمة.

 ما تحقق هو تعاف سريع، يعالج فجوة العملة على المدى القصير لا استراتيجية متكاملة، تضمن أن تكون السياحة مساهما في تشغيل قطاعات مساندة “أغذية، نقل، حرف”.

السياحة عادت لمؤشرات مرتفعة نسبيا، ودخلت إيراداتها السنوية في نطاق 13– 15مليار دولار، عقب انتهاء جائحة كورونا، لكن هذه الإيرادات جاءت من زيادة عددية للسائحين لا من القيمة التي يقدمها السائح، تعاف يعتمد على الكم ما زال يعاني من الحساسية الشديدة للأحداث الجيو سياسية وتقلبات الطيران وحركة سعر الصرف.

 الزراعة.. تحسن دون قيمة مضافة

وفق البيانات الرسمية والدولية، يمكن رصد تحوّل كمي واضح في المساحة والإنتاج، يقابله تحسن كمي في التصدير لم يكتمل نوعيًا.

وعقب سنوات من الانكماش المرتبط بالبناء المخالف والتفتّت، توسّعت الرقعة الزراعية عبر مشروعات الاستصلاح الكبرى (الدلتا الجديدة، توشكى، شرق العوينات، سيناء).

 وتشير بيانات وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى إضافة مئات الآلاف من الأفدنة خلال السنوات الأخيرة.

 هذا الاتساع ارتبط أيضًا بتحسين نظم الري وتقليل الفاقد المائي، وأسهم تحديث الممارسات الزراعية، في رفع إنتاجية محاصيل بعينها، لكن متوسط الإنتاجية ظل متفاوتًا جغرافيًا، ومتأثرًا بتكلفة المدخلات (أسمدة/ طاقة) وتقلبات المناخ.

 ووفق البنك الدولي، تسهم الزراعة بنحو 11- 12% من الناتج المحلي، وتستوعب نسبة معتبرة من العمالة، ما يجعلها قطاع تشغيل كثيف، لكن بإنتاجية متوسطة، تحتاج لتعميق القيمة المضافة.

وسجلت الصادرات الزراعية قفزات ملحوظة في السنوات الأخيرة، وجرى فتح أسواق جديدة، وأظهرت بيانات التجارة الخارجية لدى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة الزراعة نموًا مستمرًا للصادرات الزراعية، غير أن التركيب التصديري ما زال يميل إلى السلع الخام أو شبه المُصنّعة، أي أن الزيادة تحققت بالحجم والسعر أكثر من القيمة المضافة.

 ولم يتحول التصنيع الغذائي (التجفيف، التعليب، العصائر، السلاسل الباردة) إلى قاطرة لمضاعفة العائد وتحصين الإيرادات من تقلبات الطقس والأسعار العالمية.

الزراعة حققت طفرة في المساحة تحسب للحكومة، ونجحت في رفع الصادرات كميًا، وأسهمت في الأمن الغذائي، لكن التحوّل إلى قيمة تصديرية أعلى ما زال ناقصًا.

الصناعة.. منع التراجع

قدمت الدولة نظرتها دوما للصناعة بوصفها قاطرة النمو المستدام، والبديل عن الاعتماد على التدفقات الريعية، مع وعود بتعميق التصنيع، وإحلال الواردات، وزيادة الصادرات.

غير أن قراءة الأرقام تُظهر فجوة واضحة بين الخطاب والنتيجة.

فقطاع الصناعات التحويلية ظلّت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي تدور في نطاق نحو 15– 16% دون قفزة منتظرة تغير الوزن النسبي للصناعة داخل الاقتصاد.

وعلى مستوى الصادرات الصناعية، تحقّق تحسّن في القيم المعلنة للصادرات غير البترولية، إلا أن طبيعة الصادرات ما زالت تميل إلى صناعات منخفضة أو متوسطة القيمة المضافة، مع محدودية في الصناعات التكنولوجية أو كثيفة المعرفة.

 وأدت أسعار الفائدة المرتفعة وعدم استقرار سعر الصرف إلى تقييد توسّع القطاع الخاص الصناعي، خاصة المشروعات المتوسطة والصغيرة.

وفي مجال الإجراءات واللوجستيات الداعمة للصناعة، تم تسجيل تحسّن نسبي في بعض نقاط الاختناق التي كانت معتادة (الإفراج الجمركي، تخصيص الأراضي)، لكن زمن وتكلفة التشغيل، وهما من أكبر المشكلات ظلا أعلى من منافسين إقليميين.

أما التشغيل والمكوّن المحلي، فشهدت بعض القطاعات تحسنا جزئيًا، دون تعميم سياسة واضحة، تقود قطاعات بعينها إلى تشغيل كثيف وتصدير عالي القيمة.

ما تحقق في الصناعة خلال السنوات الماضية هو منع التراجع، لا إحداث طفرة ملموسة مؤثرة.

من الذي دفع تكلفة السياسات؟ غياب الأفق الآمن   

بعد تتبع النمو، والدين، والعملة، ثم استعراض كشف حساب القطاعات المختلفة، يتبقى السؤال الذي يقيم “التجربة الحكومية”، تجربة حكومات مدبولي، من يتحمل كلفة السياسات؟

البيانات الرسمية والدولية تشير بوضوح، إلى أن العبء الأكبر انتقل الى أصحاب الدخول الثابتة من الطبقة الوسطى، بينما ظلت آليات الحماية الاجتماعية تأتي كحلول لاحقة.

أدى التضخم المرتفع وتراجع قيمة العملة إلى تآكل الدخل لقطاع كبير، خاصة الموظفين وأصحاب المعاشات.  

وعلى مستوى الإنفاق الأسرى، ارتفعت تكلفة السلع الأساسية والخدمات من غذاء، ونقل، وتعليم، وصحة، ما دفع الأسر لتعويض فجوات الدولة من جيوبها، دروس خصوصية، وإنفاق صحي مباشر، وبالطبع تخفيض في بنود استهلاكية، لم يعد المواطن قادرا على التعامل معها.

أما برامج الحماية الاجتماعية كالدعم النقدي المشروط وتوسع مظلات الدعم، فقد تكون قد نجحت إلى حد في منع انزلاق فئات أكثر فقرا إلى الهاوية، لكنها لم تصمم لحماية الطبقة الوسطى.

المفارقة، أن هيكل الموازنة نفسه يعكس هذا الخلل، حيث يتصاعد بند خدمة الدين ليزاحم الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، ما يحد من قدرة الدولة على توسيع حماية شاملة ومستدامة.

الإصلاح جرى بتكلفة اجتماعية غير متوازنة حيث نجحت الدولة في منع الانهيار وتوفير قدر من الحماية للفئات الأشد فقرًا، لكنها لم تنجح في حماية الطبقة الوسطى من التآكل.

و الحقيقة إن أى مسار اقتصادي لا تدار شؤونه بدون رؤية المواطن فهو يشترى الوقت ويستنزف الثقة ولا يحقق أفقا آمنا للمواطن.