في كل دول العالم هناك استقطاب سياسي، تختلف طبيعته وتوجهاته من سياق إلى آخر، فعرفت أوروبا استقطاب اليمين واليسار حول التوجهات الاجتماعية والاقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، ولكنه عرف تغيرا مؤكدا في مكوناته، بعد أن دخل فيه الموقف من الهجرة والمهاجرين ليصبح أحد أبرز جوانب الاستقطاب بين تيار في اليمين وآخر في اليسار، وتراجع دون أن يختفي الاستقطاب حول التوجه الاقتصادي وخلاف الاشتراكية والرأسمالية.

أما في دول الشرق الأوسط، فقد ظل هناك استقطاب حول التوجه الاقتصادي والاجتماعي بين نظم اشتراكية وأخرى رأسمالية وبين اليسار واليمين وبين إسلاميين وعلمانيين، ولكن ظل الموقف من شكل الصراع مع إسرائيل يمثل أحد جوانب الاستقطاب السياسي في أكثر من دولة، وخاصة بلد مثل إيران بجانب بلدان أخرى مثل تركيا ومصر ولبنان.

وقد عكست مظاهرات إيران الأخيرة جانبا من هذا الاستقطاب، وهاجم المحتجون توجهات النظام الإيراني وتدخلاته خارج حدوده، واعترضوا على خطاب المقاومة ومحاربة القوى الكبرى والاستعمارية، وسُمعت هتافات من نوع “لا غزة ولا لبنان روحي فداء إيران”، وحُرقت صورة قائد الحرس الثوري الراحل قاسم سليماني، وتردت شعارات، تعبر عن الحنين للنظام السابق، كما يجري في بلدان شرق أوسطية أخرى بالقول: “هذه المعركة الأخيرة نجل الشاة سوف يعود” ( وهو في الحقيقة لن يعود)، كل ذلك يقول إن إيران التي أسست النموذج الأكثر جدية وتقدما مقارنة بنظم ادعاء الممانعة العربية، هي دولة طبيعية ومجتمعها طبيعي، وأنه لا يجمع على دعم التدخل في شؤون الدول الأخرى ورفع شعارات تحرير القدس ودعم حزب الله وفصائل عراقية والحوثيين وحماس، لأن هناك قطاعا معتبرا من الشعب يرى أن الإيرانيين أجدر بهذه الأموال التي تنفق على تنظيمات “غير إيرانية”، وإن تعاطف كثير من الإيرانيين مع الشعب الفلسطيني لا يعني ترجمة هذا التعاطف في حرب مع إسرائيل، ولا عتاد وسلاح ومال يرسل إلى حزب الله قبل الجيش الإيراني.

والحقيقة، أن مظاهرات إيران أكدت ليس فقط حيوية المجتمع الإيراني وقدرته على أن يكون “مصنعا” دائما للاحتجاجات، سواء كانت سياسية في مواجهة السلطة القائمة، أو مطلبية في مواجهة الغلاء وارتفاع الأسعار، إلا أنه حان الوقت لكي يعترف النظام أن خطاب المقاومة وشعار الموت لأمريكا وإسرائيل وغيرها من الشعارات، ليست محل اتفاق داخلي، وأن التيار الآخر الذي يؤمن بالدولة الوطنية التي لا تتدخل في شؤون الآخرين ويدافع عن مشروع مدني يستمد شرعيته من الشعب والدستور والمؤسسات المنتخبة ويضع سلطة الولي الفقيه فقط داخل الإطار الروحي والديني والأخلاقي ويبعدها عن السياسة، موجود بقوة، وربما أصبح غالبا.

مظاهرات إيران وتياراتها الإصلاحية تقول إن إيران مثل كل الدول التي تبنت خيارات تدخلية أو ثورية، أو رفعت راية عابرة للحدود، سواء كانت أممية إسلامية أو اشتراكية أو قومية عربية تبلور في داخلها تيار يقول كفى، نريد أن ننظر إلى مشاكلنا أولا وبلدنا أولا وغيرها من الشعارات الوطنية التي وصلت أحيانا إلى درجة التعصب والانغلاق.

إن بلدا مثل مصر ظل طوال حكم الرئيس عبد الناصر بداخلها تيار يرى أن عليها ألا تدخل حروبا من أجل القضية الفلسطينية، ولا أن ترفع لواء القومية العربية، إنما فقط الوطنية المصرية، وكانت معاهدة السلام التي وقعها الرئيس السادات تتويج لوجود هذا التيار وحضوره على الساحة المصرية والعربية.

صحيح أن الانقسام بين التيارين لم يكن الانقسام الوحيد، فهناك خلاف حول اشتراكية عبد الناصر، كما أن هناك خلاف حول رأسمالية السادات، وهناك جوانب أخرى للخلاف السياسي والثقافي والاجتماعي في إيران بجانب الاستقطاب حول الدور الخارجي، خاصة بعد أن فرض نظام طهران قيودا على الحريات العامة والحقوق الشخصية وحقوق المرأة، مما جعل المختلفين معه لا يكتفون فقط “بالأولوية الوطنية”، إنما أيضا يرفضون القيود الاجتماعية التي فرضها على قطاعات واسعة من الشعب، وخاصة المرأة.

أما تركيا فظلت مختلفة بين دول الشرق الأوسط؛ لأنها نجحت في تقديم إدارة سلمية لانقسام جرى التعامل معه  بالدماء في بعض الدول العربية والإسلامية، فقد ظل الاستقطاب السياسي في تركيا يتركز حول قطبين رئيسيين هما: حزب الشعب الجمهوري اليميني العلماني، في مواجهة حزب العدالة والتنمية المحافظ والمتدين، وكلاهما اتخذ مواقف متناقضة من حماس وحرب غزة والعدوان الإسرائيلي، فالتيار الأول المعارض يدين حماس بالكامل، ويعتبر كثير من قادته، أنها تنظيم إرهابي ويتبني السردية اليمينية الأوربية في التعامل مع المقاومة الفلسطينية، أما التيار الثاني الحاكم فهو يدعم بشكل قانوني وسياسي عاقل القضية الفلسطينية وفصائل المقاومة، دون أن يسقط في فخ شعارات الممانعة أو يتقاطع مع المشروع الإيراني حتى لو رفض سياسات إسرائيل.

لم تنجح إسرائيل في اختراق تركيا (إلا في الهوامش) بفضل صلابة جبهتها الداخلية وقبولها بتعددية وتمثيل حقيقي للمعارضين، فراهن الجميع على المظلة الوطنية، ورفضوا التدخلات الخارجية رغم عمق الخلافات الموجودة بينهما.

سيبقى الشرق الأوسط منطقة استقطاب سياسي عميق والدول التي ستعبر أزمتها، هي التي قبلت بالتعدد الداخلي، ولم تتهم معارضيها أنهم عملاء الاستعمار وخونة كما يفعل كثير من رموز السلطة في إيران، وأن من سينجح في إدارة هذا الاستقطاب والخلاف الداخلي بشكل سلمي هو الذي سينجح في مواجهه تدخلات الخارج.