بين حرب الـ 12 يوما التي اشتعلت في صيف العام الماضي بين إسرائيل وإيران، ولحقت بها أمريكا، وبين الحرب الدائرة حاليا، هناك فارق ليس فقط في حجم الضربات والقوة التدميرية، ولكن أيضا في هدف الحرب المعلن، وهو إسقاط النظام والقضاء على قدراته العسكرية والنووية وليس فقط إضعافه كما جرى العام الماضي.
خطورة الحرب الحالية، أن تداعياتها ستكون خطيرة على كل دول المنطقة في حال سقط النظام الإيراني بالقوة المسلحة، لأن إسرائيل ستعتبر نفسها قوة احتلال، لا تردعها الشرعية الدولية والأدوات السلمية، ولا الأدوات الخشنة والصواريخ البالستية ومشاريع الردع النووية، وستفتح شهيتها على مزيد من العمليات العدوانية التي قد تستهدف دولا أخرى مثل تركيا أو غيرها، وتعود لاستكمال مشروع التهجير الذي توقف مع خطة ترامب لوقف إطلاق النار.
وقد تعمقت في “الحرب الجديدة” بعض ظواهر “الحرب القديمة” فتأكد أكثر حجم التفوق التكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي، كما زادت جراح إيران، بعد أن توالت الاختراقات لأجهزتها العسكرية والمدنية، واستهدفت في اليوم الأول مرشد الجمهورية والقائد الفعلي للبلاد.
لم تحتج إسرائيل لهيكل تنظيمي “طويل عريض” وميليشيا وفصائل مسلحة؛ لكي تخترق إيران، إنما بعض العملاء في الداخل سهلوا مهمة الصواريخ الإسرائيلية والأمريكية تماما، مثلما جرى العام الماضي، حين قامت فرقة كوماندوس تابعة للموساد ذات تدريب عال باستهداف ٢٠ قائدا عسكريا إيرانيا ونحو ١٠ علماء نوويين.
معضلة إيران أنها لم تحاول بين الحربين، أن تحدث اختراقا في علاقتها بدول المنطقة، فتحسن علاقتها بشكل حقيقي مع دول الخليج وتراجع سياساتها في لبنان واليمن، بعد أن خسرت سوريا، إنما اكتفت بتحسينات شكلية وتطمينات مظهرية، لم تبدد مخاوف دول الخليج التي تعمقت أكثر مع الصواريخ الإيرانية التي استهدفتها.
لقد حاولت إيران عقب نجاح ثورتها في ١٩٧٩ ترسيخ نموذجها السياسي وتصدير ثورتها إلى دول المنطقة وفشلت، ثم انتقلت إلى توظيف أذرعها في أكثر من بلد عربي، فدعمت نظام بشار الأسد في جرائمه المخزية بحق الشعب السوري، وتركت جرحا غائرا في نفوس السوريين، كما دعمت حزب الله، حتى انتقل من فصيل مقاوم دعمه اللبنانيون في حرب تحرير الجنوب عام ٢٠٠٠ إلى فصيل مهيمن على القرار السياسي والعسكري، ودخل في حرب “إسناد” لصالح غزة في مواجهة إسرائيل، لم تفد غزة، وأضرت بلبنان ورفضتها الغالبية العظمي من أبناء الشعب اللبناني، وانتهت بأن فقد حزب الله معظم قيادات الصف الأول، وعاد الحزب وكرر نفس الخطأ حين استهدف ببضعة صواريخ مواقع إسرائيلية، فكان الرد الإسرائيلي، كما العادة غير متناسب مع هجماته ودمر أحياء ومناطق في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، وعاد جيش الاحتلال ليسيطر على أجزاء من الأراضي اللبنانية.
والحقيقة، أن الأذرع التي حاربت بالوكالة عن إيران، وتباهى بها قادة طهران، سقطت تباعا، وصارت غائبة أو بالأحرى غير قادرة على التأثير في معادلات الحرب، حتى لو شاركت كما فعل حزب الله أو ربما الحوثي، أما حلفاء طهران فلا زالوا يدعمونها قولا لا فعلا مثل، روسيا والصين، أما باكستان فقد أعلنت في حرب العام الماضي، أنها مع إيران أما هذه المرة فذكرتها، بأنها وقعت معاهدة دفاع مشترك مع السعودية.
لقد صارت إيران تقريبا وحدها في هذه الحرب، وباتت لأول مرة تخوض حربا “بالأصالة” عن نفسها، وليس بالوكالة كما كان يحدث من قبل حين دخلت أذرع إيران في مواجهات كثيرة مع إسرائيل، وظلت طهران تتحرك من وراء الستار.
إن مؤشرات “الحرب الجديدة تقول إن هناك إصرارا أمريكيا إسرائيليا على تغيير معادلة الحكم في إيران، وليس فقط إضعاف قوته العسكرية وإنهاء مشروعه النووي، صحيح أن أمريكا قد تكتفي بتغيير طبيعة النظام وتوجهاته والقبول بقيادة جديدة من داخل النظام القديم، على خلاف إسرائيل التي تعمل على إسقاط النظام بالكامل، ولا تعبأ بأي نتائج أو تداعيات، قد يترتب عليها هذا السقوط من فوضي وإرهاب سيشمل المنطقة كلها.
لقد أرادت أمريكا في حرب العام الماضي، أن “تؤدب” إيران وتقلم أظافرها وتجمد مشروعها النووي، واعتبرت أنها أرسلت رسالة خشنة ستدفعها لمراجعة سياساتها، وهو لم يحدث، أما هذه الحرب فهي تنطلق من أن إيران تجاهلت تحذيرات الحرب الماضية، وأن الهدف لن يكون “التهذيب والإصلاح” كما جرى العام الماضي، إنما العقاب ودفع الثمن وفق عقلية آلة الحرب الأمريكية.
وقد بات أمام إيران خياران لا ثالث لهما، الأول أن يقدم النظام الجديد/ القديم تنازلات حقيقية، ويوقف برامج التخصيب والمشروع النووي، ويجمد إنتاج الصواريخ البالستية، ويعلن توقفه عن استهداف دول الخليج العربي، حتى لو كانت الحجة هي استهداف القواعد الأمريكية؛ لأن أضرار ذلك على إيران أكبر مما يتخيله قادة الحرس الثوري الذين يديرون معارك إيران حاليا.
أما الخيار الثاني، وهو الأسوأ أن تنجح أمريكا وإسرائيل في إسقاط النظام بالقوة المسلحة، وهنا سيكون مستحيل عليهما، أن يحتلا إيران، ولكن سيترتب على هذا فوضى وعنف وانشطار الحرس الثوري ليصبح “حراس”، وسنرى مشاهد أكثر قسوة، مما جرى في العراق عقب الغزو الأمريكي في ٢٠٠٣ من عنف وإرهاب.
على كل من يختلفون مع إيران من عقلاء المنطقة، أن يعوا أن الهدف أن تبقى إيران وتبقى مؤسساتها، لا أن تنهار وتتفكك، والمطلوب تغيير طبيعة النظام وسلوكه، وليس الانتقام من شعبها ومن باقي شعوب المنطقة لصالح مشروع دولة الاحتلال في الهيمنة على شعوب المنطقة.






