هندسة الإيمان في الفضاء الرقمي

تُشير القراءة التحليلية المقارنة للمعطيات الإحصائية المتوفرة عبر الجولتين السادسة والسابعة لمسح القيم العالمي (WVS)، وبيانات المؤشر العربي في الحالة المصرية إلى وجود تحولات بنيوية وهيكلية في أنماط الانتماء والتدين لدى الفئات العمرية الشابة المنضوية، تحت ما يُعرف بـ “جيل زد”، نحن لا نتحدث هنا عن قطيعة مع “الدين” كمكون جوهري للهوية، بل عن تحول جذري في “وسائط” التدين وآليات تشكيله.

فوفقاً للبيانات، يبرز مؤشر تراجع الثقة في المؤسسات الوسيطة، حيث تكشف الأرقام عن انخفاض مطرد في مستويات الثقة في الهياكل السياسية التقليدية، كالبرلمان والأحزاب، وهي حالة تمتد لتشمل تقييماً نسبياً لفاعلية الأداء الحكومي في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

تشير بيانات “المؤشر العربي” لعام ٢٠٢٥ إلى تراجع كبير في ثقة الشباب المصري بالمؤسسات السياسية التقليدية، حيث لا تتجاوز مستويات الثقة في البرلمان والأحزاب السياسية عتبة الـ25% إلى 30% في المتوسط، يعكس هذا التراجع حالة “انكشاف هيكلي”، حيث يرى جيل زد أن هذه المؤسسات لم تعد تمثله، أو تمتلك القدرة على حل معضلاته الواقعية، مما دفعه للبحث عن بدائل خارج الأطر التنظيمية التقليدية.

يستمر هذا التآكل المؤسسي ليطال التنظيمات والأحزاب ذات المرجعية الدينية، تكشف الأرقام عن فجوة عميقة، فبينما يظل الدين “قيمة مهمة” في حياة أكثر من 85% من الشباب المصري، إلا أن الثقة في الأحزاب والتنظيمات التي تتحدث باسم الدين تراجعت إلى أدنى مستوياتها التاريخية، لم يعد قطاع عريض من الشاب المصري يرى في التنظيم الديني وسيطاً ضرورياً بينه وبين المقدس، بل يفضل بناء علاقته الإيمانية بشكل مستقل وعبر مجتمعات اختيار رقمية.

وبخلاف ذلك، تسجل المؤسسات الدينية الرسمية في مصر مستويات ثقة “رمزية” أعلى بكثير من المؤسسات السياسية أو الأحزاب ذات المرجعية الدينية، حيث تتراوح غالباً بين 45% و60%. ورغم هذا الاحترام الرمزي، تظهر بيانات “مسح القيم العالمي”، أن جيل زد المصري يتمتع بـ “استقلال ذمة” عالٍ؛ فهو يحترم الأزهر ككيان حامٍ للهوية، لكنه لا يعود إليه بالضرورة لضبط خياراته الأخلاقية أو العملية، ويفضل استقاء معلوماته من مصادر متعددة أو عبر ما أطلق عليه “التدين الخوارزمي” القائم على البحث الفردي.

هذا المشهد الإحصائي يضعنا أمام ما يمكن تسميته “التآكل المؤسسي”؛ وهي حالة اغتراب نسبي، يشعر فيها الفرد بتقلص الضمانات التي كانت توفرها “الدولة الراعية” أو المؤسسات الوسيطة تاريخياً. إلا أن هذا التآكل لم يقتصر على الفضاء السياسي الرسمي، بل امتد ليشمل “اليقين التنظيمي” الذي كانت تمثله جماعات الإسلام الحركي والأيديولوجيات الشمولية، فبالتقاطع مع بيانات المؤشر العربي والدراسات الميدانية لما بعد عام 2013، نرصد تراجعاً ملحوظاً في جاذبية “التدين التنظيمي”؛ حيث تحللت “الولاءات الحركية” التي كانت تسعى لتأطير الدين داخل قوالب تنظيمية صلبة، تقوم على “السمع والطاعة”، أو مقولات عقائدية جامدة- كما في الخطابات السلفية.

جيل زد المصري نشأ وهو يشهد انكسار هذه الأساطير التنظيمية وانحدار الخطابات السلفية، وفشلها في تقديم إجابات واقعية لأزمات البقاء والكرامة، بالإضافة إلى تكلفة الانتماء لهذه الهياكل، مما أدى لدى قطاع منهم إلى حدوث قطيعة معرفية وشعورية مع “الجماعة” أو “مشايخ العلم” كوعاء حصري للإيمان أو كمصدر وحيد للحقيقة.

بيد أن هذا الانسحاب عن المؤسسة الرسمية والتنظيم الحركي وطلب العلم الشرعي لم يفضِ إلى حالة من “اللا دينية” أو العدمية، بل أدى إلى انتقال سلطة “توليد المعنى” من الخارج (المؤسسة/ الجماعة/ الشيخ) إلى الداخل (الفرد المستقل)، وهنا يبرز “التدين” في مسح القيم العالمي كعنصر صامد وهوياتي بامتياز، لكنه تدين “منزوع الوصاية”.

ما المقصود بالتدين الخوارزمي؟

ومن أجل فهم هذا النمط المركب، الذي بلا شك يجاوره أنماط تدين أخرى، نجترح في هذا المقال مصطلح “التدين الخوارزمي” (Algorithmic Religiosity) كأداة تحليلية تهدف لتجاوز الأطر التقليدية في فهم الظاهرة الدينية.

والمقصود بـ”الخوارزمية” هنا ليس مجرد استعارة تقنية شكلية، بل هي توصيف لآلية عمل ذهنية وبيئية مزدوجة، فمن الناحية الذهنية، يتعامل الفرد في قطاع معتبر من جيل زد مع “المرجعية الصلبة” (القرآن والسنة) كـ”قاعدة بيانات” (Big Data) أصيلة ونهائية، لكنه يرفض “النسخ التفسيرية” الجاهزة والمغلقة التي تقدمها المؤسسات أو التنظيمات. عوضاً عن ذلك، يطور الشاب “خوارزميته الشخصية” التي تقوم بعملية معالجة وانتقاء واعية من هذا التراث المرجعي، لينتج “توليفة إيمانية”، تتناسب مع مقتضيات حياته العملية وبحثه عن المعنى أو القيم وسعيه للنجاة والتكيف.

تجري هذه العملية في ظل ثلاثة سياقات متداخلة: سوق نيو ليبرالي شرس لا يرحم، وحالة لا يقين معرفي وجيو سياسي، وأخيرا وليس آخرا، تآكل لا مؤسسي مرعب في أدوار الدولة ووظائف الأسرة، مرورا بالمؤسسات الوسيطة- كما أشرنا سابقا.

التدين الخوارزمي، كما يمارسه قطاع من الشباب، عملية “توطين فردي للمقدس”؛ تهدف إلى استخلاص قيم “تشغيلية” (كالبركة، الأمانة، الكفاءة، السكينة) واستخدامها كأدوات لضبط الواقع الشخصي والمهني، إلا أن هذه القيم التشغيلية لا تنفي أهمية تأكيد المعنى في النفوس، فوفقاً لتقرير “ديلويت 2025″، يميل جيل زد المصري للثقة في الكيانات التي تقدم “معنى” أو “تأثيراً” ملموساً (Impact)، الثقة وفق ديلويت ليست مؤسسية مطلقة، بل مرتبطة بمدى قدرة هذه المؤسسات الوسيطة على توفير “سَكينة فاعلة” أو حلول لقضايا مثل البيئة، والعدالة الاجتماعية، والرفاه النفسي.

ومن الناحية البيئية، فإن مصطلح “التدين الخوارزمي” يشتبك مع واقع الفضاء الرقمي الذي يعيش فيه هذا الجيل (تصل نسبة انتشار الإنترنت بين الشباب المصري في الفئة العمرية (18- 24 عاماً) إلى ما يقرب من 98%)؛ حيث تقوم خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي (تيك توك، يوتيوب، فيسبوك) بدور “المؤسسة الدينية الجديدة” غير المرئية، هذه الخوارزميات تمد الشاب بتدفق مستمر من المواد الدينية المنتقاة والمشخصنة (Personalized Content) التي تتوافق مع اهتماماته اللحظية وبحثه عن المعنى في حياته وقلقه الوجودي، هذا “المحتوى المنتقى” يعزز لدى قطاع من الشاب شعوره بـ”الاكتفاء الذاتي” المعرفي، ويجعل من فكرة “الذهاب للمسجد” أو “الانتماء لجماعة” أو متابعة دروس شيخ أو الالتزام بحلقة علم واحدة طلباً للمعرفة الدينية، أمراً ثانوياً أو متجاوَزاً.

الديني في الفضاء الخوارزمي متاح، مرن، وغير مشروط بتبعات تنظيمية أو وصاية مؤسسية أو علمائية، مما يكرس حالة “سيادة المؤمن” على خياراته الدينية.

الجبرية الفردية

إن التدين الخوارزمي بهذا المعنى هو استجابة نسبية لظروف، ما أطلقت عليه “الجبرية الفردية” التي فرضتها السياقات الثلاثة؛ فهو يسمح للفرد بالتمسك بـ”يقين المرجعية” (القرآن والسنة) كحائط صد ضد غياب اليقين المعرفي والجيو سياسي والسيولة القيمية والأوضاع المعيشية الصعبة، وفي الوقت ذاته، يمنحه “مرونة الخوارزمية” للتكيف مع متطلبات النجاح المادي والنجاة الفردية، إنه عقد أخلاقي جديد، لا يقوم على الامتثال للأطر المتآكلة، بل على الفاعلية المستقلة للفرد الذي قرر أن يكون هو “المرجع”، وهو “المختبر” لتجربته الدينية في عالم بلا ضمانات مؤسسية.

“الفردية الجبرية” بهذا المعنى، حالة يجد فيها الفرد نفسه مضطراً للاعتماد على سيادته الشخصية واستقلال ذمته، ليس كخيار أيديولوجي للتحرر، بل كطريق للنجاة، نتيجة انهيار أو “انكشاف” الهياكل المؤسسية والوسيطة التي كانت توفر له الأمان واليقين سابقاً.

ملامح هذه الفردية الجبرية تقوم على:

  1. الفردية كقدر لا كخيار، ففي الظروف الطبيعية، قد يختار الفرد “الفردانية” كنزعة فلسفية، لكن في حالة قطاعات من جيل زد العربي، هي “جبرية”؛ لأن المؤسسات (البرلمان، الأحزاب، الأسرة، التنظيمات الدينية…) تخلت عن أدوارها أو فقدت مصداقيتها، يجد الشاب نفسه وحيداً في مواجهة سوق عمل نيو ليبرالي شرس وفضاء رقمي سيال، مما يجبره على أن يكون هو “المؤسسة”، وهو ما أسميناه بـ”استقلال الذمة”.
  2. الفردية في مواجهة “الابتلاع” الرأسمالي: هذه الفردية هي “جبرية” أيضاً، لأنها تعمل داخل بنية رأسمالية، تقوم بابتلاع الأصول الاجتماعية، الفرد هنا مُجبر على أن يكون “وحدة كفائية” مستقلة ليحمي نفسه من التآكل، والتدين الخوارزمي في هذا السياق هو الأداة التي تمنح هذه “الفردية الجبرية” معنىً أخلاقياً، يساعد على الصمود.
  3. “استقلال الذمة” كآلية دفاعية: بما أن “الوسيط” المؤسسي (سواء كان حزباً إسلامياً أو مؤسسة دينية رسمية) لم يعد قادراً على تقديم إجابات لأسئلة الواقع المعقدة، أصبح الفرد “مجبراً” على هندسة إيمانه ومعناه الخاص عبر الخوارزمية، هو لا يرفض المؤسسة رغبةً في التمرد، بل لأنها لم تعد “وظيفية” بالنسبة لمتطلبات نجاته.
  4. المفارقة بين “النجاة” و”الاشتباك”: في الفردية الجبرية، يتحرك الفرد كـ”رقيقة مستقلة” (Atomized unit)، هو يمارس “النجاة” بمفرده، لأنه لا يثق في الهياكل الجماعية المنكشفة، لكنه يضطر لـ”الاشتباك” الجمعي رقمياً، عندما تستفزه القضايا الكبرى، محققاً “مزامنة أخلاقية” مع أفراد آخرين، يعيشون نفس الحالة من الفردية الجبرية.

الخلاصة: الفردية الجبرية هي “استقلال الاضطرار”؛ وهي الحالة التي يحمل فيها الشاب “حقيبة ظهره” الإيمانية والمعرفية والمادية ويمضي وحده، لأن الطرق المؤسسية القديمة أصبحت غير آمنة أو غير موجودة، مستخدماً التدين الخوارزمي كأحد البوصلات الأساسية في فضاء لا يكف عن التغير الدائب.

وبعد، فإننا في هذه السلسلة، نتجاوز القراءات السطحية؛ لنشرح كيف تحول التدين لدي قطاعات من جيل الشباب إلى ‘نظام تشغيل’ (Operating System) يدار خوارزمياً، ليحقق توازناً قلقاً بين استراتيجيات النجاة الفردية في سوق نيو ليبرالي شرس، وبين لحظات الاشتباك الأخلاقي التي تستعيد ‘المعنى’ من براثن السيولة.

إننا بصدد قراءة لقطاع من جيل لم يعد يبحث عن مؤسسة تأويه، أو تنظيم يحتويه أو أسرة تدنيه أو حزب يمثله أو مؤسسة مجتمع مدني يتطوع فيها، بل عن ‘كفاءة’ تحميه، وعن إيمان يصنعه بنفسه في زمن اللا يقين.

وتأتي هذه السلسلة في خمسة مقالات مع مقدمة وخاتمة:
المقال الأول: سوسيولوجيا الانكشاف وتآكل الثقة الهيكلية.
المقال الثاني: سوسيولوجيا النجاة: التدين الخوارزمي في مواجهة “الزمن النيو ليبرالي”.
المقال الثالث: من الامتثال الجماعي إلى “ذمة الفرد”: إعادة هندسة الانتماء في سياق “الفردية الجبرية”.
المقال الرابع : مفارقة “الهوية الصلبة” في عالم ترامب
المقال الخامس: غزة من “الخلاص الفردي” إلى “الاشتباك الجماعي”.
الخاتمة: نحو عقد أخلاقي جديد: ملامح “الاشتباك الجمعي” في أفق المستقبل.