لم يكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يعيد سردية الحرب في إقليم التيجراي (نوفمبر 2020- نوفمبر 2022) خلال خطاب هام له أمام البرلمان الإثيوبي مطلع فبراير الجاري، لا سيما مسألة تورط إريتريا في انتهاكات واسعة النطاق ضد مواطني الإقليم، إلا وعاجلت وزارة الخارجية الإثيوبية (8 فبراير) إريتريا المجاورة بمطالب “سحب قواتها” التي تتهمها أديس أبابا بالتواجد داخل أراضي إثيوبيا.
جاء ذلك متضمنًا في خطاب من وزير الخارجية الإثيوبي إلى نظيره الإريتري، والذي شمل أيضًا اتهامات لإريتريا “بالعدوان الصريح” ضد بلاده واحتلال رسمي لأراضٍ إثيوبيا، والقيام “بمناورات مشتركة مع المتمردين الإثيوبيين في الشمال وإمدادهم بالأسلحة”.
ولم تعلق الخارجية الإريترية على الخطاب إلا في اليوم التالي (9 فبراير)؛ وجاء التعليق مقتضبًا ودالًا، إذ أكد أن الاتهامات الإثيوبية كاذبة ومفبركة بشكل واضح، وعبرت أسمرا عن دهشتها من نبرة الخطاب ومضمونه والدوافع الكامنة وراء الاتهامات الواردة فيه، بل والهدف العام الذي تسعى إليه أديس أبابا من هذه الاتهامات وتوقيتها.
ووصف الرد الإريتري الخطاب، بأنه يُشكّل حلقة جديدة ومؤسفة في نمطٍ متواصل وتصاعدي من الحملات العدائية ضد إريتريا منذ أكثر من عامين.
وأضاف الرد الإريتري “وكما تم التأكيد عليه سابقًا، فإن حكومة إريتريا لا رغبة لديها ولا مصلحة في الانخراط في مهاترات عديمة الجدوى من شأنها تأجيج الأوضاع وزيادة تعقيدها”.
تلا هذا التصعيد الدبلوماسي تقارير، تفيد بتحريك حشود عسكرية بين الجانبين، مما يفتح آفاق التصعيد العسكري مجددًا بين البلدين، في ظل تداعيات التوتر السعودي الإماراتي الراهن.
ولم تغب مصر عن المشهد في ظل علاقاتها الوثيقة مع نظام أسياس أفورقي في الأعوام الأخيرة، والتوتر غير المسبوق مع نظام آبي أحمد في أكثر من ملف، منها أمن البحر الأحمر.
إثيوبيا ومساعي تغيير “قواعد اللعبة”
من المهم قبل الاستطراد التأكيد على جوهرية ملاحظة أن نظام أسياس أفورقي (وبتنسيق أدوار إقليمية مهمة أبرزها الدعم الإماراتي والإسرائيلي) كان الداعم الأكبر لنظام آبي أحمد، والحيلولة دون سقوطه خلال حرب التيجراي، وما تحيل إليه من حجم المصالح بين النظامين في السنوات السابقة، فإن توقيت إثارة آبي أحمد “ادعاءاته” ضد إريتريا، أي في مرحلة ما بعد الصدام السعودي- الإماراتي في البحر الأحمر وإحكام القاهرة تعاونها مع الصومال وجيبوتي وإريتريا ونجاح الجيش السوداني في مبادلة ميليشيات الدعم السريع ضرباتها بأخرى أشد عنفًا. وما التبسته تلك الادعاءات من أدلة إدانة لنظام آبي أحمد، يشير إلى بدء أديس أبابا مرحلة جديدة من مساعيها لضبط قواعد اللعبة في الإقليم وفق رؤيتها بشكل مطلق؛ لا سيما إذا وضعنا في اعتبارنا حجم المجازفة الكبيرة التي يقوم بها هذا النظام بعد “خطاب آبي أحمد” من نقل قوات نظامية من أكبر أقاليم البلاد (أوروميا)، والذي يواجه بدوره اضطرابات سياسية وأمنية مزمنة، غابت عن الواجهة في ظل الاهتمام العالمي بحرب التيجراي، إلى شمالي البلاد “تحسبًا لمواجهات عسكرية مع إريتريا”، وما بدأ يتكشف في الميديا العالمية (رويترز، 10 فبراير الجاري) حول جهود إثيوبيا لدعم ميليشيات الدعم السريع في السودان من جهة الشرق وإقامة معسكر لتدريب هذه العناصر، تمهيدًا لشن هجمات على السودان “انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية” (وسط رواية سودانية شبه مؤكدة بضلوع الإمارات في الدعم اللوجيستي والتقني والمادي لهذا المعسكر، وتأكيدًا لتقارير سودانية سابقة حول المعسكر ظهرت في يناير الماضي).
وكانت إثيوبيا وإريتريا قد اتفقتا، وفق اتفاق السلام الموقع بينهما والمعروف “بإعلان جدة المشترك” في سبتمبر 2018، على إنهاء الحرب وتطبيع العلاقات بينهما، بل واستكشاف فرص التعاون الاقتصادي برعاية أطراف إقليمية ودولية، رعت الاتفاق في مراحله المختلفة.
وكان من مقتضيات الاتفاق منح إثيوبيا وصولًا لمواني إريتريا بالتزامن مع ضخ استثمارات (إماراتية وسعودية) في الأخيرة لتيسير هذا التعاون، ضمن قطاعات أخرى.
وتعزز اتفاق السلام بين البلدين خلال حرب التيجراي، إذ كانت جبهة التحرير الشعبية بالإقليم “العدو المشترك” لنظامي أفورقي وآبي أحمد، مما فسر الدعم العسكري الكبير الذي قدمه أفورقي لرئيس الوزراء الإثيوبي في لحظات حاسمة من هذه الحرب.
غير أن رؤى النظامين بدأت في التباين شيئًا فشيئًا بعد نهاية الحرب في إقليم التيجراي (نهاية 2022)، وفاقم منها تباطؤ تدفق الاستثمارات “الموعودة” لتعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، مع تباين رؤى القوى الإقليمية والدولية الداعمة لاتفاق سبتمبر 2018 على خلفية التهديدات التي استجدت في الإقليم بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، وأربكت ترتيبات الأمن في البحر الأحمر بشكل ملحوظ.
البحر الأحمر بقلب الصراع
ومن ثم، يمكن استنتاج أن إثيوبيا تواصل سعيها لفرض توجهاتها الإقليمية (وهي هنا الوصول للبحر الأحمر بأية تكلفة كانت، وعلى حساب أمن واستقرار دول جوارها الساحلية: الصومال وجيبوتي وإريتريا وربما السودان) من بوابة تهديدات جادة وخطيرة لجارتها إريتريا، وأنه حتى لو لم تصل الأمور لحرب مباشرة، تنهي اتفاق السلام (سبتمبر 2018) عمليًا، فإن إثيوبيا ستكون قد رفعت من سقف مطالبها درجة أخرى، ليبدو (نظريًا على الأقل) أن مطلبها بوصول “سيادي” للبحر هو ضمانة لاستقرار الإقليم وأمنه وعدم انزلاقه في حروب جديدة.
خيارات إريتريا.. مواجهة محسوبة
يمثل خيار المواجهة مع إثيوبيا خسارة كبرى لنظام أسياس أفورقي، مع توقع أن تقود مثل هذه المواجهة إلى وضع نهاية له حال تعزيز قوى إقليمية ودولية دعمها لنظام آبي أحمد. ويؤشر على ذلك مبادرة إثيوبيا طوال العام 2025، وخلال أوائل العام الجاري بتهديد إريتريا تلميحًا وتصريحًا في مناسبات عدة (كان آخرها وأخطرها خطاب آبي أحمد الأخير)، على نحو يمكن اعتباره استفزازًا منهجيًا من قبل أديس أبابا لأسمرا لدفع الأخيرة لاتخاذ خطوات غير محسوبة نحو مثل هذه المواجهة، وضمن حدود متوقعة في إقليم التيجراي، مما يمنح نظام آبي أحمد رافعة سياسية مهمة في هذه المرحلة الدقيقة.
يبدو أن خيارات إريتريا راهنًا (وأبرزها التعاون مع دول من داخل الإقليم أهمها السعودية ومصر والصومال، ورفض سياسات تكوين كيانات موازية في الصومال والسودان على حد السواء، وبمستويات تمكين مختلفة)، ورفض التهديدات الإثيوبية أو ما تعرف “بدبلوماسية المواني” الإثيوبية (التي لا يمكن فصلها عن سياسات الإمارات سواء من جهة النهج أو الغايات أو الأدوات المستخدمة ومن بينها إثارة الفوضى والأزمات) ستظل ثابتة على المدى المتوسط.، خلافًا لسياسات أسمرا في السنوات السابقة على العام 2022 تحديدًا، والتي اتسمت بقدر كبير للغاية من البرجماتية والقدرة على خلط الأوراق والمواقف الإريترية في جميع الأزمات والمشكلات ذات الصلة، والحفاظ على مسافات معقولة من التعاون والدعم مع كافة القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في البحر الأحمر، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
ويمكن النظر لهذه الخيارات على النحو التالي:
- توطيد أسمرا علاقاتها مع عواصم إقليمية أبرزها الرياض والقاهرة بشكل متسارع للغاية، الأمر الذي لا يمكن التراجع عنه مستقبلًا في المدى المنظور أو المتوسط بالنظر إلى طبيعة المتغيرات الإقليمية الحالية، وتوجه الرياض تحديدًا إلى صدام شبه حتمي مع الإمارات في ساحة البحر الأحمر وربما ما ورائه؛ الأمر الذي سيمثل تغيرًا جوهريًا في النهج التقليدي لنظام أفورقي.
- خيار مواجهة النظام الإثيوبي عسكريًا؛ وهو خيار يظل قائمًا (لكن مع توقع مبادرة إثيوبيا بشنه وليس العكس) بالنظر إلى حجم الاستفزاز الإثيوبي واستدامته، واستمرار مساعي نظام آبي أحمد لاحتواء التناقضات الإقليمية في سياسات بلاده عبر إثارة نزاعات، وربما حروب مع دول جوار تبرر لاحقًا أي نهج عدواني/ عسكري للاستيلاء على ميناء عصب الإريتري.
- تمتين إريتريا علاقاتها مع دولتي جيبوتي والصومال كضمانة لمواجهة إقليمية جماعية لأطماع نظام آبي أحمد التوسعية في الدول الثلاث (الاستيلاء على ميناء عصب في إريتريا، والمطالبة بمرور تجاري بشروط سيادية في ميناء جيبوتي أو تاجوراء في دولة جيبوتي، والتهديد الدائم بالاعتراف بإقليم أرض الصومال في جمهورية الصومال الفيدرالية بعد سنوات من انتهاك إثيوبيا لسيادة الصومال في الإقليم بالتعاون مع الإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل وعلى خلفية ادعاءات مختلفة من بينها “مواجهة الإرهاب”).
مصر في عين العاصفة!
أطلق مسئولون إثيوبيون بعد ساعات من تهديدات آبي أحمد لإريتريا تصريحات مكثفة، استهدفت إرسال رسائل من قبيل أن أديس أبابا، “تعرف كل صغيرة وكبيرة في الإقليم” (القرن الإفريقي والبحر الأحمر)، وبالتزامن مع هذه التصريحات بثت القوات المسلحة المصرية (11 فبراير الجاري) استعراض الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (بصحبة وزير الدفاع المصري السابق الفريق أول عبد المجيد صقر، والذي تم تغييره في التغيير الوزاري الأخير في الحكومة) اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك بحضور الفريق/ أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وعدد من قادة القوات المسلحة.
كما تضمنت الزيارة (حسب بيان للمتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية) عرضاً تقديميا عن إجراءات الإعداد والتجهيز للقوات المشاركة، والتي عكست مدى الجاهزية والاستعداد القتالي لكافة الأسلحة والتخصصات، تلا ذلك تنفيذ عدد من الأنشطة التدريبية، وعرضاً لنماذج من المركبات المشاركة بالمهمة.
ولفت البيان، إلى أن القوات المشاركة قد أظهرت “أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي، يمكن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف”، وبغض النظر عن عمدية التوقيت من عدمها (بعد نهاية زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة 8 فبراير)، فإن دلالة أن تكون آخر الفعاليات التي يشهدها وزير الدفاع المصري السابق اصطفاف القوات المصرية المرتقب توجهها للصومال كاشفة للغاية مدى اهتمام مصر بدعم استقلال الصومال ووحدة أراضيه وجهود إعادة بناء الدولة بشكل ملموس على الأرض كسياسة مستدامة وغير مرتبطة بمتغيرات أو حسابات قصيرة الأجل.
الشاهد هنا، أن التوتر الإريتري الإثيوبي وتصاعده، مع ترقب مخرجات زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان لأديس أبابا في 11 الجاري، لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن تداعيات السياسة المصرية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهي السياسة التي يتوقع أن تجد دعمًا كبيرًا من الفاعل السعودي المهم في الإقليم، ومن ثم محاولة كبح جماح التوجه الإثيوبي العدائي تجاه إريتريا (راهنًا) وغيرها من دول جوار إثيوبيا.
وفيما يتواجد وزير الخارجية السعودي في أديس أبابا، وما أعلن خلال الزيارة من مناقشته الأمن في البحر الأحمر، فإنه قد سبقت الزيارة تقارير مهمة (6 فبراير)، تشير إلى اضطلاع القاهرة بمهمة الوساطة الجادة بين الرياض وأسمرا لتعميق “الصلات الأمنية بين إريتريا والسعودية” مع وضع القاهرة نصب عينيها على تحدي النفوذ الإماراتي الذي يتزايد مع تعظيم أبو ظبي دعمها العسكري لإثيوبيا، بل والعمل على توظيف هذا الدعم خارج حدود الأخيرة (كما في السودان، والصومال على نحو متوقع).
ويعني ذلك، أن التنسيق المصري- السعودي في قضايا القرن الإفريقي قد وصل لمرحلة “الإسناد اللحظي”.
ومن ثم يتوقع أن تحقق القاهرة، التي دخلت في علاقة تحالف مع أسمرا في الشهور الأخيرة، اختراقًا مهمًا في الإقليم وحماية مصالح أبرز الشركاء فيه (ومن بينهم إريتريا) ضد سياسات أديس أبابا التقليدية: الاحتواء ثم الهيمنة.
خلاصة
بأي حال، يشي التوتر الإثيوبي الإريتري بمزيد من التصعيد، وتفكيك أوضاع كانت مستقرة نسبيًا منذ شتاء 2018، ودخول المنطقة في حالة فوضى جديدة، أو على أقل رفع القوى التفاوضية (لإثيوبيا) وتكلفتها أو أعباءها على إريتريا (وكذلك على كل من جيبوتي والصومال والسودان).
كما يتضح من غمار هذا التوتر نجاح القاهرة (بدعم متبادل وهام مع الرياض) في تغيير معادلات الصراع والتنافس في الإقليم، نحو تفهم أكبر لمفهوم سيادة الدولة الوطنية وأطره، في العلاقات الثنائية (داخل الإقليم) والدولية، وواقعه.
وإن كان هذا النجاح قابلًا للاختبار مستقبلًا من قبل إثيوبيا تحديدًا، وعدد من أبرز حلفائها، ولا سيما إسرائيل والإمارات، فإن قدرة القاهرة على تمتين روابطها مع دول الإقليم تظل العامل الحاسم في حماية المصالح الجماعية وتعزيز أسس التعاون والصداقة الإفريقيتين بين الدول الشقيقة.






