لم تعد الممرات الاستراتيجية مجرّد خطوط عبور للتجارة والطاقة، بل تحوّلت إلى أدوات ضغط جيو سياسي، تُدار بمنطق المخاطر لا بمنطق الإغلاق.

وفي النظام الدولي الراهن، لا تُغلق الطرق، لكنها تُفقد استقرارها، ولا تُعلن المواجهات، لكنها كما يحدث لجزيرة جرينلاند في القطب الشمالي، تواجه تهديدا.

هذا التحوّل أصاب في العمق الممرات، التي قامت عليها العولمة، على أن تكون الأجواء مفتوحة، والبحر فضاءً محايدًا، والبر أيضا، لكنها لم تعد كذلك، في حالة الحرب، وفقدت كونها مجالًا سياديًا خاضعًا للدول، ويعاد هندستها، وفق معادلة إبقاء الحركة قائمة، لكن بكلفة سياسية وأمنية وإنسانية متصاعدة.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما يجري في السودان، وتشاد، وليبيا بوصفه أزمات منفصلة، بل باعتبارها أجزاء من مشهد واحد، تُعاد فيه كتابة وظيفة الجغرافيا، وتتحوّل الدول الهشة من كيانات سيادية إلى محاور عبور.

الممرات في الدول الثلاث تعمل، لكن تحت الضغط، وأنشطة التجارة تستمر، لكن في مناخ من عدم يقين، وأكثر هشاشة، وتحول الطرق إلى وظائف تهريب البشر والسلاح والبضائع.

الممرات: من السيطرة إلى إدارة الاضطراب

مع دخول النزاع السوداني عامه الرابع، لا تزال خطوط الطيران تتجنب الأجواء السودانية، الرحلات من القاهرة إلى إفريقيا تتجه شمالًا أو نحو جدة، بينما القادمون من أوروبا يسلكون نفس الطريق، أو يمرون عبر جنوب السودان وتشاد وليبيا، ما يزيد الوقت ساعتين، ويرفع تكاليف السفر وأسعار التذاكر.

أهمية الأجواء السودانية للطيران العالمي واضحة: في 2020، طلب الجنرال عبد الفتاح البرهان من رئيس وزراء إسرائيل السماح لرحلات “العال” بالعبور؛ لتقليل زمن الوصول إلى أمريكا الجنوبية وإفريقيا.

حين يتراجع البحر يتقدّم البر

بات البحر الأحمر عمليًا فضاء أمنيا، تتداخل فيه التهديدات، غير النظامية، مع الحضور العسكري الدولي، مع هذا المشهد، لم يعد مرور السفن قرارًا اقتصاديًا بحتا، بل حسابًا أمنيًا معقدًا: يشمل كلفة التأمين، وزمن الشحن، واحتمالات التعطيل، والمخاطر، كل هذا يبقي المسار البحري في حالة توتر مستمرة.

ومع تصاعد المخاطر الجوية والبحرية، تستمر التجارة وحركة البشر عبر طرق بديلة، هي الممرات البرية، وإن كانت ليست آمنة، لكنها ممكنة في عالم تقلصت فه الخيارات.

الممرات البرية أقل خضوعًا للرقابة الدولية، وأكثر قابلية للاختراق والعسكرة، خصوصًا في دول تعاني من الضعف، أو تشهد نزاعات مسلحة، وفيها يتحوّل البر إلى محور قابل للاختراق والعسكرة، ويصبح مركز ثقل في حركة التجارة وتهريب البضائع والبشر أيضا.

السودان.. دولة في موقع الممر يعصف بها الصراع

يقع السودان في قلب شبكة عبور برّية، تربط بين شمال إفريقيا وعمقها، والساحل الإفريقي بالبحر الأحمر، تاريخيًا، لعبت طرق السودان دورًا اقتصاديًا واجتماعيًا عابرًا للحدود، تحت حدّ أدنى من السيطرة المركزية.

غير أن الحرب التي اندلعت في إبريل 2023 قلبت هذا الدور، لم تعد الدولة هي من يدير بعض المعابر، بل أطراف مسلحة، وشبكات تهريب، واقتصاد حرب تشكّل بسرعة على أنقاض المؤسسات.

في هذا الواقع تحوّلت المعابر إلى موارد، أصبحت الطرق أدوات نفوذ، لم تعد الفوضى خللًا طارئًا، بل عامل تشغيل الممرات، وزادت أهميتها، مع دول الجوار.

معابر السودان الغربية.. تشاد عقدة برية

على امتداد الحدود السودانية– التشادية، أصبحت المعابر نقاط ومساحات سيولة، تختلط فيها التجارة بالنزوح، والعسكرة بالتهريب، وأصبح الإنسان نفسه جزءًا من اقتصاد العبور، لا مجرد ضحية جانبية لها.

تبرز تشاد بوصفها الحلقة الأكثر حساسية والأقل حديثًا. تشاد ليست مجرد دولة جوار للسودان، بل مفصلا برّيا استراتيجيا في شبكة طرق غير نظامية تربط بين السودان وليبيا، ودول الساحل ووسط إفريقيا.

ضعف الرقابة، واتساع الجغرافيا، وتداخل الحدود القبلية، جعل من تشاد مساحة مثالية لعبور السلاح والبشر والوقود، بعيدًا عن أعين الرقابة، في هذا السياق، يبرز مطار (أم جرس) شرقا، والذي ورد اسمه في تقارير وتحقيقات إعلامية ودولية، باعتباره نقطة استقبال محتملة لشحنات لوجستية وعسكرية، يُعتقد أنها وُجّهت لقوات الدعم السريع خلال صراعها مع الجيش.

ورغم غياب الإقرارات الرسمية، فإن تكرار الإشارات، وطبيعة الرحلات غير التجارية، يفتح باب التساؤلات حول وظيفة المطار الفعلية في معادلة الحرب.

الأهم من المطار ذاته هو شبكة الطرق البرية الممتدة من شرق تشاد عبر دارفور، وصولًا إلى الجنوب الليبي، هذه الطرق لم تعد مسارات تهريب تقليدية، بل شرايين نشطة لاقتصاد الحرب، تُستخدم لنقل السلاح جنوبًا وشرقًا، والبشر شمالًا نحو المتوسط.

وتكمن الأهمية، أن تشاد تمثل دور الدوار المروري (الصينية) التي تنطلق منها شبكة الطرق القارية إلى عدد من الدول الإفريقية، إضافة إلى السودان وليبيا، فإنها تصل الطرق إلى الكاميرون ونيجيريا والنيجر وإفريقيا الوسطى.

تبدو تشاد هنا، تؤدي دور «الدولة العازلة» ظاهريًا، لكنها عمليًا تحوّلت إلى منطقة امتصاص ضغط، تُدار فوق أراضيها صراعات، لا تملك أدوات التحكم فيها، وتُستخدم أراضيها كبديل عن الممرات البحرية، وعبرها تحولت منتجات المناطق الخاضعة لقوات الدعم السريع مثل الذهب والمواشي والصمغ العربي إلى أماكن التصدير المستهدفة.

ليبيا.. الفوضى التي تنظّم الطريق

كما السودان وتشاد، لا يمكن فهم ليبيا خارج موقعها كبوابة برية وبحرية نحو المتوسط منذ 2011، حيث لم تؤدِّ الفوضى إلى إغلاق الطرق، بل إلى إعادة تنظيمها خارج إطار الدولة.

الجنوب الليبي تحوّل إلى عقدة عبور مركزية للهجرة غير النظامية لتهريب البشر، ولتدفقات السلاح القادمة من العمق الإفريقي، هنا لا تعني الفوضى غياب النظام، بل حضور نظام موازٍ، تديره شبكات مسلحة ومجموعات محلية.

اقتصاد العبور القسري.. تهريب السلاح والبشر

أحد أخطر نتائج انتقال الضغط من البحر إلى البر هو تحوّل الممرات البرية الإفريقية إلى مسارات منظمة لتهريب البشر، تمتد هذه المسارات من دول الساحل، عبر تشاد والسودان، وصولًا إلى ليبيا، حيث يتجه الراغبون في الهجرة إلى عبورها إلى البحر الأبيض المتوسط.

 في هذا المسار تتحول الصحراء إلى مرحلة أولى من الابتزاز والفرز، ُيستخدم السودان كمنطقة عبور للمهاجرين، اما السلاح وما في حكمه، فكانت الحدود الليبية معبرا له، وقد استخدمته قوات الدعم السريع خلال الحرب، لكن تدخلات إقليمية قطعت الطريق على تدفقه.

تهريب السلاح والبشر هنا ليس نشاطًا إجراميًا هامشيًا، بل اقتصادًا متكاملًا، يستفيد من انهيار الدولة، ويموّل أطرافًا مسلحة، ويغذّي الصراعات المحلية.

طرق مفتوحة… ومنطقة مضطربة

مع تزامن مخاطر الأجواء وعسكرة البحار، وانفجار النزاعات في دول العبور البرية، يصبح من الصعب التعامل مع المشهد بوصفه سلسلة أزمات منفصلة، الأرجح أن العالم يشهد إعادة توزيع للمخاطر، الأجواء يعاد توزيع ممراتها، البحر يعمل تحت التهديد، بينما حالة البر في فوضى، والإنسان يدفع الكلفة.

في النظام الدولي الراهن، لم تعد الممرات مجرد جغرافيا، بل أدوات لإدارة الصراع، السودان، وتشاد، وليبيا ليست استثناءات، بل نموذجا لدول تحوّلت من كيانات سيادية إلى مساحات عبور.

وما لم يُعاد النظر إلى الممرات بوصفها قضية سيادة وإنسانية معًا، فإن الطرق التي ربطت العالم قد تتحوّل نهائيًا إلى مسارات استنزاف، لا جسور تواصل.