في وقتٍ يشهد فيه العالم تحولات سكانية “ديموجرافية”، تبرز إفريقيا كخزان بشري، يتمتع بأصغر متوسط أعمار عالمياً، يبلغ نحو 19 عاماً، غير أن هذه الميزة الديموجرافية تقابلها تحديات جسيمة، في مقدمتها ضعف التنمية واتساع رقعة النزاعات والاضطرابات في نحو 15 دولة.

وتقف الأعداد المتزايدة من الشباب عند مفترق طرق، إذ تدفعهم الضغوط الاقتصادية والنزاعات المسلحة إلى التفكير في الهجرة، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر متزايدة.

شباب إفريقيا بين الهجرة والمخاطر

وفي تقريره الأحدث لعام 2026، يسلط المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية الضوء على تعقيدات حركة البشر داخل القارة وخارجها.

ويساعد التقرير، الذي أعدته الباحثة ويندي ويليامز، ونُشر في 23 فبراير، على فهم التحولات في وجهات المهاجر الإفريقي، ولماذا لم تعد أوروبا الخيار الوحيد، كما كان في السابق.

محركات الداخل: القارة التي تهاجر إلى نفسها

خلافاً للصورة النمطية السائدة في الإعلام الغربي، أن الأفارقة هدفهم الهجرة الى أوروبا كخيار غالب، يؤكد التقرير، أن “إفريقيا تهاجر داخل إفريقيا” حيث يعيش أكثر من 25 مليونا في دول غير بلدانهم الأصلية، واختاروها وجهة للهجرة والعمل، وقد سهلت اتفاقية حرية التنقل هذا التغيير.

وتعد مراكز اقتصادية مثل أبيدجان، وجوهانسبرج، ولاجوس، ونيروبي، نقاط جذب رئيسية لجيل من الشباب، وغالبية هؤلاء من الرجال، ويحمل العديد منهم تعليماً ثانوياً، ويسعون غالباً إلى العمل الموسمي في مراكز اقتصادية إقليمية مثل أبيدجان، وجوهانسبرج ولاجوس، ونيروبي.

مع وجود 600 مليون شخص في سن العمل، ووقوع 12 من أسرع 20 اقتصاداً نمواً في العالم داخل القارة، أصبحت الهجرة الإقليمية محركاً اقتصادياً بامتياز، حيث تُقدر التحويلات المالية الداخلية بنحو 20 مليار دولار سنوياً.

النزاعات والفقر: حين يصبح الهروب هو الحل

يشير التقرير، إلى أن النزاعات في 15 دولة إفريقية، من بينها السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي، أدت إلى تدمير سبل العيش، لتصبح عاملاً رئيسياً في دفع السكان إلى الهجرة.

ويُرجِع التقرير دوافع الهجرة إلى مزيج من الضغوط الاقتصادية والنزاعات، إلى جانب الضغط السكاني، ورغم تحقيق العديد من الدول الإفريقية معدلات نمو اقتصادي ملحوظة، فإن نحو ثلثي المهاجرين الأفارقة يشيرون إلى الضغوط الاقتصادية، باعتبارها السبب الرئيسي للهجرة.

الهجرة
الهجرة الإفريقية بسبب النزاعات والضغط الاقتصادي

ومن المتوقع، أن ينمو عدد سكان إفريقيا بنسبة 70% بحلول عام 2050، ليصل إلى نحو 2.4 مليار نسمة، مع دخول أكثر من 620 مليون شاب إضافي إلى سوق العمل.

وتواجه العديد من الدول الإفريقية تحديات في توفير فرص عمل كافية، ففي جنوب إفريقيا الدولة ذات الاقتصاد القوي والمتقدم، ترتفع معدلات البطالة بين الشباب، بينما تشهد نيجيريا، رغم امتلاكها طبقة متوسطة كبيرة وشريحة واسعة من الشباب المتعلمين، موجة متزايدة من هجرة الشباب إلى الخارج.

التوجهات نحو الهجرة

يشير التقرير، إلى أن الضغوط الاقتصادية والديموجرافية هي الدافع الأساسي لغالبية المهاجرين، فيما تلعب النزاعات دوراً رئيسياً في تفاقم الهجرة، إذ أدت إلى تدمير البنية التحتية وفقدان الوظائف، ما يزيد من انتقال قسري للسكان.

ويتسق التقرير مع النتائج مع استطلاعات عربية ودولية حول الهجرة، فوفقاً لنتائج “المؤشر العربي”، يفكر نحو ثلث الشباب في الدول العربية بالهجرة، مدفوعين بالضغوط الاقتصادية والفجوة بين تطلعاتهم والفرص المتاحة محلياً.

ويأتي تحسين الظروف الاقتصادية كالدافع الأول، بينما تظل أوروبا الوجهة المفضلة، تليها أمريكا الشمالية، وتشمل الدول التي سجلت أعلى رغبة في الهجرة السودان وتونس والمغرب وموريتانيا.

من جهة أخرى، يكشف استطلاع Afrobarometer، أن أكثر من ثلث الأفارقة يفكرون في الهجرة، ويضع واحد من كل خمسة مغادرة بلاده على جدول خططهم الجديّة، مدفوعين بالبطالة والضغوط الاقتصادية، مع تفضيل أوروبا وأمريكا كوجهات أولى، تليها دول داخل القارة.

كما تشير بيانات البنك الدولي، إلى أن تحويلات المهاجرين إلى إفريقيا تجاوزت 100 مليار دولار سنوياً، لتصبح شرياناً اقتصادياً للعديد من الدول، حيث ذهبت أكثر من نصف هذه الأموال (58٪) في عام 2024 إلى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

يعكس ذلك، أن الهجرة لم تعد مجرد استجابة للأزمات، بل باتت جزءاً من التحولات في سوق العمل العالمي، في ظل النمو السكاني السريع والفجوات الاقتصادية بين الدول.

خريطة العبور للهجرة

شهد عام 2025 تحولات في طرق الهجرة، حيث سجلت ليبيا ارتفاعاً بنسبة 63% في عدد المهاجرين (922 ألفاً)، ونسبة كبيرة منهم (36%) فروا من جحيم الحرب في السودان، ويتوزع المهاجرون على بلدان أخرى، وبنسب كبيرة نسبيا من مصر، والنيجر، وتشاد، ونيجيريا.

 بينما تونس والجزائر شهدتا إجراءات مشددة وعمليات طرد واسعة للمهاجرين نحو مناطق صحراوية نائية، مما أثار انتقادات حقوقية دولية.

شهد الطريق من شرق إفريقيا إلى اليمن والخليج زيادة نسبة حالات الغرق، ويعد من أخطر المسارات، هذا بجانب تسريع عمليات الترحيل من السعودية، ما يرفع المخاطر على المهاجرين.

الهجرة
مهاجرون أفارقة بين الحرب والطرد

أما بالنسبة لأوروبا، فقد جرى اعتراض نحو 100 ألف شخص (99,846)، نتيجة لتعزيز الرقابة الحدودية في دول شمال إفريقيا (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا) والسنغال وموريتانيا، بينما كانت الأعداد خلال 2024 تقارب 200 ألف، ويعود الانخفاض إلى تشديد إجراءات مراقبة الحدود.

كما تم تسجيل تشديد مماثل على مسار الهجرة من شرق إفريقيا إلى اليمن وشبه الجزيرة العربية، وهو ما ترافق مع ارتفاع بنسبة 58% في حالات الغرق وتسارع عمليات الترحيل من السعودية.

غير أن تشديد الرقابة أدى أيضاً إلى تحول المهاجرين نحو طرق أكثر خطورة، وزيادة اعتمادهم على شبكات التهريب، مما عزز قوة الشبكات الإجرامية ورفع مستوى المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون.

خارطة العبور للهجرة
ارتفاع الهجرة عبر ليبيا 2025

وتشير البيانات، إلى أن 74% من هؤلاء المهاجرين يعملون، ما يعكس أن الهجرة أغلبها لأغراض العمل، وليست عبوراً إلى أوروبا، رغم تعرض المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى بشكل روتيني لسوء المعاملة.

وجذبت دول شمال إفريقيا المهاجرين من دول جنوب الصحراء الكبرى بفضل اقتصاداتها القوية نسبياً. إلا أن هذا المسار بدأ يشهد تضييقاً، حيث كثفت جميع دول المنطقة باستثناء المغرب، عمليات الطرد القسري للمهاجرين.

أما تونس والجزائر، فقد طرد منها عشرات الآلاف إلى مناطق صحراوية نائية، ويصف الناجون تعرضهم للضرب وانتهاكات أخرى على أيدي قوات الأمن.

بالنسبة لأوروبا، تم اعتراض نحو 99,846 مهاجراً عام 2025، مقارنة بما يقارب 200 ألف في 2024، ويرجع الانخفاض إلى تعزيز الرقابة الحدودية في شمال إفريقيا، بما في ذلك المغرب والجزائر وتونس وليبيا، إضافة إلى موريتانيا والسنغال.

غير أن تشديد الرقابة دفع المهاجرين إلى استخدام طرق أكثر خطورة، وزاد اعتمادهم على شبكات التهريب، ما عزز قوة هذه الشبكات الإجرامية ورفع مستوى المخاطر على حياة المهاجرين.

الاستغلال والحروب البعيدة:

يكشف التقرير عن جانب مظلم وجديد في رحلة المهاجرين، فقد أصبحوا فريسة لشبكات إتجار دولية، تتجاوز حدود القارة، وتشمل رحلات احتيال روسية، استهدفت تجنيد أفارقة (بينهم أكثر من 1000 كيني) للقتال في الحرب الأوكرانية تحت وعود كاذبة بالعمل.

كما وقع آخرون في فخ “مناجم الذهب” الوهمية أو العمل القسري في آسيا، حيث دفع البعض مبالغ تصل إلى 9000 دولار؛ ليجدوا أنفسهم ضحايا لعمليات نصب كبرى.

مع زيادة صعوبة الهجرة النظامية، يعتمد العديد من المهاجرين على المهربين، مما يزيد من خطر الإتجار بالبشر، والعمل القسري.

وفي حالات تعرض مهاجرون للاستغلال في روسيا والسعودية وجنوب شرق آسيا وكندا.

جنوب إفريقيا: المغناطيس الجنوبي

تظل جنوب إفريقيا وجهة كلاسيكية، حيث تستضيف ملايين المهاجرين بصفات هجرة مختلفة، معظمهم من زيمبابوي وموزمبيق، ورغم التحديات الأمنية والترحيل، تظل جنوب إفريقيا المصدر الرئيسي للتحويلات في المنطقة، حيث يرسل المهاجرون منها حوالي مليار دولار سنوياً إلى زيمبابوي وحدها.

يوجد في جنوب إفريقيا نحو 3.96 ملايين مقيم أجنبي، معظمهم من زيمبابوي، وموزمبيق، وليسوتو، ويوجد حوالي 200 الف اثيوبي  و70 ألف صومالي، ويصل إليها سنويا ما بين 10 إلى 50 ألف مهاجر غير نظامي من شرق إفريقيا، والعام الماضي 2025، تم اعتقال وترحيل 7,600 مهاجر غير نظامي، ورغم ظروف جنوب إفريقيا الاقتصادية المرتفعة مقارنة بالدول القارة، فإن اتجاه الهجرة فيها يرتفع، خاصة بين الشباب.

في نفس الوقت تعد جنوب إفريقيا، من أعلى الوجهات للهجرة في القارة، ومعها كوت ديفوار، وأوغندا، ونيجيريا، وكينيا، بينما أعلى بلدان المصدر، فهي بوركينا فاسو، وجنوب السودان، وزيمبابوي، والسودان، جمهورية الكونغو .

رؤية 2035: هل تنقذ السياسة ما أفسده الفقر؟

يختتم المركز الإفريقي تقريره بنبرة تفاؤل حذرة، ويرى أن المبادرات الجديدة مثل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) من المتوقع، أن تخلق 18 مليون وظيفة بحلول عام 2035، مما قد يمتص جزءاً كبيراً من ضغط البطالة.

كما بدأ الاتحاد الإفريقي في تبني “قانون نموذج للهجرة العمالية” لتوحيد السياسات بين الدول، ويوضح التقرير، أن هجرة إفريقيا في 2026 ليست مجرد أزمة لجوء، ورد على الصراعات، بل يمكن أن تكون ديناميكية اقتصادية تستوعب قوة بشرية، تبحث عن إطار قانوني.

التحدي الحقيقي أمام القادة الأفارقة والمجتمع الدولي، ليس في منع الحركة والهجرة، بل في تحويلها من رحلات موت عبر البحار إلى جسور للتنمية والابتكار داخل القارة وخارجها.

إجمالا، تشير اتجاهات الهجرة، أنها ظاهرة هيكلية مرتبطة بالنمو السكاني والضغوط الاقتصادية والنزاعات، ورغم تشديد الرقابة، تستمر في النمو، مع زيادة المخاطر المرتبطة بها، مما يفرض على الحكومات الإفريقية والمجتمع الدولي تطوير سياسات أكثر توازناً، تركز على خلق فرص العمل، حماية المهاجرين، مكافحة شبكات التهريب، وتعزيز التنمية والاستقرار.