لا يوجد تنبه كاف لما يحدث حولنا من انقلابات استراتيجية منذرة.

الحرب الإيرانية وما بعدها، سوف يكون انقلابا استراتيجيا، يعيد رسم خرائط المنطقة من جديد لصالح هيمنة إسرائيلية على مستقبلها ومصيرها.

تصور أن شرارات الحرب على إيران لن تصل إلينا بأخطارها المباشرة على أمننا القومي محض وهم مُحَلِق.

التحدي نفسه يتهدد المشرق العربي كله، ما تبقى من فلسطين المحتلة، وسوريا، ولبنان، ممتدا إلى مناطق عربية أخرى، قد تظن بالوهم، أنها بمنأى عن النيران المشتعلة وتداعياتها.

بتوقيت واحد، كأنه إنذار شديد اللهجة، بالانفجارات المحتملة، صدر تصريحان بالغا الخطورة.

الأول، على لسان السفير الأمريكي لدى إسرائيل “مايك هاكابي” متبنيا في حوار أجراه “تاكر كارلسون” مذيع البودكاست الشهير، مقولات اليمين الصهيوني بكامل حذافيرها عن أحقية إسرائيل في ضم مساحات واسعة من الشرق الأوسط استنادا إلى الوعود التوراتية.

بدت هذه التصريحات اليمينية المتطرفة منسوبة إلى مسئول أمريكي مقرب من الرئيس “دونالد ترامب” جديدة تماما على الخطاب الرسمي.

حاولت الخارجية الأمريكية في اتصالات باشرتها مع عواصم عربية عديدة التخفيف من صدمة ذلك التصريح الرسمي.

قالت: “إنه رأي شخصي”، لا أدانته، ولا اعتبرته خرقا فاضحا للقانون الدولي.

الحقيقة، أنه اختير سفيرا في إسرائيل بالأيام الأولى لإدارة “ترامب”؛ بسبب صهيونيته اليمينية المتشددة لا لكفاءته، أو خبرته في العمل الدبلوماسي.

هذا توجه استراتيجي لا انفلات لسان، يحظى بدعم الإدارة الأمريكية، وانعكاساته تتبدى فعلا لا قولا في مواقفها العملية من السياسات التوسعية الإسرائيلية الماثلة، التي تعمل على ضم مناطق واسعة من الضفة الغربية، وفرض السيادة عليها قبل دفع سكانها الفلسطينيين إلى الهجرة القسرية نحو الضفة الأخرى في الأردن.

السيناريو نفسه بالطريقة التي يجري بها تنفيذ خطة “ترامب” في غزة، سوف يفضي بنهاية المطاف إلى تهجير قسري آخر من المدينة المحاصرة والجائعة إلى سيناء المصرية.

الخطر ما يزال ماثلا على الحدود المصرية.

أي استبعاد لاحتمالاته وسيناريوهاته خطيئة سياسية متكاملة الأركان.

سيناريوهات مقاربة في مستوى خطورتها قد تحدث بسوريا، التي لم يتورع “ترامب” عن القول علنا، بأنه اختار “أحمد الشرع” رئيسا لها.

بقوة حقائق التاريخ القديم والحديث معا، فإن الأمن المصري يبدأ من الشام.

إذا مُزقت سوريا، أو فرضت إسرائيل التطبيع عليها، فإن النتائج سوف تكون وخيمة على مصر وأمنها.

وإذا أُجبر لبنان تحت الضغط عليه بالسلاح والدبلوماسية معا لنزع سلاح حزب الله، فإن ضم أجزاء من أراضيه، سوف يحدث دون قدرة على حفظ سلامة البلد.

هناك سيناريوهات أخرى محدقة أخطرها تفجيره من الداخل.

هكذا فإن الوقائع على الأرض تدفع للاعتقاد، بأن مشروع الشرق الأوسط الجديد يمضي قدما دون مقاومة عربية تذكر.

المطلوب الآن ضرب اللاعب الإيراني وإخلاء المنطقة كلها من أي سلاح، قد يستخدم ضد الهيمنة الإسرائيلية المنتظرة على مصايرها.

بالتزامن بدا التصريح الثاني، على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” هذه المرة، تعبيرا عن رؤية إسرائيلية جديدة لإعادة ترتيب الخرائط والتحالفات بعد ضرب إيران.

دعا “نتنياهو” علنا إلى إنشاء محور، أو شبكة علاقات ومصالح في مواجهة المحور الإيراني الشيعي “والمحور السني” قيد التشكل معا.

الكلام بنصه يؤذن بحرب مفتوحة مع الدول الثلاث الرئيسية المتضررة في أمنها وأدوارها “مصر، والسعودية، وتركيا”، التي يصنفها “نتنياهو” كمحور “سني” قيد التشكل.

تواترت إشارات عن تحالف محتمل بين هذه الدول لمواجهة مشروع التوسع الإسرائيلي في البحر الأحمر عبر التمركز بـ”أرض الصومال” والتداخل بالإسناد والدعم لجميع الحركات الانفصالية في جنوب اليمن، والسودان، حتى الجزائر في شمال إفريقيا!

باتساع مدى الاشتباك داخلة فيه قضية “السد الأثيوبي” تجد مصر نفسها أمام تحدي وجودي، أن تكون، أو لا تكون، أن تحفظ أمنها، أو أن يُهدر تماما كما لم يحدث من قبل.

كلام “نتنياهو” يعبر عن قلق متزايد من بناء محور جديد في المنطقة، يناهض مشروعاته التوسعية وضم الأراضي بالقوة وفرض “الحقبة الإسرائيلية” عليها.

كما أنه يعبر، عن توجه استراتيجي جديد لبناء منظومة كاملة من التحالفات، تضم دولا عربية وإفريقية وآسيوية، لم يسمها باستثناء “الهند”، لكن يمكن استنتاج بعضها، بالإضافة إلى دول في حوض البحر المتوسط “اليونان، وقبرص”.

السؤال هنا: ما حقيقة العلاقات معهما؟

لقد حصلتا من مصر على أكثر مما يحق لهما من عوائد غاز المتوسط؟

يستلفت الانتباه في المحور الإسرائيلي المزمع الانتقال الحاد من طلب التطبيع مع السعودية إلى إعلان العداء معها.

أشار “نتانياهو” بصراحة كاملة إلى طلب عداء آخر مع تركيا متجاهلا أي إشارة لمصر خشية العواقب المباشرة على خططه، رغم أنها في قلب الاستهداف.

الأخطر من ذلك كله اتساع مفهوم المحور الإسرائيلي المقترح، ليضم قوى دولية ذات ثقل استراتيجي واقتصادي مثل الهند، كما لو أن طموح “نتنياهو” بات يتجاوز الشرق الأوسط إلى الشرق الآسيوي.

استبق زيارة رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” الوشيكة لإسرائيل ليعلن عن محوره الجديد.

ربما تكون هناك تفاهمات، جرت ويبقى الإعلان الرسمي عن تأسيسه وسط مظاهر الاحتفاء بتوقيع اتفاقيات اقتصادية وعسكرية أهمها الاستفادة الهندية من تكنولوجيا السلاح الإسرائيلية، أو بالأحرى الأمريكية.

ربما أراد “مودي” من زيارته لإسرائيل للمرة الأولى بعد الحرب على غزة مد جسور التفاهم مع الولايات المتحدة لتخفيض التوترات الاقتصادية والاستراتيجية عبر البوابة الإسرائيلية.

يفترض أن تكون الكلفة باهظة من إقحام الهند بملفات الشرق الأوسط كطرف يعادي القضية الفلسطينية، لكنه استضعاف العالم العربي وقد وصل ذروته.

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت الهند بجوار مصر ويوغوسلافيا السابقة بخندق واحد، دفاعا عن التحرر الوطني وحق شعوب العالم الثالث في تقرير مصيره بنفسها.

إثر توقيع “كامب ديفيد” خسرت مصر مواقعها الاستراتيجية في العالم الثالث.

التاريخ لا يعرف الفراغ، أو الارتهان لذكرياته.

تقدمت إسرائيل لملء الفراغ، وكانت فاتورة الخسائر فادحة، حتى وصلنا إلى لحظة لم يعد ممكنًا

عندها تجاهل الحقائق وإنكار التحديات الوجودية، التي توشك أن تداهمنا بأخطارها المروعة.