على خلفية أحدَاث أحدْث نزاع داخلي في الأحزاب المصرية، وهو النزاع داخل حزب الدستور، أصبح السؤال المهم الآن، هل كُتب على المعارضة المصرية منذ التعددية الحزبية الثالثة القائمة حاليا منذ 11 نوفمبر 1976 مصير التفتت والتشرذم؟ هل أصبحت المعارضة في مصر مآلها الفشل الدائم؟ وكيف يمكن أن تُنتشل من هذا الوحل الذي أصبح سمة لصيقة بها، وسببا وجيها لعزوف المصريين عنها، برفضهم المشاركة في عضوية أحزاب المعارضة، والركض نحو الاستقلال، أو على الأقل المشاركة في عضوية أحزاب السلطة، التي مرد الواقع، على أنها أحزاب الكارنية أو أحزاب أصحاب الحظوة.

طريقة نشأة وبقاء الأحزاب المصرية تحمل فناء النظام الحزبي

ما من شك، أن الطريقة والبيئة التي نشأت خلالها التعددية الحزبية الثالثة ذاتها كانت هي السبب الرئيس للمشكلات التي لا زال النظام الحزبي في مصر، يرزح تحت وطأتها. فالأحزاب نشأت نشأة فوقية، وبقرار رئاسي بتحويل المنابر إلى أحزاب، وما تلا ذلك، كان عبارة عن وجود لجنة، تتحكم في تأسيس الأحزاب، ومحكمة أحزاب ضمن القضاء غير الطبيعي الذي يشارك فيه من هم من غير القضاة، وكل ذلك وقع ولا زال في بيئة غير مدنية، حيث تتحكم في المشهد برمته النُخبة العسكرية التي سيطرت على الحكم منذ يوليو 1952، وهي ذات البيئة القائمة حتى اليوم بشكل مختلف، ولربما أكثر شدة عبر التدخل في السياسة والاقتصاد والتعليم وخلافه، وكل ذلك تحت تأثير خرافة “فساد كل ما هو مدني وانضباط كل ما هو عسكري”، كل ما سبق يحدث وسط إعلام، يُروج لكل ذلك عبر خطاب عن فزاعة الإخوان، ما جعل الحكم غير المدني، يستأسد يوما بعد يوم، رغم أنه يعلم أن الإخوان وتجربة حكمهم المريرة لمدة عام، لم ولن تتكرر، على الأقل في المديين القريب والمتوسط.

خلال تلك الفترة التي ناهزت نصف قرن، كان ولا زال التحكم في أحزاب المعارضة من خارجها هو سيد الموقف، فالأمن متواجد داخل كل الأحزاب الـ24 التي كانت قائمة عشية انتهاء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهو ذات الأمر في الـ104 حزبا القائمة اليوم. صحيح أن قانون الطوارئ تم إلغاؤه، ما جعل السطوة الأمنية محدودة للغاية على أحزاب المعارضة، لكن تلك المحدودية ظلت شكلية، إذ بقت اليد العليا لممارسة الرقابة الشديدة على الأحزاب مقرات واجتماعات وندوات، ومن ثم، اعتبارها كيانات خارجة عن الوطنية إلى أن يثبُت العكس. 

مُناخ أثر على شعبية أحزاب المعارضة

ولأن أحزاب المعارضة تأثرت أيضا بثلة معتبرة من القوانين القائمة، فقد استمرت في كونها كيانات ورقية، تتسم بالهشاشة حتى الأحزاب التي قامت السلطة بتأسيسها ورعايتها تحت مسميات مختلفة، بعد أن منع الدستور تأسيس حزب رسمي لرئيس الجمهورية، ظلت هشة هي الأخرى، فبدون تلك الرعاية تسقط سقوطا كبيرا. فبداية، ظل ولا يزال العمل الحزبي المعارض محظورا داخل الجامعات، ومؤسسات العمل، ما جعل المعارضة خاوية من أي نشاط. وثانيا، أبقت السلطة على قوانين انتخابية، تتعمد أن تجعل أحزاب المعارضة في طي النسيان، بكونها خاوية من العضوية. فلماذا العضوية، ما دام الناخب يستطيع أن يترشح إلى المجالس النيابية والشعبية، عبر أساليب انتخابية تنتمي للنظام الأغلبي (نظام50% +1) الذي يستغني بموجبه المرشح عن الأحزاب السياسية عامة وأحزاب المعارضة خاصة، سواء عبر النظام الفردي، أو عبر تزوير إرادة الناخبين بأسلوب القوائم المطلقة الذي يعد مشاركة عملية في تشكيل مجالس تشريعية ورقية غير ممثلة وطيعة في يد سلطة، مردت على السمو وقهر الكيانات الحزبية المعارضة. وثالثا، عزفت الدولة عن متابعة الأنشطة الحزبية والرقابة المالية عليها عبر أجهزة الفحص المالي، وعلى رأسها الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي ظلت تقاريره عنها في طي الكتمان، ما جعل الفساد يمخر في عبابها، دون أية محاسبة.

نشأة أحزاب السلطة

وسط كل ما تقدم وإمعانا في قهر المعارضة، كانت هناك أحزاب سلطة، إما أنها تأسست بشكل رسمى كحزب مصر 76/ 1977 والوطني الديمقراطي 78/ 2011، وإما بشكل غير رسمي كأحزاب مستقبل وطن 2014 وحماة الوطن 2014 والجبهة الوطنية 2025، وكلها كيانات لا تقل هشاشة أو ورقية عن أحزاب المعارضة، لكنها فقط ولكونها ترعاها السلطة، باعتبارها نبت ثلاثة أجهزة أمنية مختلفة، فإنها قد حازت على الأغلبية الكاسحة لكون مؤسسات الدولة المختلفة ترعى وجودها؛ من أجل عيون من أسسها، وهو ما نشاهده في كل انتخابات، وهو ما حدث بشكل فج ومزعج في انتخابات النواب 2025، ما من شك، أن تلك الأحزاب اليوم تدرك تماما، أنها يتحتم عليها، أن تستمع لكل ما هو مطلوب منها، وأن تكون عبارة عن أغلبية مصطنعة غالبا فارغة المضمون والأداء والمحتوى، لا تناقش ولا ترد كلمة ولا تستجوب ولا تعترض.      

فصيل من أحزاب المعارضة قدم هنا وقدم هناك

لكن هذا الأمر لا يعني أن هناك أحزاب معارضة خفيفة الأداء، لكونها ليست جادة في معارضتها للحكم، وفي ذات الوقت تدعي أنها ضمن القوى المعارضة القوية، وهي في الواقع ليست كذلك، تلك الأحزاب رضيت بكل ما كانت تعارضه، كالقوائم المطلقة في الانتخابات، ورضيت بأن تكون أشكالا ديكورية في مشهد انتخابي رئاسي، تعلم نتائجه، وبالطبع حصلت على مقابل لكل ذلك، ممثلا على أقل تقدير في حفنة محدودة من المشرعين في مجلس النواب، أو أعضاء في مجلس الشيوخ الذي لا يعد بأي حال سلطة تشريعية أو برلمان أو غرفة ثانية، وفقا لنص الدستور الحالي نفسه، الذي نزع منه كل تلك الأوصاف. الوفد، والتجمع، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، والعدل، والإصلاح والتنمية، هي الأحزاب الستة الأبرز في هذا الصدد. بالطبع هناك آخرين أقل شأنا، مثل إرادة جيل، الذي يمثل في مجلسي النواب والشيوخ بمقعد أو اثنين، وهو يتربع على رأس تحالف الأحزاب الـ40، وكلها أحزاب طيعة جدا، لا تأخذ أي شيء، لكون هذا الحزب يأخذ نيابة عنها.

صراعات أحزاب المعارضة من داخلها وفيما بينها

وسط كل ذلك تشهد الساحة صراعات حزبية بين المعارضة سواء بين الكيانات الحزبية أو بين الشخصيات المعارضة. كلنا شاهدنا منذ نحو عامين، كيف أن معارضا صنديدا (أبو عيطة) أدخل زميل له في ذات الخندق المعارض (هشام قاسم) السجن، وقد سبق، أن لاحظنا في السنوات الأربع الماضية، أن ما يفرق أحزاب الحركة المدنية الديمقراطية التى تأسست في ديسمبر2017 أكثر بكثير مما يجمعها، كالقادة العرب تماما، يجتمعون كل اجتماع قمة على بيان، وفي نيتهم خرقه بمجرد الخروج من المكان. انشقاقات لا حصر لها حول الحوار الوطني بين المعارضة والسلطة، رغم أن الأخيرة منحت الحركة ورقة التحدث باسم المعارضة، الخلافات البينية داخل أحزاب الحركة كانت أحد أسباب رفض السلطة مخرجات الحوار عمليا رغم تمسكها بها شكلا، وغير الخلاف حول الحوار، هناك خلافات دائمة بين أحزاب الحركة حول المشاركة في الانتخابات البرلمانية وتفاصيلها وكذلك الانتخابات الرئاسية، وكذلك صراعات على تحالفات مع مستقبل وطن أو حماة الوطن، والكل يدرك أن الصراع هنا على كرسي أو مقعد لا فائدة منه من حيث الكم، في مؤسسة أصلا يبدو أنه لا فائدة كبيرة مرجوة منها من حيث الكيف، مشكلات كبيرة داخل حزب التجمع، لرغبة رئيسه في التجديد لدورة ثالثة خرقا لكل المواثيق التجمعية، والشعارات التي ينادي بها الحزب، الذي لم يعد به سوى بضعة مئات من الأعضاء المتنازعين؛ بسبب تسلط رئيسه، حتى الوفد الذي تنفس الجميع من داخل وخارج الحزب الصعداء بعد وحدة قياداته وانتخاب رئيس جديد له في 30 يناير الماضي، عادت الخلافات تطرق بشكل أقوى أبوابه، عقب طعن بعض قيادات الحزب في انتخاب رئيسه، بسبب اتهام الرئيس المنتخب في قضية رشوة.

خواء عضوية متعمد

وسط كل ما سبق، تغلق عديد الأحزاب أبوابها أمام أية عضويات جديدة، خشية أن تثب إلى ناصية القرار بها دماء جديدة، فتزيحها عن مقاعدها، أو تحرمها من أية مناصب كالعضوية في النواب أو الشيوخ، أحزاب الجيل والإصلاح والتنمية مجرد أمثلة بسيطة على عديد الأحزاب الملقبة بالمعارضة، التي تُعوق العضوية أمام الناس، حزب السادات (عفت السادات) والاتحاد الديمقراطي (حسن ترك) والشعب الديمقراطي (خالد فؤاد) وغيرها وغيرها، كلها أحزاب لا تنعقد تنظيماتها وأبنيتها الحزبية؛ خشية من تداور السلطة. حزب نهضة مصر ليس له رئيس بعد سجن رئيسه وزوجته، الأحرار الاشتراكيون مثله كعديد الأحزاب، يُفصل رئيس الحزب عام 2024 لائحة على هواه، لمنع منافسة آخرين له على رئاسة الحزب، اللائحة كغيرها من لوائح الأحزاب تجعل بيد الحزب سلطات كثيرة منها فصل المعارضين.

إصلاح النظام الحزبي

لم ولن تنصلح أحوال المعارضة المصرية، إلا بضغط عدد الأحزاب السياسية، فمصر ليس بها 104 قضايا مختلف عليها؛ كي يوجد هذا العدد الكبير من الأحزاب. لذلك يجب أن تُشجع الأحزاب على الاندماج، وأن يُفتح باب العضوية بها، وأن تُصلح هياكلها وتتداور النخبة فيها. بعض تلك الأمور يحتاج إلى لوائح أخرى أكثر مقرطة، وبعضها يحتاج لرفع يد السلطة عنها، فلا تميز بينها، وتصدر قوانين تنعش الحياة السياسية كالانتخابات بالأغلبية النسبية، وكذلك قانون مختلف للأحزاب السياسية يؤكد على الديمقراطية داخل الأحزاب وتداول السلطة بها ودورية اجتماعات مستوياتها التنظيمية النوعية والجغرافية، ويشجع على انتشار مقراتها، ويُسوق لكل تفاعل للشارع معها وتفاعلها مع الشارع.