قضت المحكمة الدستورية العليا، الاثنين الموافق 16/ 2/ 2026، بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل جداول المخدرات رقم 600 لسنة 2023، ذلك بحسب كون تلك القرارات تعد اختصاصًا حصريًا لوزير الصحة، وهو الأمر الذي سيعيد تلك الجداول إلى ما كانت عليه قبل إنشاء الهيئة منذ ست سنوات، ويفتح الباب أمام من أدينوا بمخالفة قراراتها للاستفادة من عقوبات أخف، أو حتى باعتبار أحكام إدانتهم “كأن لم تكن”.

وقد أثار هذا القضاء الجدال الفقهي والفكري حوله في نقاط عديدة، وقد اختلف الكثير من القانونيين حول هذا الحكم ومداه، وكيفية تطبيقه، وهو ما يطلق عليه الأثر المترتب على الحكم، وهو الأمر الذي يقتضي الرجوع إلى قانون المحكمة الدستورية، وبشكل أخص ما جاء بنص المادة 49 منه، وهي المادة المرتبطة بالموضوع، والتي يجري نصها في فقرتها الأخيرة على أنه: “فإذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقا بنص جنائي، تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادا إلى ذلك النص، كأن لم تكن. ويقوم رئيس هيئة المفوضين بتبليغ النائب العام بالحكم فور النطق به لإجراء مقتضاه”، وقد جاءت المذكرة الإيضاحية للقرار بقانون رقم 168 لسنة 1998 بتعديل الفقرة الثالثة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، لتؤكد على أن الإطلاق في تطبيق قاعدة الأثر الرجعي لأحكام المحكمة في غير المسائل الجنائية، قد أدى إلى صعوبات متعددة في مجال التطبيق، وعلاجاً لذلك، رؤى تعديل حكم الفقرة الثالثة من المادة (49) من قانون المحكمة، بما يكفل تحقيق عدة أغراض، منها تخويل المحكمة سلطة تقرير أثر غير رجعى لحكمها على ضوء الظروف الخاصة التي تتصل ببعض الدعاوى الدستورية التي تنظرها بمراعاة العناصر المحيطة بها، وقدر الخطورة التي تلازمها، وهو ما يعني اعتراف المذكرة الإيضاحية للقرار بقانون المشار إليه بتعديل المادة (49) من قانون المحكمة، بأن الأثر الرجعي للحكم بعدم الدستورية هو القاعدة التي تحكم النطاق الزمني لتنفيذ الحكم الصادر بعدم الدستورية في المواد غير الضريبية، إلا أن الفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا- التي لم يمسها هذا التعديل- أكدت على الرجعية الكاملة بالنسبة للأحكام الصادرة بعدم دستورية النصوص الجنائية، وبينت هذه الفقرة الأثر المترتب على القضاء بعدم دستورية نص جنائي، فذهبت إلى إهدار حجية الأحكام الصادرة بالإدانة، واعتبارها كأن لم تكن، حتى ولو كانت باتة، على نحو ما ذهبت إليه المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا.

وفي دراسة للأستاذ الدكتور/ طارق عبد القادر عن الأثر الرجعي لأحكام المحكمة الدستورية، منشورة من خلال موقع “منشورات قانونية”، جاء فيها في هذا النطاق، ونشير في هذا الصدد، إلى أن الأثر الرجعى الوارد بالفقرة الرابعة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، يطبق بصفة مطلقة، حتى ولو كانت الأحكام الصادرة بالإدانة أحكاماً باتة، وفى هذا انحياز كامل للشرعية والحرية الشخصية، ذلك أن الأحكام الجنائية، تمس بطريق مباشر الحرية الشخصية للمواطن، وهى أعز ما يحرص عليه، فإذا اتضح أن النص الذى طبق عليه، كان غير دستوري، فالعدالة تقتضي أن نغلب جانب الحرية على جانب حجية الأحكام الجنائية، وفى هذا إعمال كامل لمبدأ الشرعية، ذلك أن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يقف حائلاً دون تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته، تطبيقاً لقاعدة، أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وأن المشرع قد رأى في هذه الحالة، تغليب اعتبارات الشرعية على اعتبارات حجية الأحكام.

وقد ذهب الأستاذ الدكتور/ طارق سرور من خلال تدوينة له على حسابه الشخصي على صفحة “الفيس بوك” إلى أن  الحكم بعدم دستورية القرار المشار إليه لا يمس أصل التجريم، ولا ينال من الصفة غير المشروعة لحيازة أو إحراز أو تعاطي أو الإتجار بهذه المواد، إذ كانت مجرمة مسبقاً بموجب قرارات صحيحة صادرة عن الجهة المختصة قانونا، وإنما يقتصر أثر الحكم على إلغاء التشديد في العقوبة بالنسبة للجواهر المخدرة التي ترتب على نقلها إلى جدول، يفرض عقوبة أشد عما كانت عليه، بموجب القرار المقضي بعدم دستوريته، وبذلك يظل الوضع القانوني على ما كان عليه قبل القرار المقضي بعدم الدستورية، وفقاً للقرات السابقة لوزير الصحة، مع تطبيق العقوبة المقررة آنذاك (إذا كانت أقل) دون فراغ تشريعي أو سقوط التجريم، إلى أن يصدر قرار من الوزير المختص بإعادة القرار المطعون فيه الذي أدى إلى تشديد العقوبة.

هذا بخلاف العديد من التدوينات المختلفة والآراء المتباينة حول هذا الأمر، وهو ما قد يضع المحاكم في حيرة من أمرها حال تعرضها لتلك القرارات، كما وأنه قد يجعل هناك شططا حيال السلطة التنفيذية، متمثلة في وزارة الداخلية، في تعاطيها مع أحكام الإدانة الباتة والصادرة بناء على تلك القرارات، ذلك إذ أن هذا الحكم يفتح الباب أمام المتهمين في قضايا المخدرات ذات الصلة بقرارات الهيئة، لإعادة تقييم مراكزهم القانونية في القضايا، وبشكل أخص الذين ما زالوا في مرحلة المحاكمة، حتى ولو أمام محكمة الجنايات المستأنفة، أو أمام محكمة النقض، إذ أن من حقهم القانوني أن يستفيد دفاعهم من قضاء المحكمة الدستورية سالف البيان، ودخول هذا التجريم بناء عليه في نطاق الإباحة، ولكن هذا قد لا يعني بالضرورة إفلات المجرمين من العقاب، بل إعادة انضباط المنظومة التشريعية.

ولكن ما هو أيضا جدير بالذكر، أن هذا القضاء قد جاء مؤسسًا بشكل رئيس على أساس عدم مشروعية إصداره، أو الجهة المفوضة في إصداره، وهو ما يعيدنا إلى مفهوم الشرعية القانونية والدستورية، وكيفية صناعة القانون في مصر، وهو الأزمة الكبرى، والتي يخرج من تحت عباءتها العديد من الأزمات الدستورية، وخصوصًا في مجال التشريعات الجنائية، إذ أن الأصل العام، أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، كما أن التفويض في إصدار القرارات ذات الصلة بالمجال التجريمي، لا بد لها من صياغات وقوالب محددة، وحدود لا يجب أن تتعداها، إذ أن ذلك كان هو الأساس الذي من خلاله أصدرت المحكمة الدستورية حكمها محل هذا المقال.

ولا يغيب عنا، أن ننوه أنه من مصلحة المتهمين الاستفادة بشكل قطعي من هذا الحكم، وكذلك استفادتهم من تطبيق قاعدة “القانون الأصلح للمتهم”.

لكن وبعيداً قليلاً عن هذا الحكم، فإن الأزمة التشريعية المصرية، لم تزل قائمة وملحة وفاعلة بشكل أكثر ضراوة على مسار العدالة في مصر، وهو الأمر الذي يقتضي بشكل مرتبط بمفهوم العدالة، وخضوع الدولة للقانون/ العمل على تنقية البنية التشريعية المصرية، والسعي نحو تحديث آليات صناعة القانون، حتى لا تكون هناك عوائق جديدة مرتبطة بحقوق المواطنين وحرياتهم.