أصبحت صناديق الثروة الوسيلة الخليجية الأساسية للتأثير السياسي والدبلوماسي عالمياً مع توظيف رؤوس أموالها لبناء تحالفات صناعية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، وتوسيع النفوذ الاقتصادي، جنبا إلى جنب مع دورها المعهود في توظيف عوائد النفط الضخمة بأنشطة مستديمة العائد.
بحسب شركة “ديلويت“، استثمرت تلك الصناديق 82 مليار دولار أمريكي في عام 2023، و55 مليار دولار أمريكي في الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، ما يمثل نحو ثلثي إجمالي استثمارات الثروة السيادية عالميًا، مع تجاوز استراتيجياتها الآن إدارة الأصول؛ لتشمل توجيه أنظمة الطاقة والصناعات الاستراتيجية.
باتت صناديق الثروة السيادية الخليجية مجتمعةً، تسيطر على نحو ٤٠٪ من أصول صناديق الثروة السيادية العالمية، ووتمثل هذه الصناديق 6 من أكبر 10 صناديق على مستوى العالم، مما يُبرز ثقلها النظامي عالميًا، ويزيد الجدل والقلق حولها حتى في اقتصاديات قوية مثل دول أوروبا.
ما الذي تغير في فكر الخليج؟
أصبحت صناديق الثروة السيادية الخليجية مؤسسات، تُشكّل النظام الاقتصادي، عبر دعم القطاعات غير الناضجة تجاريًا، وتُسرّع من وتيرة تنفيذ المشاريع، وتُهيّؤ بيئات استثمارية جاذبة، تتماشى ونقل التكنولوجيا والمعرفة التشغيلية والقدرات التصنيعية عبر الحدود.
مع تسارع التحول العالمي بقطاع الطاقة، توظف تلك الصناديق رؤوس أموالها طويلة الأجل في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين والمعادن الحيوية والتصنيع الصناعي الأخضر والبنية التحتية للشبكات الذكية، وهي قطاعات تدعم تنويع الاقتصاد المحلي وتوسيع النفوذ الاستراتيجي لدول الخليج في الجنوب والشمال العالميين
ومن المتوقع، أن تسيطر صناديق الثروة السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي على ما لا يقل عن 18 تريليون دولار أمريكي من الأصول بحلول عام 2030، أي بزيادة تقارب 50% عن الوضع الحالي، إّذ تسيطر حالياً على 4.9 تريليونات دولار أمريكي، ما يمثل 38% من إجمالي أصول صناديق الثروة السيادية العالمية، والتي تتركز بشكل أساسي في جهاز أبوظبي للاستثمار، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وهيئة الاستثمار الكويتية.
في العواصم الخليجية الأربع الرئيسية “أبوظبي، والدوحة، والكويت، والرياض”، تمّ وضع استراتيجيات وطنية تحول رأس المال الخليجي من الحفاظ السلبي على الثروة إلى التأثير العالمي الفعال، ما يُعيد تشكيل الاقتصادات المحلية، ويُمكّن من اكتساب التكنولوجيا، ويُعيد تعريف جغرافية التحول بمجال الطاقة.
تكيف تلك الصناديق استثماراتها بقطاعات استراتيجية، مثل الطاقة المتجددة على نطاق المرافق (الطاقة الشمسية، طاقة الرياح)، والهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وأنظمة الشبكات والتخزين، والتصنيع الأخضر (التصنيع المحلي وتوطين سلاسل التوريد)، والمعادن الحيوية والتعدين المرتبط بالتحول في مجال الطاقة، وتكنولوجيا المناخ، والأدوات المالية ذات الصلة (السندات الخضراء، صناديق التحول).
توغل في آسيا
جولي كساب، رئيسة قسم صناديق الثروة السيادية في شركة ديلويت الشرق الأوسط، تقول إن صناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي تتجه شرقاً مع تفوق نمو آسيا على الأسواق الغربية الناضجة في إمكانات النمو المرتفعة، والتركيبة السكانية الشابة، وأسواق المستهلكين المتنامية”.
لا تزال آسيا تمثل نسبة صغيرة من محافظ صناديق الثروة السيادية الخليجية، إلا أن هذه النسبة تشهد نمواً مطردًا، ففي عام 2024، خصصت هيئة أبوظبي للاستثمار الجزء الأكبر من محفظتها لأمريكا الشمالية بنسبة تتراوح بين 40% و60%، بينما حصلت الأسواق الناشئة على نسبة تتراوح بين 10% و20%، وشكلت الأسواق الآسيوية المتقدمة نسبة تتراوح بين 5% و10%.
تختلف المناهج المتبعة من صندوق لآخر، فهيئة أبوظبي للاستثمار تعد مستثمرًا ماليًا بحتًا، بدون مكاتب في الخارج، لذا فهي تسعى دائمًا إلى الاستفادة من الشركاء المحليين”، كما أوضح دييجو لوبيز، المؤسس والمدير الإداري لصندوق الثروة السيادية العالمي.
كيف تعمل صناديق الثروة؟
لا تتوفر بيانات عن صناديق الثروة السيادية سوى رؤية انتقائية ومجزأة، ولا يُعرف إلا القليل عن استثماراتها وعملياتها وإدارتها الداخلية، وهي الغالبية العظمى من الصناديق حول العالم، وهذه الفجوة تخلق فرصًا لاستغلال الأموال لمصالح خاصة.
بصفتها كيانات مملوكة للدولة، تتميز صناديق الثروة السيادية، بقليل من الشفافية، فعلى سبيل المثال، جهاز أبوظبي للاستثمار كان من أقل صناديق الثروة السيادية شفافية، ومعظم أعضاء مجلس إدارته كانوا أعضاءً في كل من العائلة المالكة ونخب الأعمال، قبل أن يتغير مع عضويته بمعهد صناديق الثروة السيادية، ونشره تقارير سنوية، وتأسيس موقع إلكتروني يحتوي على قدر لا بأس به من المعلومات ذات الصلة، بما في ذلك معلومات عن هيكلها الإداري، وفريقها الاستثماري، وإجراءات التدقيق الخاصة بها.
كما هو الحال في معظم دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، كان الرؤساء التنفيذيون لجهاز قطر للاستثمار عمومًا أعضاءً بارزين في العائلة المالكة، وبالتالي يتمتعون بمسئوليات مهمة أخرى.
توظيف الصناديق لنفوذ ناعم
تُمكّن الروابط المؤسسية لتلك الصناديق حكومات الخليج، خاصة الإمارات من توظيف أموالها استراتيجيًا، مما يسمح لها بتوسيع نفوذها الناعم والفعّال بشكل ملحوظ، وذلك من خلال الاستثمارات المحلية والأجنبية في قطاعات مثل التسلح والإعلام والرياضة والتقنيات الحديثة، فضلًا عن التعاون مع جهات فاعلة ذات نفوذ سياسي.
يستخدم الخليج بنجاح صناديقه السيادية لتحويل عائدات النفط إلى نفوذ في السياسة الخارجية عبر أبعاد القوة الثلاثة: القوة الصلبة، والقوة الناعمة، والقوة الحادة “توظيف الأدوات الاقتصادية والمالية بأساليب غير أخلاقية”.
في الوقت نفسه، تسعى هذه الصناديق إلى ضمان بقاء علاقاتها السياسية بعيدة عن الأنظار قدر الإمكان، ولتحقيق هذه الغاية، تتم الاستثمارات في الأسواق الخارجية عبر شركات الأسهم الخاصة أو رأس المال المُخاطِر.
تُعدّ صناديق الثروة السيادية الغنية برؤوس الأموال جذابة للغاية لاقتصاد قوي مثل ألمانيا وشركائها الأوروبيين، لما توفره من إمكانات استثمارية هائلة، وسيولة عالية، وفي أغلب الأحيان، أفق استثماري طويل الأمد، فهي تُتيح فرصًا لتمويل مشاريع البنية التحتية الضخمة، وتعزيز القاعدة المالية للشركات في القطاعات الاستراتيجية، والوصول إلى أسواق منطقة الخليج، مع ذلك، تُشكّل الروابط الوثيقة بين هذه الصناديق وأجندات السياسة الخارجية للدول المعنية تحديًا مزدوجًا لألمانيا والاتحاد الأوروبي.
في أوروبا بدأت نظرات الريبة تتزايد إزاء تلك الصناديق مع مخاوف من تعارض تحركاتها مع المصالح الألمانية والأوروبية، كما هو الحال في مفاوضات المناخ، والتعاملات مع روسيا، وفي نزاعات كالصراع في السودان.
تواجد أوروبي قديم لرأس المال الخليجي
منذ 2018 تكثف الصناديق الخليجية تواجدها الأوروبي، ففي عام 2018 أعلنت شركة مبادلة الإماراتية عن خطط لإنشاء صندوق تكنولوجي بقيمة 400 مليون دولار أمريكي، يهدف إلى الاستثمار في الشركات الأوروبية بطريقة مُوجّهة.
وفي سبتمبر 2025 استحوذت على اثنتين من كبرى شركات إدارة الأصول الأوروبية من خلال إحدى شركاتها التابعة، كما افتتح صندوق الاستثمارات العامة مكتبًا خاصًا في باريس، وأعلن نيته مضاعفة استثماراته في أوروبا، وأعلنت هيئة قطر للاستثمار أيضا عن خطط لتوسيع استثماراتها في الشركات الأوروبية الصغيرة ذات إمكانات النمو العالية، وتعتبر هيئة قطر للاستثمار حاليا المستثمر الأكثر نشاطًا في ألمانيا.
هل الهدف المكسب المالي؟
على مر تاريخ صناديق الثروة السيادية، ساهم غياب أطر حوكمة قوية ومحددة جيداً في خسارة مليارات الدولارات؛ نتيجة لقرارات استثمارية سيئة وسوء إدارة وفساد، فعلى سبيل المثال، خسرت صناديق الثروة السيادية الليبية والكويتية مليارات الدولارات؛ نتيجة استخدام استثماراتها لصالح حلفاء مقربين، أو وسطاء من القطاع الخاص مسئولين عن إدارة موارد هذه الصناديق.
في حالة ليبيا، تورط بنك جولدمان ساكس في سوء إدارة أموال الهيئة الليبية للاستثمار، وفي دعوى قضائية رفعتها الهيئة، قالت إن سوء إدارة البنك تسبب في خسارة 1.2 مليار دولار، وبعد معركة قضائية استمرت عامين ونصف في المملكة المتحدة، بُرئ “جولدمان ساكس” من أي مخالفات، لكن ذلك كشف عن ممارسات البنك التجارية المشبوهة في كسب الهيئة الليبية للاستثمار كعميل.
وفي قضية تخص الكويت، ادّعت دعاوى قضائية، رُفعت في نيويورك، أن إدارة مجموعة توراس- الشركة القابضة لاستثمارات الهيئة الكويتية للاستثمار في إسبانيا- استخدمت شبكة من “الشركات الوهمية والقروض الصورية والاحتيال والاختلاس”، وسرقت 950 مليون دولار.
نتيجة لذلك، خسر الشعب الكويتي 5 مليارات دولار؛ بسبب “سوء إدارة فادح”، وأدت الفضيحة إلى إدانة شخصين بتهم الاختلاس في الكويت، وإلى اتخاذ إجراءات قانونية في عدة دول، وإلى سنّ قانون كويتي جديد، يُلزم البرلمان بالرقابة على قرارات الاستثمار.
رغم ترحيب الدول المضيفة باستثمارات الصناديق الخليجية، إلا أنها أثارت مخاوف صانعي السياسات والفاعلين في السوق، بسبب الدور المهيمن للحكومات الوطنية في إدارة هذه الصناديق الضخمة، وثانيهما يتعلق بمسألة الشفافية والمساءلة، فقد أدى غياب الشفافية في هذه الصناديق العملاقة إلى إثارة نقاش حول التحديات والفرص المتاحة للدول المضيفة.
بالتوازي مع هذا النقاش، برزت مشاعر قوية من الحمائية في بعض الدول الغربية، مدفوعةً بمخاوف تتعلق بالسيادة الوطنية.
تلك المخاوف دفعت العديد من الدراسات التي تناولت الصناديق السيادية عالميا، وليس الخليجية فقط، بأن توصي كل دولة على حدة، بتوخي الحذر في الحفاظ على مصالحها الأمنية عند تقييم الفوائد المحتملة لاستثمارات واستحواذات صناديق الثروة السيادية، وألا تغفل التهديدات الاقتصادية والأمنية لها.






