في لحظة سودانية شديدة التعقيد، تتحدث تسريبات سياسية عن قرب حل مجلس السيادة الانتقالي، وتشكيل مجلس تشريعي عبر تعيينات من السلطة الحاكمة، تمهيداً لمسار انتخابي في مستويات مختلفة، سيناريو يبدو مألوفاً في فترة ما بعد ثورة ديسمبر 2019 م، وفي تجارب إفريقية أعقبت انقلابات عسكرية، حيث تُستخدم الانتخابات الديكورية والمؤسسات الشكلية لإضفاء شرعية على موازين قوى لم تُحسم سياسياً.

لكن المختلف في السودان أن هذه “الوصفة” تُطرح قبل نهاية حرب مدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، وفي ظل انقسامات سياسية وجهوية وعرقية، وتحت مظلة تدخلات إقليمية ودولية غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث.

هنا لا يدور النقاش حول انتقال سياسي عادي، بل حول سؤال أكبر هل السودان أمام إعادة تشكيل السلطة.. أم إعادة تأسيس الدولة؟

الحرب التي تغيّر طبيعة الدولة

لم يعد الصراع السوداني مجرد تنازع داخلي على السلطة بين مؤسستين عسكرية وشبه عسكرية، بل تحوّل إلى منظومة نزاع إقليمية معقدة تتشابك فيها ثلاثة عناصر بنيوية:

 أولهم صراع احتكار العنف والسيادة داخل الدولة.

والثاني اقتصاد حرب عابر للحدود يقوم على الذهب والتهريب والتمويل غير المشروع.

والثالث تدخلات إقليمية ودولية مستدامة تعيد تشكيل موازين القوة.

هذه العناصر تجعل أي إعادة تشكيل للسلطة دون معالجة جذورها مجرد ترتيبات مؤقتة، فالوساطة التي تتجاهل اقتصاد الحرب أو الرعاة الخارجيين، لا تنتج سوى هدنة قصيرة.

ولهذا يصبح الحديث عن مجلس سيادي جديد أو انتخابات مبكرة بلا معنى سياسي حقيقي.

خريطة القوى: رفض متبادل ومصالح متقاطعة

أولاً: القوى المدنية

في الوقت ذاته الذي ترفض القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب (صمود)، أي سيناريو يحيل البلاد إلى حكم عسكري منفرد أو غير منفرد، فقد مثلت صيغة الاتفاق الإطاري الموقع مبدئيا في ديسمبر 2022 بين قيادة الجيش وقيادة الدعم السريع شبه العسكرية وعدد من القوى السياسية، صيغة تستبعد الأطراف العسكرية وشبه العسكرية من مستقبل السلطة، هذه المجموعة تملك سندا إقليميا ودوليا كبيرا، وتعاني من صعوبات الحرب.

ثانياً: الكتلة الديمقراطية وحلفاء الأمس

ترفض مكونات أخرى فيما يسمى (الكتلة الديمقراطية) التي دعمت الانقلاب العسكري بقيادة أعداء اليوم أصدقاء الأمس (برهان- حميدتي) في 25 أكتوبر 2021، بينما توافق بعض مكوناتها المتمثلة في أطراف اتفاقية جوبا للسلام، وأبرزهم حركة العدل والمساوة شبه العسكرية بقيادة وزير المالية الحالي (جبريل إبراهيم)، وحركة جيش تحرير السودان شبه العسكرية قيادة (أركو مني مناوي) حاكم إقليم دارفور الحالي، بالتالي من المتوقع حدوث انقسامات في (الكتلة الديمقراطية) هذه الانقسامات تعكس انتقال السياسة السودانية من صراع برامج إلى صراع مصالح.

ثالثاً: تحالف الدعم السريع

مكونات تحالف (تأسيس) الداعمة لقوات الدعم السريع شبه العسكرية، والتي تسيطر على أجزاء من إقليم (كردفان) وأغلبية اقليم (دارفور) غربي البلاد، أيضا ترفض هذه الروشتة، بحسب بعض المصادر، تحدثت إلى منصتكم هذه، ولكن هذا التحالف المدعوم من الخارج يعاني من انقسامات مكتومة وتباينات في الرؤى بين التحالف وبين الحركة الشعبية قطاع الشمال قيادة (عبد العزيز الحلو)، كما يرتبط استمرار التحالف باستمرار قوات الدعم السريع شبه العسكرية التي وجدت إدانات دولية، واتُهِمت بارتكاب مجازر وإبادة جماعية، أيضا وجود ارتباطات اقليمية لها، يرتبط بالخلافات بين القوى الإقليمية المتهمة بدعمها والقوى الاقليمية المناوئة لها، أي هزيمة عسكرية ستفكك هذا التحالف تلقائيا.

على مسافة بعيدة في قلب أوروبا في (فرنسا)، يقف قائد جيش تحرير السودان القوة شبه العسكرية قيادة (عبد الواحد محمد نور)، الذي تسيطر قواته على بعض مناطق دارفور، رافضا روشتة حل مجلس السيادة الانتقالي وتعيين مجلس تشريعي بواسطة الجنرال البرهان، (عبد الواحد) أقرب إلى موقف القوى المدنية الرافضة للحرب، وسوق نفسه كمحايد في الحرب، التجاء النازحين من معركة الفاشر 26 اكتوبر 2025، إلى مناطق سيطرته فرارا من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ووثِقت بواسطة أفراد منها.

على صعيد متصل، يقف أحد فصائل جماعة الإخوان المسلمين بقيادة (علي كرتي)- وزير خارجية سابق، وأعلنت الولايات المتحدة عليه عقوبات- ومتهم هذا الفصيل، بأنه أشعل الحرب، وفق مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي للتحشيد للحرب قبل وقوعها، ورغم مواجهة جماعات الإخوان رفضا واسعا في دول الإقليم (مصر والسعودية والإمارات)، ودوليا الولايات المتحدة الامريكية، تحاول المجموعة إجراء مساومة لتغير الجلد عبر واجهات أخرى، والسماح بتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية على رأسهم (عمر البشير وعبد الرحيم محمد حسين).

يمكن قراءة مسار الأزمة عبر خمسة سيناريوهات رئيسية

1.وساطة شكلية تركز على وقف النار دون معالجة الجذور.

2.هدنة إنسانية بلا مسار سياسي.

3.تقارب مدني بلا أدوات ضغط.

4.استقرار قائم على الصفقات الإقليمية.

5. إعادة هندسة الوساطة عبر عملية سياسية شاملة.

السيناريو الخامس هو الوحيد القادر على إنتاج سلام مستدام، لكنه يتطلب إرادة وطنية ودولية غير متوفرة حتى الآن.

الانتخابات قبل السلام شرعية أم جراحة تجميل

الحديث عن انتخابات في ظل الحرب يحمل مخاطر كبيرة، انتخابات بلا أمن تعني شرعية شكلية، إقصاء قوى رئيسية يعني استمرار الأزمة السودانية، الهيمنة العسكرية وحكم الفرد أو الشمولية تعني إعادة إنتاج الأزمة، تجارب إفريقيا تشير إلى أن الانتخابات في ظل النزاع لا تبني الديمقراطية، بل تؤجل الانفجار.

السودان ساحة صراع محاور

التحول الأخطر في الأزمة السودانية هو تحولها إلى ساحة تنافس إقليمي، الصورة ليست بسيطة، لكنها تقوم على ثلاثة مستويات، دول تدعم الجيش سياسياً أو لوجستياً، ودول تدعم الدعم السريع، وقوى دولية تبحث عن الذهب والمواني والنفوذ، السودان أصبح جزءاً من خريطة الصراع الجيو سياسي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

لماذا تفشل الوساطات؟

تفشل الوساطات؛ لأنها تعالج السطح فقط، لا يمكن وقف الحرب دون إدماج الرعاة الخارجيين في التفاوض، قطع تمويل اقتصاد الحرب، ضبط الحدود وشبكات التهريب، بدون ذلك ستبقى الحرب مستمرة، حتى لو توقفت المعارك مؤقتاً.

هناك اتجاه دولي نحو وقف سريع للقتال عبر صفقات سياسية وأمنية بين الأطراف المتحاربة ورعاتها الخارجيين، قد يحقق هذا هدوءا سريعاً، لكنه يحمل مخاطر خطيرة، تحويل السودان إلى ساحة نفوذ إقليمي، إضعاف السيادة الوطنية، تأجيل التحول الديمقراطي، وهو نموذج شهدته دول عديدة بعد الحروب.

العملية الأممية متعددة الأبعاد ضرورة لا خيار، وتابعنا إفراد جلسة في مجلس الأمن الدولي للقضية السودانية، في ظل تراجع مؤسسات الدولة وتصاعد التمزق الاجتماعي، يصبح الدعم الدولي المؤسسي ضرورة استراتيجية عبر عدة عناصر إصلاح أمني شامل، دونه يكون سيناريو التقسيم الليبي حاضرا، عدالة انتقالية ومحاسبة، وجدول زمني ملزم للانتقال المدني، وتفكيك اقتصاد الحرب، وتمكين القوى المدنية، هذا الدور ليس وصاية، بل إطاراً لضبط النفوذ وحماية المسار الوطني.

السودان أمام مفترق طرق

شرعنة الحرب عبر مؤسسات شكلية، أو تجميد الصراع عبر صفقات خارجية، أو إعادة تأسيس الدولة عبر عملية سياسية شاملة.

الطريق الثالث هو الأصعب.. لكنه الوحيد القادر على إنقاذ السودان.

إعادة تشكيل السلطة أم إعادة تأسيس الدولة

إعادة تشكيل السلطة قد تنتج حكومة جديدة، لكنها لن تنهي الأزمة، ما لم تتغير بنية الدولة نفسها، فالمشكلة ليست فيمن يحكم، بل في من يملك السلاح، من يملك المال، من يملك القرار.

إذا لم تُحسم هذه الأسئلة، ستظل السلطة تتغير، بينما تبقى الحرب.

آخر قولي السلام ليس وقف إطلاق النار فقط، والسلام في السودان لن يتحقق بانتخابات مبكرة ديكورية، تُرَج فيها الصناديق، مثلما كان يحدث في عهد البشير والإخوان، ولا بصفقات إقليمية.

السلام الحقيقي يعني، دولة تحتكر السلاح، اقتصاد بلا ميليشيات، عقداً اجتماعياً جديداً، السودان لا يحتاج إعادة تشكيل السلطة.. بل إعادة تأسيس الدولة، وإلا فإن كل مجلس سيادي يتم حله وبِزة عسكرية تُبَدل بزي مدني، ومجلس تشريعي معين من الموالين، سيكون مجرد محطة أخرى في طريق عدم الاستقرار.