يخشى قطاع عريض من الخبراء حاليا، دخول الاقتصاد المصري في الركود الاستهلاكي، وهي حالة ينخفض فيها إنفاق الأفراد على السلع والخدمات، نتيجة ضعف ثقة المستهلكين وتقليص نفقاتهم وقصرها على الأساسيات، فتتضرر أرباح الشركات، وتتوقف عن ضخ الاستثمارات الجديدة.
في مؤشر مديري المشتريات الصادر عن مؤسسة S&P Global، توجد إرهاصات لتلك المشكلة، فرغم تخفيض الشركات أسعار البيع لأول مرة في 60 شهرا خلال يناير الماضي مع تراجع التكاليف، تراجعت مستويات الطلب من قبل المستهلكين، وسجل القطاع الخاص انكماشا، بعد التحسن الذي حققه في شهري ديسمبر ونوفمبر 2025.
يقيس مؤشر مديري المشتريات أداء القطاع الخاص غير النفطي، ويستند إلى مسح يشمل 450 شركة، بما في ذلك التصنيع والخدمات والبناء والتجزئة، ويعتمد على خمسة مؤشرات فرعية بالأوزان التالية: الطلبات الجديدة (30٪)، الإنتاج (25٪)، التوظيف (20٪)، مواعيد تسليم الموردين (15٪) ومخزون العناصر المشتراة (10٪).
تُظهِر تلك المؤشرات وجود مخاوف من الركود الاستهلاكي في نموذج الاقتصاد ذا الشكل K الذي يعني وجود اقتصاد منقسم، تستمر فيه الأسر ذات الدخل المرتفع في الإنفاق مدفوعةً بمكاسب الأصول، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض ضغوطًا مالية، وديونًا، وانخفاضًا في الإنفاق التقديري. وهذا يخلق “ذراعًا علويًا” للنمو و”ذراعًا سفليًا” للركود.
لحرف “k” ذراعان أولهما علوي صاعد، وهو القطاعات والشركات والأصول والأفراد الذين استفادوا من الانتعاش الاقتصادي، وفي كثير من الحالات، أصبحوا أكثر ثراءً، والذراع السفلي (الهابط)، فيتضمن القطاعات والشركات الصغيرة والأفراد الذين استمر تراجعهم أو ركودهم حتى مع تحسن الاقتصاد بشكل عام..
تتلخص النظرية في إنفاق المستهلكين ذوي الدخل المرتفع، مدفوعين بارتفاع مكاسبهم ببذخ على العطلات والسلع الفاخرة، في المقابل، تُكافح الفئات الوسطى وذات الدخل المنخفض لتوفير الضروريات الأساسية كالسكن والمواد الغذائية والوقود بعد سنوات من معدلات تضخم أعلى من المعدل الأمثل.
د. رمزي الجرم، الخبير المصرفي، يقول إنه من الواضح أن الاقتصاد المصري على أعتاب شكل من أشكال الركود الاستهلاكي؛ ما قد يستلزم ضرورة تَبني سياسات لتحفيز الاستهلاك من خلال زيادة دخول الطبقة المتوسطة بشكل خاص.
أضاف الجرم، أن الميل الحدي للاستهلاك (MPC) يرتفع لدى الطبقة المتوسطة على خلفية اتجاهها تحديدًا نحو إنفاق أي دخول إضافية على السلع والخدمات، وعدم توجيهها نحو أدوات الادخار المختلفة؛ ما يدفع الطلب الكلي نحو مسارات تحفيز النمو الاقتصادي من خلال زيادة دوران عجلة الإنتاج بشكل أسرع.
تعاني الطبقة المتوسطة بمصر من تداعيات التعويمات المتتالية للجنيه التي قلصت قيمة دخلها الحقيقي، وبات تركيزها منصب على الأساسيات فقط، مع تأكيد دراسات غير رسمية أن تلك الطبقة تقلّصت إلى أقل من 35% من السكان، ما يُشكّل تهديدًا خطيرًا للتماسك الاجتماعي.
نمو اقتصادي وتراجع التضخم ولكن
تباطأ معدل التضخم بالمدن المصرية في يناير 2026 لأدنى مستوى منذ سبتمبر، ليسجل 11.9% على أساس سنوي في يناير، مقابل 12.3% في الشهر السابق، لكن على أساس شهري، تسارعت وتيرة التضخم إلى 1.2% في يناير مقارنةً بـ0.2% في ديسمبر، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
سجل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في مصر خلال الربع الأول من العام المالي 2025/ 2026 نحو 5.3%، وذلك لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وفقاً لبيان صادر عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، وجاء تسارع وتيرة النمو الاقتصادي بدعم تحسّن القطاعات الإنتاجية واستمرار الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية.
تعتبر الحكومة تلك المؤشرات نافية تماما لإمكانية دخول الاقتصاد المصري في ركود استهلاكي أو ركود تضخمي، خاصة أن مؤشرات البطالة هي الأخرى تراجعت إلى نحو 6.2% بنهاية عام 2025، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ما يدل على توسع الاقتصاد على مستوى التوظيف.
نزول التضخم غير مرتبط بتوافر السلع
في المقابل، يقول ياسر بديهي، خبير اقتصادي ومستشار أعمال، إن انخفاض التضخم أخيرًا غير ناتج عن توافر السلع، مضيفا أن حل المشاكل الاقتصادية لن يأتي بخفض الفائدة (تراهن المجموعة الاقتصادية على خفض الفائدة كوسيلك لتشجيع الشركات على التوسع والنمو والتوظيف، وبالتالي، زيادة القدرة على الإنفاق وتقليل أعباء إنتاج السلع).
يطالب بديهي بمراجعة شاملة، تفضي لخفض سعر المنتج لتحفيز الاستهلاك، بداية من قوانين الضرائب التي تتضمن أعباء ثقيلة، وكذلك الجمارك على الخامات أو المنتجات، وتكاليف النقل والخدمات من كهرباء ومياه ووقود، وتكاليف رواتب العمال والموظفين.
أضاف أن تلك المدخلات تضاف لسعر المنتج، ويزيد عليها مكاسب شركات النقل والتجار، ما يرفع تسعير المنتج النهائي بشكل كبير، ولا يجعل المواطن يشعر بأي تحسن في ملف الأسعار، مشددا على أن مراجعة بند الضرائب والرسوم تقلل أسعار بيع المنتجات، والنتيجة النهائية لها تراجع فعلي وحقيقي للتضخم.
تشير العديد من الدراسات، إلى أن الاقتصاد المصري مر بعدة أشكال للتضخم حتى عام 2015، بسبب تضارب السياسات الاقتصادية المالية والنقدية، فضلا عن الاختلالات الهيكلية المرتبطة بطبيعة وهيكل الاقتصاد المصري.
أحمد أنور سعدة، الخبير الاقتصادي، يؤيد رأي بديهي، إذ يقول إن هناك انخفاضا متواصلا للفائدة، ما يطرح تساؤلاً، هل بالمقابل انخفضت اسعار السلع والخدمات؟ مضيفًا: “لو الإجابة لا فالقادم ركود اقتصادي مؤلم”.
يحدث الركود التضخمي، حينما يوجد فائض في الطلب في سوق السلع الأساسية بالتزامن مع وجود بطالة هيكلية بسوق العمل في ظل وجود علاقة متبادلة بين التضخم والبطالة، حيث يغذي كل منهما الآخر، من خلال دوامة الأجور والأسعار وارتفاع تكلفة الإنتاج الناجم عن انخفاض قيمة العملة المحلية.
لكن الركود الاستهلاكي يحدث بشكل مختلف، فالسلع متوافرة، لكن لا يوجد إقبال عليها، وهو قد يفضي إلى ركود تضخمي حال تقليص الشركات إنتاجها؛ بسبب عدم القدرة على تصريف المنتج، فيقل المعروض من المنتجات، فترتفع أسعارها.
هل يتخلى رجال الأعمال عن الجشع؟
الخبير المصرفي أحمد محرم، لا يراهن أيضا على الفائدة وحدها، فسلوك رجال الأعمال معروف، فحتى لو كانت الفائدة صفرية، فلن يتنازلوا عن جشعهم، ويخفضوا الأسعار ليرتد العائد للمستهلك، وبالتالي فإن سعر العائد على القروض، ليس العصا السحرية لمحاربة التضخم.
في القطاع العقاري، تراجعت أسعار الفائدة والدولار وهما جناحا حُجة تحجج بهما المطورون لرفع الأسعار على مدار السنوات الثلاث الماضية، ورغم ذلك يتواصل ارتفاع سعر متر البيع في المشروعات الجديدةَ.
شدد محرم على ضرورة استهداف السياسة النقدية سعر الصرف بآليات ليس البنك المركزي وحده له الدور الأساسي فيها، بل الدولة ككل، بالإنتاج والتصدير والحفاظ على موارد الدولة بالعملات الأجنبية بترشيد الإنفاق المستنزف لتلك العملات في مشاريع لا تدر عائدا دولاريا.
أضاف أن خفض سعر العائد يستفيد منه قطاع الأعمال، وكذا خفض تكلفة الدين العام الداخلي للدولة دون أي تأثير إيجابي على المواطن، ولكن يقابل ذلك ضعف القوى الشرائية، ثم الركود ثم تبعات اقتصادية لا يُحمد عقباها.
تعاني العديد من الأسواق المصرية من ضعف القوى الشرائية، فرغم وجود تخفيضات بالأوكازيون الشتوي للملابس هذا العام تتراوح بين 10% و50%، تشكو غرفة الملابس من تراجع الإقبال، مؤكدة أن الركود يسيطر على سوق الملابس بنسبة تقترب من 75%؛ نتيجة تراجع القوة الشرائية للمواطنين.
تدور أفكار الخبراء حول ضرورة إنعاش الاقتصاد بتخفيف العبء الضريبي، وإحياء الطبقة المتوسطة، وتحويل المكاسب الاقتصادية التي تم تحقيقها إلى نمو مستدام بمصر، والانتقال من التعافي؛ نتيجة لتراجع التضخم، إلى التوسع في الإنتاج القائم على التعليم والاستثمار في البشر.






