تدرس وزارة المالية حاليًا، رفع الحد الأدنى للأجور، تمهيدًا لبدء التطبيق بالموازنة العامة الجديدة للدولة للعام المالي 2026/ 2027 التي تبدأ في أول يوليو المقبل، والتي تضع الوزارة الرتوش الأخيرة على موازنته، تمهيدًا لإحالتها لمجلس النواب.

الزيادة الجديدة بالحد الأدنى، ستكون الأكبر منذ بدء تطبيق الحد الأدنى للأجور عام 2009، في ظل تأكيد د. مصطفى مدبولي رئيس الحكومة، على أن الزيادة الجديدة بالرواتب ستكون غير اعتيادية، تتضمن الزيادات الاعتيادية في أول يوليو زيادة العلاوة الدورية 10% للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية و15% لغير المخاطبين بحد أدنى 150 جنيهًا شهريًا.

لكن يمكن للحكومة في بعض الأحيان زيادة علاوة «غلاء المعيشة» التي تبلغ ألف جنيه، وزيادة الحافز الإضافي لكل الدرجات الوظيفية من «السادسة» حتى «الممتازة»، حتى يتحقق البند الذي تقول عنه “غير اعتيادي”.

ارتفع الإنفاق على الأجور وتعويضات العاملين بنحو 34.3 مليار جنيه بنسبة %12 ليحقق 320.5 مليار جنيه، خلال النصف الأول من العام المالي الحالي، مقابل 286,2 مليار جنيه، في الفترة ذاتها من العام السابق بزيادة قدرها 20%.

د. فخري الفقي، الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، يرجح أن تكون الزيادة المتوقعة للأجور 15% بحد أدنى، ليبلغ الحد الأدنى للأجور 8 آلاف جنيه على أقل تقدير، وهي زيادة قد تكون مناسبة حال استقرار متوسط التضخم العام المالي المقبل عند حدود 10%.

قفزات متتالية للحد الأدنى للأجور

شهد الحد الأدنى للأجور في الجهاز الإداري للدولة تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ليرتفع بنسبة 483.3٪ منذ 2014، وحتى 2025 بموجب تسع زيادات متتالية في 11 عامًا.

قفز الحد الأدنى من مستوى 1200 جنيه عام 2014 إلى 1400 جنيه في 2017 وإلى 2000 جنيه في 2019 و2400 جنيه في 2021 فـ2700 جنيه في 2022 و3000 جنيه في 2023 ثم 3500 جنيه وخلال عامي 2023 و2400 ليصل الحد الأدنى إلى 4000 جنيه، ثم 6000 جنيه، وأخيرًا إلى 7000 جنيه.

د. وليد الفقي، خبير المالية العامة، يرى أن الحد الأدنى للأجور يجب أن يتراوح بين 9 و10 آلاف جنيه، فالمشكلة لم تعد في “قيمة” الأجر فقط، بل في “فلسفة” حسابه وتوزيعه، فهيكل الأجور بمصر يعاني تشوهات، تجعل الفوارق بين حديث التعيين وبين من أمضى عقوداً في الخدمة تكاد تتلاشى، مما يهدد الاستقرار الوظيفي والولاء المؤسسي.

​تكمن الإشكالية الأولى في طريقة إعلان الحد الأدنى للأجور، فبينما تتبنى التجارب الدولية الناجحة معايير “صافي الدخل القابل للإنفاق” لضمان حياة كريمة، لا تزال مصر تعتمد على “إجمالي الأجر”، وحين يُعلن عن حد أدنى جديد، يصطدم الموظف باستقطاعات التأمينات، والضرائب، وصناديق المعاشات، ليجد نفسه أمام “صافي” لا يلبي الاحتياجات الأساسية.

في النصف الأول من العام المالي الحالي (يوليوـ ديسمبر 2025)، ارتفعت الحصيلة من الضريبة على المرتبات المحلية بـ27.7 مليار جنيه بنسبة زيادة %38.6 ليحقق 99.6 مليار جنيه، والغريب، أن الحصيلة من الضريبة على النشاط التجاري والصناعي كانت أقل من تلك المعدلات بكثير، إذ سجلت 44.7 مليار جنيه خلال الفترة ذاتها.

مخاوف من تسطيح الكفاءات

وفقًا للفقي، فإن النظام المتبع في زيادة الرواتب يؤدي لفجوة ثقة، بين ما تعلنه الموازنة العامة، وما يلمسه جيب المواطن، مما يجعل الزيادات تبدو وكأنها “تُمنح باليمين لتُسحب باليسار”، كما تؤدي لتسطيح الكفاءة، حين يتساوى صاحب العشرين عاماً بالمستجد، بجانب “تآكل الفوارق البينية”، فبسبب الاعتماد على الزيادات المقطوعة (علاوات الغلاء) لرفع الحد الأدنى بسرعة، حدث تقارب مشوه في الدخول.

​أوضح أن الفرق بين موظف بخبرة 20 عامًا وزميله الجديد بضع مئات من الجنيهات، ما يسبب “التسطيح الوظيفي” ويقتل الطموح، ويحول الوظيفة العامة إلى “مجرد رقم تأميني”، بدلاً من مسار مهني متصاعد، كما أن غياب التفاوت المنطقي في الدخل بعد تخطي عتبة الحد الأدنى، يعكس خللاً في تقييم “القيمة المضافة” التي يقدمها ذوو الخبرة.

نتاج ذلك التشوه يتضمن تسرب الكفاءات ذوو الخبرة وهم الأكثر عرضة لترك العمل الحكومي أو البحث عن عمل إضافي، مما يفرغ المؤسسات من ذاكرتها الإدارية، وانخفاض الإنتاجية، حين يدرك الموظف، أن ترقيه الوظيفي وسنوات خبرته، لا تنعكس طردياً على مستواه المعيشي، ويتراجع الحافز للإبداع أو التطوير.

وشدد الفقي، على أن إصلاح منظومة الأجور في مصر لا يبدأ بزيادة الأرقام فحسب، بل بإعادة صياغة الهيكل بالكامل من خلال ​اعتماد الحد الأدنى “للصافي” وليس للإجمالي، و​إعادة تفعيل “سلم الأجور” الذي يحافظ على فجوات منطقية وعادلة بين الدرجات الوظيفية المختلفة، و​ربط الأجر بـ”التأهيل والإنتاجية”، وليس فقط بسنوات الخدمة، لضمان عدالة التوزيع.

لا علاقة بين العامل والإنتاجية

لا توجد علاقة بين أجر العامل وإنتاجيته بمصر، فأجر العامل يعتمد على أقدمية العامل أو عدد سنوات عمله، وليس على كفاءته أو إنتاجه، ما يعني وجود خلل في سياسات الأجور، والحاجة لإصلاح كبير في إطار منظومة أشمل لإصلاح الخدمة العامة.

شدد د. وليد الفقي، على أن الحكومة ستتفق مع القطاع الخاص على منح زيادة في الأجور للعاملين في القطاع الخاص، والهدف دفع السوق ناحية الانتعاش وزيادة القدرة الشرائية للموظفين بالحكومة والعاملين بالقطاع الخاص، ما يعود بالنفع على شركات القطاع الخاص نفسها في شكل زيادة نسب المبيعات خلال الفترة القادمة.

لم تؤد تلك الزيادات لتحسن ملحوظ في حياة المواطنين مع التعويم المتكرر للجنيه في تلك الفترة، الأمر الذي دفع التضخم لتسجيل أعلى مستوى في 31 عاما، حتى وصل في 2017 إلى 33% و34% بعام 2023، قبل أن يتراجع في 2025 لمستوى 12%.

الزيادة والتضخم

تظل الزيادة مرهونة بمستوى التضخم، كما يقول الخبير الاقتصادي د. علي الإدريسي، الذي يرى أن الأجور ستدور في فلك 8 آلاف جنيه، ما يحسن نسبيًا من أوضاع العاملين، لكنه لن يواكب الارتفاعات الكبيرة في أسعار السلع والخدمات الأساسية، خاصة في ظل التحريك المتكرر لأسعار بعض الخدمات.

من الدارج في كل زيادة للمرتبات، حدوث آثار تضخمية، إذ توجه بالأساس إلى الإنفاق على سلع أساسية ضرورية للحياة، فالحد اﻷدنى للأجر أداة للحد من الفقر وتنشيط الطلب المحلي، ولذلك يطالب الخبراء بإعادة هيكلة أجور كل العاملين بأجر، بحيث تزيد أجورهم بصورة، تتناسب مع ارتفاعات الأسعار على الأقل.

يرى الإدريسي، أن الحل لا يكمن فقط بزيادة المرتبات، بل في تفعيل الرقابة على الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية، بجانب تثبيت أسعار الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والوقود، لضمان أن تنعكس أي زيادات بالأجور بشكل فعلي على تحسين مستوى المعيشة.

ضبط السوق هو الأساس

يؤكد الإدريسي، أن الرهان الرئيسي هو ضبط السوق، وخفض الأسعار، وزيادة الإنتاج المحلي، ومحاربة الممارسات الاحتكارية، فمعالجة المشكلة من الجذور أهم بكثير من البحث المستمر عن زيادات في الأجور والمعاشات التي تذوب أمام موجات تضخم جديدة.

توجد ثلاث إشكاليات رئيسية في الحد الأدنى للأجور في ظل وجود علاقة تربطه بالنمو والإنتاجية والتوزيع، وهذه العلاقات متشابكة مع بعضها البعض، فالزيادة بالأجور هي مكون هام بعملية النمو، كما يجب مواكبة الأجور لمستويات الإنتاجية، واتباع المنهجية الدولية في تحديد الحد الأدنى للأجور، بما يوازي خط الفقر.

يضيف الإدريسي، أن استقرار الأسواق يتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز المنافسة وفرض رقابة صارمة على الأسواق، بما ينعكس على خفض تكلفة السلع والخدمات، مشيرًا إلى أن تحقيق التوازن بين العرض والطلب هو الطريق الأكثر استدامة لحماية القوة الشرائية للمواطنين، لأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من الإنتاج وضبط الأسواق قبل أي شيء آخر.