بعد ثورات الربيع العربي سادت بعض الأفكار غير المدروسة، والتي لا سند لها من التاريخ الصحيح، من ذلك مثلاً، أن انهيار مصر بدأ بعد ثورة 23 يوليو 1952، وأن ما قبل قيامها كان مثالياً في كل شيء: عاصمة جميلة، ومناظر خلابة، وسيدات حسنة المظهر، إلى آخره، كذلك سادت وتسود فكرة مثالية عن الحرية للحرية ضد فكرة مثالية أيضاً، وإن مثالية سلبية عن الاستبداد والمستبدين وعن الطغيان والطغاة، كثيرون من أجيال مختلفة يُفنون أوقاتهم على السوشيال ميديا كجنود مخلصين من أجل حرية هائمة، أو عائمة ضد استبداد في كل مكان أو طغيان في كل زمان، في كلتا الحالتين نحن أمام رغبة جماعية عارمة في التحليق في فضاءات مثالية: ليس لها أرض تدوس عليها، وليس لها سقف تنتهي عنده، ساعد على هذه المثالية الهائمة هلامية الفضاء الإليكتروني الذي فتح الأبواب أمام كل من يجيد القراءة والكتابة، أن يكتب ويدون ويدلي برأي مقروء في الشؤون العامة بغض النظر عما في هذا الرأي مما قل أو كثر من العلم أو الفهم أو المعرفة الصحيحة، الجميع على السوشيال ميديا مثاليون أبناء مثاليين وأحفاد مثاليين، مثاليون أباً عن جد، مثاليون كابراً عن كابر، وُلِدوا لأبوين ديمقراطيين، وانحدروا من أصلاب أجداد ديمقراطيين، عشاق للديمقراطية، عشاق للحرية، بها يحلمون، ولها ينتظرون، وعنها يدافعون، ثوار أحرار يستكملون المشوار، ملاحم بكائية كربلائية حزينة في تشييع جنازة أبدية للحرية المقتولة، هذه الحالة السائبة غير الممسوكة وغير الملجومة ليست أكثر من جهد ضائع، ومشاعر تتسرب في الرمال وأوقات تضيع وراء السراب وأعمار تفنى في غير طائل، طالما بقيت تطرح مسألة الحرية هكذا مع نفسها، مجتزأة من شقيقتها في المعادلة الواحدة وهي السلطة، المعادلة الطبيعية لها طرفان: طرفها الأول هو السلطة، ثم طرفها الثاني هو الحرية، وتاريخ الإنسان المتحضر في العشرة آلاف عام الأخيرة من تاريخ الإنسان العاقل كان وما زال يدور حول نقطتين:

1 – النقطة الأولى هي السلطة: أي خلق سلطة عامة تشغل الفراغ الذي تتحرك فيه الفوضى، ثم تُنهي الفوضى التي يتبادل فيها الناس العدوان ضد بعضهم البعض، ثم توقف هذه العدوان الذي يهدد أمان الجميع، ويحول الحياة إلى جحيم، ثم يضع القواعد الملزمة، والتي يُعاقَبُ من يخرج عليها ، لحفظ الأمن العام بصورة كاملة، ثم لحفظ الاستقرار الجماعي بشكل دائم، والأهم من كل ذلك، هو أن تتشكل هذه السلطة من داخل الجماعة، ثم تنال رضاها، ثم تحصل السلطة على حق الطاعة أو الانصياع من الجميع، الطاعة طوعاً، أو الانصياع قسراً ثم قهراً ثم جبراً، ثم تكفل السلطة لنفسها أمرين: الاستمرار دون انقطاع حتى لا يكون البديل هو الفوضى، وتكون عاقبة الفوضى هي عودة عدوان الجميع ضد الجميع ومن ثم تهديد أمن الجميع، ثم الأمر الثاني هو أن تكفل السلطة لنفسها القدرة على فرض كلمتها على الجميع دون استثناء، فلو نجحت السلطة في ذلك يكون المجتمع كله قد بدأ يتحول إلى مجتمع سياسي منظم، وهذا المجتمع السياسي المنظم لم يتكون بين يوم وليلة، إنما استغرق آلاف السنين حتى تبلور ثم استقر.

2 – النقطة الثانية هي الحرية: ووجودها تال وتابع ومسبوق ومشروط بوجود السلطة، أي بوجود مجتمع سياسي منظم مستقر له رأس وله قواعد وتحكمه أعراف مُطاعة وتقاليد مرعية وأوامر نافذة ونواهي مسموعة، فغير وارد أي حديث عن الحرية إلا في وجود السلطة التي تخلق المجتمع السياسي المنظم، الحقيقة التاريخية هي: توجد الحرية حيث توجد السلطة، ولا يمكن القول: توجد السلطة حيث توجد الحرية، فالحرية دون سلطة تسبقها وتمهد لها الطريق هي عدم محض، وبهذا المعنى فإن الحرية ليست أكثر من بعض ثمرات السلطة الناجحة، عندما تنجح السلطة على مدى زمني طويل في إنتاج مجتمع سياسي منظم، فإنها تفتتح الطريق لبناء مجتمع مستقر متحضر، يتولى إنتاج منظومة معايير وقيم وأخلاق وقوانين، وما هو حلال وحرام، وما هو مقبول ومرفوض، وماهو معقول وما هو عبث إلى آخره، وبالضرورة فإن المجتمع السياسي المنظم هو من ينتج الحرية وفيه تنتج الحرية كافة آثارها في تقدم الإنسان ونمو عقله وتهذيب ضميره ورهافة مشاعره وذائقته، أعظم ما أنتجه الإنسان في عشرة آلاف عام الأخيرة من تاريخه هي فكرة السلطة وإليها يُرَدَُ تفسير بقاء الإنسان رغم ما اعترض وجوده من مخاطر طبيعية، كانت كفيلة بتسليمه للاندثار والزوال، السلطة كانت وما زالت هي صلب الوجود الإنساني، هي حافظته، هي حاميتُه، هي ضامنةُ بقائه، هي عمود الخيمة، هي وتد الخيمة، بدون هذا العمود وبدون ذاك الوتد، فإن الريح تعصف بالخيمة، وتلقي بها أشلاء ممزقة في كل أفق، وفي كل طريق، لكن حتى تفرض السطةُ نفسها، وحتى تستقر، وحتى تنال الاعتراف من الجميع طوعاً أو كرهاً، فلم يخطر على بالها شيء اسمه الحرية، كل ما يجول في بالها هو فرض الأمان عنوةً، ثم فرض الاستقرار عسفاً، لهذا داست السلطة آلاف السنين على نوازع الحرية في أعماق البشر، فالخالق جل في عُلاه خلق الناس- بالطبيعة والفطرة والغريزة- أحراراً متساوين الكرامة والآدمية، لكن السلطة اعتسفت تلك الطبيعة، ورفعت الحكام آلهةً وجعلت الناس عبيداً، من هنا نشأت فكرة الصراع من أجل الحرية والكرامة والمساواة، فالحكام بشر مثل كل البشر، فكيف باعتلائهم سدة السلطة يصبحون آلهةً، ويطلبون من الناس التسليم لهم بذلك، بل يطلبون من الناس، أن يكونوا عبيداً لهم مع الرضا الكامل بمقام العبودية.

…………………………..

هنا في هذه اللحظة، التي قسمت فيها السلطة البشر إلى آلهة وعبيد أو سادة وعبيد، أخذت الحرية تبزغ كأعظم فكرة نبيلة، ناضل البشرُ من أجلها أحقاباً طويلة، وكان الطبيعي أن تكون غاية الحرية هي تقييد السلطة، فتكون بشرية وليست إلهية، وتكون إنسانية وليست فوق الإنسان، ولتكون في خدمة الناس لا للاستعلاء عليهم، وليكون الناس هم مصدرها، ومن ثم يكون لهم الحق في اختيارها ثم مراقبتها ثم محاسبتها ثم عزلها ثم اختيار غيرها.

هذا الطريق الطويل بدأ بتوزيع السلطة المطلقة إلى سلطات، تمارسها مؤسسات وبينها توازن أو فصل أو ردع متبادل، وعندما تم ذلك باتت فكرة الحرية مؤسسة مستقرة لها تجلياتها ورأسها برأس السلطة.
وهذا هو موضوع مقال الأربعاء المقبل بمشيئة الله تعالى.