عندما سئلت هذا السؤال بعد ساعات من بدء حملة القصف الجوي الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أجبت بأنه لا مصر ولا غيرها- بما في ذلك الصين وروسيا وأوروبا، تستطيع أن تفعل شيئا- إذا كان المطلوب هو وقف الحرب والعودة إلى التفاوض، وأن قصارى ما يمكن لبقية دول العالم أن تفعله هو دعوة مجلس الأمن للانعقاد، وإلقاء بيانات تدعو لإنهاء العنف وإحلال السلام، ولعلي أضيف إلى ذلك، أنه ثبت الآن أن ما سبق أن تردد على نطاق واسع من أن السعودية ودول الخليج ومصر، أقنعت الولايات المتحدة الأمريكية بخطورة شن هذه الحرب عليها، لم يكن إلا تسريبات أمريكية كاذبة، هدفها خداع القيادة الإيرانية، مثلها في ذلك مثل مفاوضات مسقط وجنيف وفيينا.
بالقطع هذه الإجابة لا تنفي حاجة كل دول المنطقة وأغلب دول العالم إلى اتخاذ كل السياسات الوقائية من الآثار السلبية للحرب العدوانية على إيران، وهي آثار تتراوح بين الاقتصاد والأمن القومي من ناحية، وبين سلامة المواطنين في الداخل والخارج من ناحية أخرى.
وفي الحالة المصرية بالذات، فإن الملاحة في قناة السويس عرضة دائما للتأثر السلبي باضطراب أو توقف الملاحة في كل من الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر، وهذه كلها ميادين محتملة للمواجهات العسكرية بين أطراف النزاع الحالي، كما أن موارد اقتصادية أخرى قد تتأثر سلبا مثل التحويلات النقدية للمصريين في الخارج، أو التدفقات الاستثمارية الأخرى.
لكن ذلك كله، وبالرغم من أهميته يبقى عاجلا ومؤقتا، أو بعبارة أخرى فهذا هو الجهاد الأصغر، أما الجهاد الأكبر فسوف يُفرض على كل دول الإقليم- وبالذات مصر كما سنرى توا- بعد أن تنتهي هذه الحرب إلى نتيجتها المرجحة، وهي لا تعدو أن تكون واحدة من ثلاث نتائج واردة، فإما سقوط النظام الإيراني الحالي، ليحل محله نظام عميل لأمريكا وإسرائيل، وقادر على السيطرة علي الداخل الإيراني، وإما بقاء النظام الحالي مع رضوخه لكل الإملاءات الأمريكية والإسرائيلية صراحة أو ضمنا، وثالثا تفشي الفوضى والإرهاب، ليس في إيران وحدها، ولكن أيضا في أنحاء الشرق الأوسط من باكستان حتى لبنان، وربما وصولا إلى القوقاز.
على أية حال، فإن محصلة أي من هذه المآلات الثلاثة المحتملة واحدة فيما يتعلق بالمعادلة الاستراتيجية في المنطقة، وهي زوال آخر تحد نشط، أو آخر قوة موازنة نسبيا للتفوق الإسرائيلي الكاسح في منطقة المشرق العربي والخليج وعموم غرب آسيا، وبذلك تنفرد إسرائيل بالسيطرة أو الهيمنة، أو ما تسميه وثيقة الأمن القومي الأمريكي الأخيرة بقيادة الشرق الأوسط، خصوصا بعد أن تصدع التحالف الخليجي الذي تصورته تلك الوثيقة شريكا لإسرائيل في القيادة الإقليمية، وهو التحالف الذي كان مكونا بالأساس من السعودية والإمارات.
هنا يفرض الجهاد الأكبر نفسه على مصر، وعلى غيرها من دول الإقليم التي لا تقبل الدوران في فلك التبعية الإسرائيلية، وهي كما نقول دائما السعودية وتركيا إلى جانب مصر، غير أن حديثنا اليوم يركز على مصر، بوصفها حاليا وفي المستقبل حجر الزاوية في أي ترتيب استراتيجي فاعل، يحفظ التوازن في المنطقة المحيطة بإسرائيل، وأيضا في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وبحكم الجوار المباشر بينها وبين إسرائيل، وبينها وبين قطاع غزة، وبحكم الانغماس التاريخي لمصر في القضية الفلسطينية، وأخيرا بحكم أن إسرائيل هي بطبيعة الأوضاع الجيوبوليتيكية والاستراتيجية منافس خطير لمصر، حتى وإن كانت العلاقات العدائية بين البلدين قد تحولت إلى علاقات سلمية طبقا لاتفاقية السلام القائمة، وترتيبات الأمن المتفق عليها بين البلدين.
من أجل ذلك “الجهاد الأكبر “ تحتاج مصر إلى بناء إجماع في الداخل، يعزز المناعة الذاتية، وهذا يعني عدة مسارات متوازية لتحقيق العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية، ودعم التنمية وحماية حقوق الإنسان، وبذلك تقدم مصر نموذجا، يُبنى عليه التكامل الإقليمي العربي، وفقا لما يسميه مروان المعشر وزير خارجية الأردن الأسبق والخبير الاستراتيجي في معهد كارنيجي حاليا- ونتفق معه فيه- بعقد اجتماعي عربي جديد لمواجهة المشروع الإسرائيلي، أي مشروع إسرائيل الكبرى، الذي لم يعد فقط مشروعا لليمين الإسرائيلي المتطرف بشقيه القومي والديني، ولكن وافق عليه ما يسمى باليسار في بيان يائير لابيد زعيم المعارضة في الكنيسيت منذ أيام، كما حبذه السفير الأمريكي في إسرائيل على نحو ما سمعنا جميعا مؤخرا.
ومثلما أن واجب الوقت يفرض على مصر المبادرة لبناء الإجماع الداخلي، فإنه يفرض عليها للاعتبارات السابق ذكرها المبادرة لبناء اجماع إقليمي، تكون هي نواته الصلبة مع السعودية وتركيا، وذلك لملأ الفراغ الاستراتيجي في المشرق، والذي سيزداد عمقا واتساعا بإخراج إيران من معادلة التوازن، بعد أن سبق إخراج حزب الله اللبناني، وسوريا، ومن قبلهما العراق.
عند هذا الحد، هناك سؤال يفرض نفسه، ويتعلق بالحسابات السعودية التي تبدو متناقضة، فالمملكة كانت مثل كل دول الخليج في حالة عداء للنظام الإيراني، وتتوجس منه شرا، وكان ذلك القلق هو مبعث الانفتاح السعودي على التطبيع مع إسرائيل، وبالتالي، فهي ترحب بسقوط ذلك النظام، فكيف توافق على الدخول في تحالف إقليمي مجابه لإسرائيل التي ساهمت في زوال ذلك الخطر الإيراني؟
بالرغم من الوجاهة الظاهريّة لهذا السؤال، فإن حقائق العلاقات الدولية تجعله سؤالًا غير واقعي، لأن انفراد إسرائيل بالهيمنة على المشرق والخليج، يحجم الدور السعودي كثيرا، بل ويزيح المملكة من دورها القيادي، ومن ثم يقوض مصداقية العائلة الحاكمة، وليس هذا فحسب، ولكن أيضا فإن مشروع إسرائيل الكبرى يشمل أجزاء من شمال السعودية، مثلما يشمل أجزاء من مصر ومعظم سوريا وأجزاء من العراق، وبما أن السعوديين والخليجيين اكتشفوا بعد فوات الأوان، أن سقوط نظام صدام في العراق لم يؤد سوى إلى توغل النفوذ الإيراني، وتصاعد خطره عليهم، فمن المؤكد، أنهم يفهمون الآن، أن زوال التحدي الإيراني لن يؤدي إلا إلى تصاعد الخطر الإسرائيلي على الجميع.
خلاصة القول، إن الظرف يحتم التحرك الفوري، وأن الأرض ممهدة لمبادرة مصرية خلاقة، تعزز المناعة الذاتية في الداخل، وتبني إجماعا استراتيجيا، يكبح التوحش الإسرائيلي في الإقليم.






