يمثل الكشف عن معسكر تدريب لقوات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية، نشرته وكالة رويترز في 10 فبراير 2026، مؤشراً على تحول في الدور الإثيوبي من الوساطة الدبلوماسية نظريا إلى تقديم دعم لوجستي للميليشيا، بما يعكس تغيراً شبه علني في موقع أديس أبابا ضمن توازنات القوة، ويعزز صورتها التي رسمتها تاريخيا من التدخل في الصراعات الجيو سياسية بالقرن الإفريقي.
ويشير هذا التطور إلى اصطفاف متزايد مع الإمارات، في مواجهة جيش السودان، دون مواربة، وإن كان متوقعا، لكنه نقل فرضية وجود تنسيق بين الطرفين إلى الواقع، مع ظهور مؤشرات ميدانية عليه، وفى توقيت متزامن مع رجاحة كفة الجيش السوداني، وقدرته في صد هجمات الميليشيا على كردفان، ومنع تقدمها، وأيضا سيطرته على الخرطوم في مارس 2025.

تضييق الخناق على طرق الإمداد التقليدية لهذه القوات، وسد الثغرات بين السودان وتشاد غربا، وليبيا شمالا، وهنا برزت الحاجة إلى شريان لوجستي جديد، فتدخلت أديس أبابا لتوفيره، لتعويض نقص الإمدادات شرقاً، بما قد يطيل أمد الحرب، وقد يفتح جبهة جديدة مستقبلا
معسكر حي مينجي: قاعدة أمامية لإثيوبيا

وقائع ميدانية وقدرات لوجستية:
يقع المعسكر في حي مينجي (Menge) على بعد 101 كم فقط من سد النهضة، مما يجعله تحت مظلة الحماية الأمنية المباشرة للمنشآت الاستراتيجية، ويوفر في الوقت ذاته وصولاً سهلاً لولاية النيل الأزرق.
بدا تأسيس مركز التدريب في إبريل 2025، وشهد توسعا في أكتوبر 2025، وبحلول يناير 2026، أكدت الوثائق المسربة وجود 4300 مقاتل من الدعم السريع، يتلقون تدريبات متقدمة، مع قدرة استيعابية مستهدفة تصل إلى 10,000 مقاتل.
بالقرب من المعسكر (23 كيلو) جرى تطوير مطار ليشمل بناء حظائر طائرات ومحطات تحكم أرضية ومعدات لدعم الطائرات المسيرة، وهذا التجهيز يطابق مواصفات قاعدتين أخريتين للمسيرات في إثيوبيا، ما يعني إمكانية توفير دعم لطائرات مسيرة تستخدم في عمليات هجومية .
الأدلة على أنشطة المعسكر
رصدت الأقمار الصناعية أكثر من 640 خيمة عسكرية وحاويات شحن مصطفة في يناير 2026، هذا بجانب البرقيات الدبلوماسية والمذكرات الأمنية، حيث جرى الكشف عن برقية دبلوماسية تعود إلى نوفمبر 2025، ومذكرة داخلية من أجهزة الأمن الإثيوبية، أن الجنرال “جيتاتشو جودينا“، رئيس الاستخبارات هو المشرف المباشر على هذا المشروع.
كما رصدت قافلة من 56 شاحنة في 17 نوفمبر 2025، تبعتها قافلة من 70 شاحنة تنقل مقاتلين بزي عسكري نحو هذه المنشأة.

قيادات القوات الجوية والدفاع الجوي وقيادة الطيران المشترك تشاركان في احتفالات الذكري الـ 90 للقوات الجوية الإثيوبية
شبكة التمويل واقتصاد الحرب
يعمل المعسكر ضمن منظومة “التمويل العابر للحدود” التي تربط أبوظبي بأديس أبابا، فعلى الرغم من النفي الرسمي الإماراتي، إلا أن الحقائق الميدانية تشير إلى شبكة معقدة من الدعم، حيث رصدت شاحنات تابعة لشركة إماراتية: هي جوريكا جروب Goreca Group- وهي تنقل المعدات والآلات الثقيلة عبر بلدة أصوصا نحو مركز التدريب، مما يضرب سياسة الإنكار التي تتبعها أبوظبي.
كشف تقرير رويترز، نقلاً عن ثمانية مصادر، بينها مسئول إثيوبي رفيع، أن الإمارات مولت إنشاء نقطة التمركز العسكري، وقدمت مدربين ودعماً لوجستياً، كما أكدت مذكرة أمنية إثيوبية وبرقية دبلوماسية هذا التقييم، مما يعزز فرضية وجود دعم خارجي منظم.
يتضح هنا، جانب من اقتصاد الحرب، الإسناد الإماراتي لإثيوبيا، عبر منح واستثمارات، من جانب آخر، تعد أبوظبي أكبر مشترٍ للذهب الذي تسيطر علي قطاع منه الميليشيا، هذا يوضح دورة اقتصادية، تقدم فيها الدولة الإثيوبية معسكرا للتدريب، مع أموال إماراتية.
يلتقي ذلك مع عقيدة أديس أبابا في تحقيق النفوذ، وهي بدعمها الميليشيا في مواجهة الجيش، لديها دوافع منها كسب وكيل محلي، والضغط في ملفات الحدود وسد النهضة، وإضعاف التعاون (السوداني- المصري) والمراوغة ما بين العلاقة مع الدولة السودانية والميليشيا، والقوى السياسية السودانية المصطفة مع حميدتي زعيم الميليشيا.
هجمات شرق السودان
في ديسمبر 2025، كشفت مصادر حكومية سودانية عن تحسبات لفتح جبهة عسكرية جديدة في شرق البلاد، عقب سماح إثيوبيا بإنشاء معسكر لتدريب عناصر تابعة لقوات الدعم السريع إلى جانب مرتزقة أجانب، في إطار الاستعداد لشن عمليات باتجاه إقليم النيل الأزرق المحاذي للحدود الإثيوبية.
وأشارت المصادر إلى وجود تنسيق عسكري بين السلطات الإثيوبية، وهذه القوات عبر وسطاء إقليميين، تضمن الاتفاق على تأمين خطوط إمداد، وإنشاء منشآت تدريب، وتجهيز مهابط طائرات، فضلاً عن تدفق مركبات قتالية ومنظومات مدفعية وأجهزة تشويش عبر مدينة أصوصا، عاصمة إقليم بني شنقول، المجاورة لإقليم النيل الأزرق.
في هذا السياق، تحولت المنطقة تدريجياً إلى مركز نشاط عسكري ذي طابع إقليمي، مع رصد مشاركة مقاتلين من جنوب السودان، إلى جانب عناصر من الحركة الشعبية– شمال (جناح عبد العزيز الحلو)، التي أعلنت تحالفها رسمياً مع هذه القوة في فبراير 2025.
ويعكس هذا التطور جانباً من التحولات الميدانية، إذ شنت القوات المتحالفة في منتصف يناير، هجمات على عدة مواقع داخل النيل الأزرق، بالتزامن مع تقارير عن تعزيزات دفع بها الجيش السوداني إلى المنطقة، التي تبعد نحو 90 كيلو متراً عن مدينة الدمازين، الواقعة على مسافة 100 كيلو متر من الحدود الإثيوبية.
حضور التوترات الحدودية
مع الإعلان عن المعسكر، الذى يمثل” أول دليل مباشر على انخراط إثيوبيا في الحرب” تصبح المناطق الحدودية قاعدة خلفية لإعادة تجميع القوات وإدارة حرب الوكالة.
وكانت مناطق الفشقة التي يقطنها حاليا بعض المزارعين الإثيوبيين، موضوعا للنزاع الدائم، بدا في 1905 عندما وقعت معاهدة ترسيم الحدود، وعبر سنوات تسللوا إليها وتوغلوا فيها بشكل متدرج، وتكون مع هذا الوجود ميليشيات إثيوبية في المنطقة، تتهمهم السودان منذ الخمسينات، بشن هجمات متكررة بهدف إخلاء الشريط الحدودي، ويعد باحثون هذا الصراع دال على المطامع الإثيوبية، وليس مشكلة ترتبط بمزارعين على الحدود.
بعد سنوات من الأزمة، وفي العام 2008، جرت تسوية دبلوماسية، بناء على مفاوضات بين الجانبين، اعترفت إثيوبيا بالحدود القانونية للمنطقة، وسمحت السودان للإثيوبيين بالاستمرار في العيش والزراعة هناك.
هذا الوضع لم يمنع التحشيد العسكري في سنوات لاحقة، وخلال شهر مارس 2020، توغل الجيش السوداني في المنطقة، وخلال عام بسط سيطرته على 90% من أراضيها، وحقق مكاسب ميدانية، لكن أصواتا دعت للانتباه، وعدم التقليل من مخاطر السياسات الإثيوبية المحتملة للرد على تحركات السودان العسكرية، واليوم أصبحت بؤرة لنزاع جديد، في ظل الحرب الأهلية.
إدارة الفوضى واستراتيجية المنطقة الرمادية
ما تفعله إثيوبيا في السودان اليوم، يتصل بتاريخها ونمط تصدير عدم الاستقرار الذي مارسته في القرن الإفريقي، حيث تعتمد خطاباً مزدوجاً، تعلن في تصريحات دبلوماسية، التمسك بمبادرات الوساطة عبر إيجاد، بينما ميدانياً تستخدم الجهات الفاعلة من غير الدول كأدوات ضغط جيو سياسية لضمان تفوقها الإقليمي، دون التورط في مواجهة عسكرية مباشرة ومكلفة، وهي تشبه نمط الحروب الرمادية.
إن وجود معسكر تدريب متكامل في “مينجي” يعني أن أديس أبابا اختارت الانحياز لأحد أطراف الصراع، والإعلان عن ذلك، وأنها لم تعد تراهن على الحلول السياسية التي تقودها الأطراف الإقليمية، أو تعطي اعتبارات كبيرة لردود الفعل.
التداعيات المحتملة
تشير المعطيات الحالية إلى تزايد احتمالات تحول شرق السودان إلى جبهة استنزاف مع تصاعد العمليات العسكرية المرتبطة بفتح ممرات إمداد جديدة عبر الحدود الإثيوبية، ما يطيل أمد المواجهة، ليس فقط عبر تعزيز القدرات العملياتية لقوات الدعم السريع، بل أيضاً عبر خلق بيئة أمنية غير مستقرة على الشريط الحدودي الممتد، والذي يمثل فرصة لحركات مسلحة، قائمة أو أخرى تتكون مستقبلا، في استغلال حالة السيولة الأمنية.
على المستوى الإقليمي، يعكس هذا التطور انتقال الحرب السودانية تدريجياً من إطارها الداخلي إلى نمط صراع إقليمي، تتزايد فيه أدوار الفاعلين الخارجيين عبر أدوات الحرب بالوكالة، بهدف إعادة تشكيل توازنات النفوذ في القرن الإفريقي.
ويؤشر هذا التحول إلى تغير في طبيعة الحرب، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على توازن القوى داخل السودان، بل أصبحت مرتبطة بشبكات دعم عابرة للحدود، قادرة على إعادة إنتاج الأزمة.
في هذا السياق، يرجح أن يؤدي استمرار تدفق الأمدادات عبر الجبهة الشرقية إلى تقليص احتمالات الحسم العسكري في المدى القصير، رغم النجاحات التي حققها الجيش السوداني في احتواء تمدد المليشيا في الوسط والجنوب، لكن وجود عمق لوجستي، ودعم خارجي يعزز قدراتها على إعادة التموضع، كما الانتقال من الوسط إلى الشرق، وعموما الاستمرار في القتال، وإن كان وجود المعسكر لا يعني قدرة الميليشيا على الحسم، لكن يظل أداة ضغط وإرباك في جبهة الشرق، يؤخر احتمالية انهيارها عسكريا.
هذا يعزز فرضية بقاء المواجهة، وتحولها إلى حرب استنزاف للجيش السوداني، دون حسم في المنظور القريب، يكسر هذا الافتراض، حدوث تدخلات إقليمية وازنة، تمثل تصعيدا، يمنع تدفق السلاح إلى الميليشيا، ويعزز قدرة الجيش على المواجهة، مما يؤهل الوضع لتسوية تنهي الحرب.






