هناك فيلم وثائقي، أعده ياسر أبو هلالة عن الفلسطيني عبد الله عزام، يوضح كيف يقيم التيار السياسي الإسلامي، ويدير إعلامه التعبوي أو التحشيدي أثناء الحرب.

وعزام هو أحد القيادات الفكرية والحركية الكبرى لـ”الجهاد” ضد السوفيت، والذي اغتيل على أرض باكستان في نوفمبر 1989، عن ثمانية وأربعين عاما، إذ إنه من مواليد قرية قرب جنين عام 1941، ودرس الشريعة في جامعة دمشق، وانضم لجماعة الإخوان في صباه، وحصل على الدكتوراه عام 1973، ليعمل مدرسا بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية حتى عام 1980، عندما ذهب إلى السعودية للعمل في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، ومن هناك طلب العمل في الجامعة الإسلامية في باكستان؛ ليكون قريبا من “الجهاد الأفغاني”، وأتيح له هذا، فتوجه عام 1982 إلى بيشاور في باكستان، حيث أسس مكتب الخدمات؛ ليكون نقطة تجمع المتطوعين من مختلف الدول العربية، وهناك أصدر مجلة “الجهاد” ثم نشرة “لهيب المعركة” ليصير بمرور الوقت بمنزلة “الأب الروحي” للمقاتلين العرب، حيث تأثروا به شديدا، بمن فيهم أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة فيما بعد، سواء من خلال التعامل معه مباشرة أو قراءة بعض مؤلفاته، خصوصا “الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان”، و” آيات الرحمن في جهاد الأفغان”.

كان عزام هو “العربي الأفغاني الأول”، والذي صار بمبادرته وقدراته همزة الوصل، بين العرب في بلدانهم والمهجر وبين القضية الأفغانية، ساعده في هذا قدراته الخطابية التي كان يقتبس فيها آيات قرآنية وأحاديث منسوبة للنبي محمد (عليه الصلاة والسلام) وأبيات شعر حماسي، وقصص تاريخية، وأخرى كان يلتقط أولها من الجهاد الأفغاني، ويضيف إليها من عنده، فتصبح أساطير، يتم تسويقها في شكل كرامات.

وكان عزام حلقة وصل بين المجاهدين الأفغان والمقاتلين العرب من الإسلاميين أو المتعاطفين معهم، وقد أشرف على عمليات واسعة في تقديم الخدمات ومختلف المساعدات للمقاتلين القادمين من البلدان العربية إلى أفغانستان، وخاض معارك كثيرة ضد الروس، كان من أشدها وأشرسها معركة جاجي في شهر رمضان المبارك عام 1408 هـ- 1987 م، وكان في معيته عدد من الشباب العرب الذين أبلوا البلاء الأحسن وسقط منهم شهداء.

والفيلم الوثائقي هذا يعيد رسم مسار عزام؛ لينأى به عن الغلو والتشدد القاتم، ويعيد زرعه في سياق مختلف، يسهم في تعويمه عربيا وإسلاميا بشكل آخر، وبمدى أوسع كثيرا من “الجهاد الأفغاني”، حين يأتي على ذكر دعوته إلى تحويل هدف الجهاد من أفغانستان إلى فلسطين، حيث توجد قضية العرب المركزية، متناقضا في هذا مع كثير من التنظيمات المتشددة التي رأت أن الأولوية هي إسقاط الأنظمة العربية الحاكمة.

ويتم تقديم عزام كلغز غامض في تاريخ “الحركة الجهادية” ليصبح هو في حد ذاته سببا للتحشيد، ليس فقط من خلال أفكاره، وارتباطه بالقضية الفلسطينية، إنما أيضا طريقة موته. فحتى اليوم لا يعرف أحد من قتله، فقد توزعت الاتهامات بين القاعدة وفصيل أفغاني ومخابرات دول، هي إسرائيل والاتحاد السوفيتي المنهار والولايات المتحدة الأمريكية وباكستان وأفغانستان.
لم يخرج الفيلم بالطبع عن الصورة التي تم رسمها لعزام، على أنه كان موضع ثقة واحترام من القادة الأفغان، محبوبا من الشباب، وكان مؤمنا بالجهاد كقضية، ومبدأ لا تنازل عنه، ويرى أنه الطريق الوحيد لنصرة الدين، رافضا القعود، تحت أي سبب.

ويتمثل الجهد الاستقصائي لياسر أبو هلالة في الحرب الأفغانية بالأساس في فيلم وثائقي عنوانه “أول الأفغان العرب”، بثته “قناة الجزيرة”، يسرد حياة عبد الله عزام، لكنه في الوقت نفسه يمثل دعاية قوية، ليس لبطل هذا الفيلم، إنما أيضا للمسار الذي مضى فيه وهو “الجهاد”، ما يجعل هذا العمل أشبه بتوظيف لتجربة ذاتية، مضت في سياق يراد استعادته أو استعماله في خدمة سياقات أخرى جديدة.

فالفيلم يبدأ بالإشارة إلى مشاركة جماعة الإخوان في حرب 1948، ويربط بين اغتيال مؤسسها حسن البنا وبين هذه المشاركة، وهو ما لا يتفق عليه مؤرخون، ثم ينتقل سريعا إلى هزيمة 1967؛ ليجعل منها نقطة الانطلاق لتفكير عزام في الجهاد، بما تركته في ذاكرته من مرارة، وهو يرى الدبابات الإسرائيلية، تتقدم في طريق من أمام قريته، دون أن يطلق أحد عليها طلقة واحدة. وكيف فكر هو ورفاقه من الأطفال في التصدي لها، لكن رجلا كبيرا نصحهم بالابتعاد، حتى لا تدهسهم. ثم يبين الفيلم، كيف أن عزام أعطى القضية الفلسطينية اهتماما أثناء حرب الاستنزاف.

ويتعدى الفيلم التعبئة حول مسألة “الجهاد” ليطلق دعاية لأيديولوجية “الإسلام السياسي”، حيث اعتبر أن هزيمة يونيو كانت هزيمة للأنظمة القومية، التي همشت التيار الديني، ثم ينتقد سيطرة الاتجاه القومي والماركسي على النضال الفلسطيني، وكيف أن هذا حال دون أن يجد عزام مكانا له في صفوف المقاومة، وكيف فكر في ترك هؤلاء حين سأل أحدهم: ما هو دين حركة فتح؟ فأجابه: فتح لا دين لها، وبالطبع فإن المجيب كان يقصد أن النضال الفلسطيني مفتوح لمسلميهم ومسيحييهم معا، لكن الفيلم وظف هذا ليشي بعداء مزعوم للدين من المقاومين، ثم يبرر انسلاخ عزام عنهم، ليذهب في طريقه، ويقول عنه “كان يوميا يطلب الشهادة”.

ويقدم الفيلم عزام، على أنه “العالِم الذي يعيش داخل شخصية المقاتل”، وأنه “وديع لطيف لين لكن حين تداس حرمات الإسلام ينقلب أسدا”، وأنه فضل ميدان القتال على التدريس، لأنه كان يرى أن الجهاد ضرورة، ثم ينقل عن عزام نفسه قوله أمام مقاتلين:

“أيها الأخوة، أنا كنت أستاذا في الجامعة، وأسكن بجانب الحرم في مكة، ولكن يعلم الله أن أمثال هذه الوقفات أحب إلى من الحياة في مكة سنوات”، ثم يخدم كاتب الفيلم هذا المسار، ويعززه، حين يتحدث عن انضمام عزام لهيئة التدريس في الجامعة الإسلامية العالمية في باكستان، فيقول: “لكن المقاتل ظل في شخصيته، كان يبحث عن شوق قديم”. وفي هذا يقدمه أيضا كرائد في مسار، باعتباره “أول الأفغان العرب” فيقول: “آلاف من بعده يترسمون خطاه، تاركين الوطن والأهل؛ ليبنوا وطنا جديدا من لبنات التضحية والفداء والشهادة”.

يقول أبو هلالة على حسابه في تويتر: “في فيلمي (أول الأفغان العرب) فيديوهات لمؤتمرات دعم الجهاد في قلب أمريكا، وهذا لا يعني أن تضحيات الشعب الأفغاني ومن ناصره كانت عمالة”، وفي الفيلم نفسه، يبين على لسان الرئيس الأفغاني الراحل برهان الدين رباني، أن عزام كان له دور في التعريف بالوضع في أفغانستان في الدول الإسلامية وغير الإسلامية، لينتقل بعدها إلى الراوي ليحدثنا كيف كان عزام يتجول في بلاد عدة دون انقطاع، يلقي محاضرات لحشد الدعم للمجاهدين الأفغان.

وربما كان عزام بتجواله هذا، وهو قادم من ميدان معارك يعرفها جيدا، أشبه بصحفي استقصائي، لديه الكثير من المعلومات والقصص والخبرات التي يوظفها في تحشيد الشباب العربي لمناصرة القضية الأفغانية وقتها، باعتبارها قضية المسلمين جميعا.

في الختام، أقول إن هذه الدراسة قد مضت في درب وعر، يتمثل فيما فعله شق من الإعلام العربي في سبيل تجنيد متطرفين؛ ليصيروا مقاتلين أو مجاهدين أو حتى مجرد أناس راغبين في الانتماء إلى شيء أو فكرة أو كيان، يأخذهم من الفراغ إلى الامتلاء، وإن كان مجرد فراغ جديد، متمثلا في كل ما يُلقي من أفكار خاطئة، لا تناسب زماننا في مسار بحث هؤلاء عن مخرج، مما آلت إليه الأمة الإسلامية.

لم نهتم في هذا المقام بقضية الفراغ تلك، إنما انشغلنا بتوظيف الصحافة الاستقصائية في صناعة أشكال من الدعايات التي ألقيت في مجرى الحياة السياسية والاجتماعية العربية أيام الحرب الأفغانية التي تركز صراعها الأساسي في العقد التاسع من القرن العشرين، وهي دعايات رمت إلى إلهاب عاطفة الشباب وحشدهم، ثم دفعهم إلى ميادين القتال، فوقتها سنحت فرصة ذهبية للجماعات والتنظيمات الدينية السياسية؛ لتعزز تواجدها هنا في المجتمعات العربية، بقدر ما تحتشد هناك في القتال ضد السوفيت، فتصنع أخبارا تتوالى عبر الساعات، تعرضها الإذاعات والشاشات الزرقاء، وتنشرها الصحف والمجلات، وتتناقلها الألسنة على المنابر وفي الساحات، وصولا إلى المكاتب والأسواق والبيوت.

وقد رأينا من خلال تجربتين، تم عرضهما في هذا المقام، كيف تم استخدام التجربة الأفغانية وقت جريانها للتحشيد للحرب، وبعدها بسنوات في التحشيد بالحرب، في سبيل بلوغ غايات سياسية تنتصر في مجملها للتيار الديني السياسي، بغض النظر عن مآل تجربة “الجهاد الأفغاني” التي منيت بفشل ذريع، نظرا لدخول الذين قاوموا الاحتلال السوفيتي في صراع غارق في الدم على السلطة.

إن كثيرا من الصحفيين المنتمين للتيار الديني قد استعملوا التجربة الأفغانية مرتين، الأولى أيام أن كانت تجري ملء السمع والبصر، والثانية أيام انتهائها في فشل واضح، أريد التعمية عليه، كي تؤدي في الحالتين دورها المطلوب لتعزيز مسار الإسلام السياسي، ففي الأولى كانت للقتال في ثوب “الجهاد”، والثانية كانت لاستدعاء تجربة غاربة في سبيل تعزيز دور سياسي لتيار ديني إسلامي، يدرك قادته، بل أفراده، أن التجربة الأفغانية كانت فرصة كبيرة للتعبئة والحشد، وأن كل ما جاء بعدها لم يكن له القدرة نفسها على تحقيق هذا الهدف، بصناعة مشاهد مختلفة، وتجربة مفارقة، سواء كانت هي كذلك في حد ذاتها، أم أن الدعايات التي قدمت في ثوب “استقصاء” شكلي، قد صنعت لها هذا.

اقرأ أيضا:

الإعلام التعبوي لدى التيار السياسي الإسلامي.. قديم متجدد (1 ـ 4)

الإعلام التعبوي لدى التيار السياسي الإسلامي.. قديم متجدد (2 ـ 4)

الإعلام التعبوي لدى التيار السياسي الإسلامي.. قديم متجدد (3ـ 4)