الانكشاف الهيكلي.. لماذا سقطت المؤسسات وبقيت القيمة؟
عند فحص المعطيات الرقمية التي أفرزتها الجولة السابعة لمسح القيم العالمي (2018- 2022) في الحالة المصرية، نجد أننا لسنا أمام مجرد “انخفاض عابر” في مؤشرات الرضا أو الثقة في المؤسسات، بل نحن أمام حالة هيكلية من “الانكشاف المؤسسي”، تضرب وجدان جيل زد في مقتل، إن مفهوم “المظلة” أو “الغلاف الحامي” الذي كانت توفره مؤسسات الدولة ومؤسسة الأسرة والمؤسسات الدينية (رسمية وغير رسمية) والوسيطة (الأحزاب، البرلمان، النقابات) قد تعرض لعملية “تسييل” حادة.
فوفقاً للبيانات الإحصائية، سجلت الثقة في “الأحزاب السياسية” تراجعاً دراماتيكياً؛ حيث عبر أكثر من 80% من المستجيبين من الفئة العمرية (18- 29 عاماً) عن “انعدام ثقة تام” أو “ثقة ضعيفة جداً” في هذه الكيانات، هذا الرقم لا يعكس موقفاً من السياسة بمعناها التقليدي فحسب، بل يوثق حالة “التآكل الهيكلي” للأوعية التي كانت يمكن أن تنظم العلاقة بين الفرد والمجال العام.
هذا الانكشاف المؤسسي يمتد ليشمل المؤسسة التشريعية (البرلمان)، والتي سجلت مستويات ثقة منخفضة تقارب الـ 70% لدى ذات الفئة العمرية، مما يعني أن جيل زد لا يرى في البرلمان إطاراً قادراً على تمثيل طموحاته أو حماية حقوقه. هذا الفراغ المؤسسي وضع الشاب في مواجهة مباشرة مع قوى السوق والتحولات النيو ليبرالية التي تقودها الدولة دون وجود “أنسجة” وسيطة تخفف من وطأة الصدمات المادية.
وبناءً على المعطيات الواردة في مسح القيم العالمي (WVS) والمؤشر العربي، تتجاوز أزمة الثقة حدود المؤسسات التمثيلية (الأحزاب والبرلمان) لتشمل الهياكل التنفيذية والقضائية والدينية، مما يعمق حالة “الانكشاف المؤسسي” التي يعيشها جيل زد:
1- المؤسسات التنفيذية: تعكس بيانات مسح القيم العالمي انخفاضاً مطرداً في مستويات الثقة بفاعلية الأداء الحكومي، وقدرته على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وسجلت البيانات أيضا تراجعاً في الثقة بالمؤسسات القضائية، كما تظهر الأرقام انخفاض الثقة في قدرة الجهاز الإداري للدولة على توفير “الضمانات” أو لعب دور “المظلة الحامية” للفرد.
2- المؤسسات الدينية والاجتماعية، فبالرغم من استمرار “التقدير الرمزي” لها، إلا أن بيانات المؤشر العربي (2022- 2024) ترصد تراجعاً حاداً في الثقة في “المؤسسات الدينية الرسمية” كأدوات للتوجيه الديني أو الاجتماعي، حيث انخفضت هذه النسبة لتتراوح بين 20-25% لدى الفئات الشابة، وسجلت الثقة في “رجال الدين” كمصدر للتوجيه السلوكي انخفاضاً مماثلاً (20- 25%)، مما يعكس رغبة الشباب في استعادة “ذمتهم المستقلة” بعيداً عن الوصاية.
حتى مؤسسة الأسرة، التي كانت تُعتبر “الغلاف الحامي” التقليدي، تعرضت لعملية انكشاف هيكلي، مما دفع الآباء أنفسهم للتركيز على غرس قيمة “الاستقلال” لدى أبنائهم كبديل عن “الامتثال” للمؤسسات المنهارة.
3- مؤسسات المجتمع المدني: تندرج النقابات ضمن المؤسسات الوسيطة التي تعاني من تراجع الثقة بها، حيث لا يرى جيل زد فيها إطاراً قادراً على حماية حقوقه أو تمثيل طموحاته المهنية.
ومن هنا، تبرز “الجبرية الفردية”؛ فبما أن المؤسسات “انكشفت” عجزاً وزيفاً، فإن الفرد يجد نفسه مضطراً لاسترداد سلطة “المعنى” والنجاة وتوطينها داخل “ذمته الفردية”، إن “الانكشاف” هنا هو أحد المحركات لعملية “خصخصة المقدس”؛ حيث لم يعد الدين مشروعاً، تديره مؤسسات متهالكة، بل أصبح ملاذاً سيادياً، يحتمي به الفرد المنكشف هيكلياً.
تهاوي “اليقين التنظيمي” وسقوط الدرع الأيديولوجي
بموازاة الانكشاف المؤسسي الرسمي، حدث ما هو أعمق وأكثر تأثيراً في بنية التدين المصري لدى الشباب، وهو “التآكل الهيكلي” للتنظيمات الإسلامية الحركية وأيديولوجياتها الشاملة. فإذا كانت الدولة قد انكشفت كإطار “رعائي”، فإن الجماعات الإسلامية قد تآكلت كأطر “مرجعية” و”حاضنة” للتدين.
القراءة المقارنة لبيانات المؤشر العربي (2022- 2024) توضح قطيعة حادة؛ حيث تراجعت نسبة الشباب الذين يثقون في قدرة “الأحزاب الدينية” على حل المشكلات الاقتصادية والسياسية إلى مستويات غير مسبوقة (أقل من 15% في بعض الاستطلاعات).
لقد نشأ جيل زد، وهو يشهد “نهاية الأسطورة التنظيمية”؛ حيث تحولت الجماعات من أطر تعد بالتمكين والنهضة إلى كيانات مأزومة، ملاحقة، وعاجزة عن تقديم إجابات واقعية لأزمات البقاء والكرامة، هذا التآكل الهيكلي أدى إلى تحلل “الولاءات التنظيمية” الصارمة التي كانت تقوم على السمع والطاعة.
قطاعات من جيل زد، الذي يتميز بحساسية عالية تجاه “الوصاية”، ولديه تطلع لاستقلالية “الذات”، بدأ ينظر إلى “التنظيم” كقيد، يعوق حركته ويصادر سيادته على فهمه للدين. السقوط هنا لم يكن سياسياً فحسب، بل كان “سقوطاً معرفياً” للأيديولوجيا بوصفها “حزمة مغلقة” من الحقيقة، هذا الانفصال أدى إلى “تحرير المرجعية” (القرآن والسنة) من “أغلال التنظيم”؛ فأصبح الدين طليقاً من قيود الجماعات وأجنداتها، مما سمح بظهور “التدين الخوارزمي” كبديل مرن.
الشاب هنا لم يعد يحتاج لـ “مرشد” أو شيخ أو داعية ليخبره كيف يتدين، بل أصبح يستمد “يقينه” من اتصاله المباشر بالخطابات الدينية التي يختار منها ما يروقه، محولاً حالة “اليتم التنظيمي” أو التآكل المؤسسي إلى “سيادة معرفية” مستقلة.
هندسة الإيمان في فضاء “السيولة”
في ظل هذا “الانكشاف المؤسسي” و”التآكل الهيكلي”، انبثقت آلية جديدة لإدارة الإيمان، نطلق عليها “التدين الخوارزمي” (Algorithmic Religiosity)، هذا المصطلح هو التوصيف الأنسب، لجيل يمتلك “مرجعية صلبة” (القرآن والسنة)، لكنه يرفض “الوصاية المؤسسية”، الخوارزمية هنا ليست مجرد استعارة تقنية، بل هي آلية عمل ذهنية وبيئية مزدوجة، من الناحية الذهنية، يتعامل الفرد مع القرآن والسنة كـ”بيانات ضخمة” (Big Data) أصيلة ونهائية، لكنه يقوم بـ”معالجتها” (Processing) عبر خوارزميات شخصية، تنتقي منها ما يتوافق مع مقتضيات بحثه عن المعنى أو القيمة وحياته العملية وقلق البقاء في سوق نيو ليبرالي شرس.
تشير بيانات مسح القيم العالمي، إلى أن 85% من المصريين لا يزالون يعتبرون الدين “مهماً جداً” في حياتهم، لكن في المقابل، نجد تراجعاً في الالتزام بـ”الرسميات الدينية” التقليدية المرتبطة بالمؤسسات أو التنظيمات، هذا التناقض الإحصائي يفسره “التدين الخوارزمي”؛ فقطاع من الشباب المصري- خاصة في طبقته الوسطى والوسطى العليا- “ينتقي” من المرجعية قيم “الكفاءة”، و”الأمانة”، و”البركة”، و”السكينة” ليوظفها كأدوات في معركته اليومية للنجاح والنجاة، هو يرفض “التفسيرات الجاهزة” التي تقدمها الأطراف المتصارعة، ويصوغ “توليفته” الخاصة التي تضمن له الاتساق الأخلاقي، دون الحاجة لـ “وسيط” سقطت شرعيته في اختبارات الواقع.
وتلعب “الخوارزميات التقنية” لمنصات التواصل الاجتماعي دور “المؤسسة الدينية الجديدة” غير المرئية، هذه الخوارزميات تمد الشاب بتدفق مستمر من المواد الدينية “المشخصنة” (Personalized Content) التي تتوافق مع اهتماماته اللحظية، هذا “المحتوى المنتقى” يعزز لدى قطاع من الشباب شعورهم بـ “الاكتفاء المعرفي الذاتي”، ويجعل من فكرة “الذهاب للمسجد” أو “الانتماء لجماعة” أو الالتزام بحلقة علم شرعي؛ طلباً للمعرفة وتقويما لسلوكه أمراً ثانوياً، فالخطاب الديني بكل أشكاله في الفضاء الخوارزمي متاح، ومرن، وغير مشروط بتبعات تنظيمية، مما يكرس حالة “سيادة المؤمن” على خياراته الروحية وسط عواصف السيولة المعرفية.
خصخصة المعنى
إن النتيجة الأساسية لهذه العمليات هي ما يمكن تسميته بـ”خصخصة المعنى الديني”، لقد استرد قطاع من جيل زد سلطة “تفسير المقدس” من يد المؤسسات الرسمية، ومن يد الجماعات الحركية المأزومة، ومن يد الشيوخ والدعاة والمفتين ومنحها لـ “الذات المؤمنة المستقلة”، هذه “الخصخصة” هي رد فعل طبيعي على حالة “التآكل الهيكلي”؛ فبما أنه لا توجد مؤسسة، تضمن له مستقبله المادي أو جماعة تحمي هويته، فقد قرر أن يكون هو “المرجع” وهو “المختبر” لتجربته الدينية، إننا أمام تحول من “التدين بالامتثال” إلى “التدين بالاستقلال”؛ حيث الفرد هو الذي يمنح المعنى للفعل، وهو الذي يقرر متى، وكيف يشتبك مع الواقع.
تظهر البيانات الإحصائية حول “القيم التربوية” في مسح القيم العالمي (الجولة السابعة) تحولاً نوعياً؛ حيث قفزت قيمة “الاستقلال” كقيمة يرغب الآباء في غرسها في أبنائهم لتنافس قيم “الطاعة” التقليدية. هذا التحول الإحصائي هو “التربة الخصبة” التي نبت فيها التدين الخوارزمي؛ فالاستقلال هنا ليس عن الدين (لا دينية)، بل هو “استقلال في التدين”.
إن جيل زد، بتدينه الخوارزمي، يعيد صياغة العلاقة بين السماء والأرض، واضعاً “الفرد المستقل” في قلب هذا العقد، مسلحاً بمرجعية صلبة لا تتغير (القرآن والسنة) ومرونة خوارزمية لا تنتهي في التطبيق والتكيف.
هذا النمط هو التكيف الطبيعي مع اللحظة النيو ليبرالية الشرسة، و “اللا يقين المعرفي” والجيو سياسي، حيث يتحول الدين من “أداة للسيطرة” (في يد المؤسسة أو الجماعة أو الشيخ) إلى “درع للنجاة” في يد الفرد، وهو ما يمثل التحدي الأكبر والأكثر استدامة لكل المنظومات المتآكلة في مصر المعاصرة.
ويلاحظ أن هذا الانهيار لم يقد إلى اللا دينية، بل أدى إلى “تسييل المعنى”، لم يعد الشاب يرى في “الشيخ” أو “الكادر التنظيمي” مصدراً حصرياً للحقيقة، لقد تفتتت “الكتلة الصلبة” لليقين التنظيمي أو المستند إلى شيخ أو داعية إلى “رقائق فردية” مستقلة، الخوارزمية هنا عوضت غياب “الجماعة” أو تآكل دور المشايخ والدعاة؛ فهي تمد الفرد بمحتوى ديني سيال، غير ملزم، ومتاح للفلترة الشخصية.
لقد سقط “الوعاء” وبقيت “القيمة”، لكنها قيمة، تُدار بعقلية “المهندس” لا عقلية “المريد”.
الفردية الجبرية في مواجهة “ابتلاع الأصول”
هنا نصل إلى جوهر المأزق الذي تصفه الفيلسوفة النسوية نانسي فريزر بـ”ابتلاع الأصول الاجتماعية”، ففي ظل تآكل دور “الدولة الراعية” وتقلص الحماية التي كانت توفرها المؤسسات المختلفة، يجد الشاب المصري نفسه “مجبراً” على الفردية العملية، لأن الرأسمالية المعاصرة في مصر لا تكتفي بفرض شروطها الاقتصادية، بل تلتهم المساحات الاجتماعية التي كان يمكن أن ينمو فيها فعل جمعي.
“الفردية الجبرية” هي سيادة الاضطرار؛ فعندما لا توفر لك الأسرة (رغم الثقة العالية بها بنسبة 94%) ضمانات لمستقبلك، ولا يوفر لك البرلمان تشريعات تحميك، ولا يقدم لك الحزب رؤية تشتبك مع واقعك، فإنك تضطر؛ لأن تكون “وحدة كفائية” مستقلة، والتدين الخوارزمي في هذا السياق هو “الوقود المعنوي” لهذه الوحدة؛ فهو يمنح الشاب معنىً لأفعاله، ويوفر له “سكينة فاعلة”، تساعده على تحمل ضغوط العمل الحر (Freelancing) أو الوظائف الهشة في القطاع غير الرسمي؛ حيث تتركز فيه ٧٥٪ من قوة العمل المصرية، محولاً صعوبات العيش الكريم إلى فعل “تعبدي”، يضمن له السيادة والنجاة.
إن الانكشاف الهيكلي يخبرنا أن جيل زد المصري ليس جيلاً “عازفاً” عن القيمة، بل هو جيل “كاشف” لزيف الوسائط وتآكل الأوعية. لقد انسحب الشباب إلى “مخادعهم الرقمية” ليبنوا حصونهم الإيمانية الخاصة؛ لأن الهياكل الكبرى أصبحت بيوتاً بلا سقوف، ولأن البقاء في زمن اللا يقين يتطلب ديناً يشبه “الخوارزمية”، والتي هي برغم تحيزها، إلا إنها مهمة في عمليتها ومرونتها، والتي تضاد “البيروقراطية” في بطئها وجمودها.
في المقال القادم والثالث في هذه السلسلة، نحلل العلاقة بين النيو ليبرالية وبين التدين الخوارزمي؛ حيث أدي “الزمن النيو ليبرالي” إلى تآكل الحدود التقليدية بين “المجال الخاص” و”المجال العام”؛ فالتدين الذي كان يوماً ما فعلاً جماعياً؛ يهدف في بعض أبعاده للتفاعل مع الحيز العام، أصبح آلية دفاعية فردية للنجاة.






