في منتصف ليل القاهرة، وبالتزامن مع الذكرى الثانية والخمسين لانتصارات العاشر من رمضان، انطلقت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية لتشن “موجة افتتاحية” تضمنj حوالي 900 غارة على الأراضي الإيرانية.

ومعها انطلقت موجات من الجدل والتحليل والرؤى المتقاطعة والمتصادمة، شارك فيها إعلاميون مصريون وخبراء وسياسيون وغاب الحقوقيون تقريبا، واحتضنتها في غالب الأحيان صفحات الفيس بوك وحسابات منصة إكس، وبالطبع لم تخلُ منها الشاشات ومواقع الصحف والمنصات الإخبارية، وتنوعت الآراء إلى حد القطيعة الكاملة، وتصدر مشهدها تساؤل “أين تقف مصر؟ وما هي سيناريوهات المستقبل “؟

السؤال الرئيس الذي سيطر على ماكينات التفكير لدى النخب، كان موقف مصر وسط تشابكات وتعقيدات المشهد الإقليمي.

ولعبت الأيديولوجيا والارتباطات بمراكز النفوذــ الخليجية غالباـ أدوارا هامة في بلورة وتشكل الآراء والتحليلات المطروحة على موائد الحوار المتعددة.

الهيمنة الإسرائيلية.. الخطر قائم ويتمدد

منذ اللحظات الأولى يمكننا رصد ما يشبه الإجماع، على أن الحرب الأمريكية لا تنطلق بالتأكيد من أرضية الحرص على مصالح الشعب الإيراني.

السفير أيمن زين الدين كتب محللا ومحذرا: “الحرب الحالية- بغض النظر عن رأينا في إيران وطبيعة نظامها وممارساته- لا تسعى لرعاية مصالح الشعب الإيراني، ولا الحفاظ على أمن دول المنطقة، ولا حتى حماية إسرائيل من خطر يهددها، وإنما تستهدف في الحقيقة إزاحة أحد أكبر الحواجز التي تعترض أطماع إسرائيل في الهيمنة والتوسع”.

واعتبر أنه “ينبغي أن يؤخذ حديث القيادات الإسرائيلية بكل جدية، عن أن تركيا هي إيران الجديدة، أو عن تصاعد الخطر المصري، أو عن أن السعودية تختار الاختيار الخاطئ، أو عن الرغبة في بناء تحالف يتصدى لما يطلقون عليه التحالف السني”.

وبلهجة أكثر حدة، قال السفير فوزي العشماوي عقب ساعات من بدء العدوان: “كنت أتمنى أن أقول إنها ساعة الحقيقة بالنسبة لدول المنطقة لإثبات تأثيرها وحرصها على لجم تغول إسرائيل وهيمنتها وجرها للولايات المتحدة في كل معاركها، ولكن للأسف لا فائدة ترتجى ولا أمل يعلق على كيانات مسلوبة الإرادة وغاية ما تملكه هو الشجب والإدانة”.

العشماوي تشارك موقفا تبناه عديدون قائلا: “إيران اقترفت الكثير من الأخطاء والخطايا، ولعبت منذ ثورتها الخمينية دور المزعزع لأمن واستقرار المنطقة من خلال تصدير الثورة ودعم الكيانات الخارجة عن سلطة الدولة”.

الموقف ذاته ــ اتهام إيران بلعب دور مزعزع لأمن المنطقة ــ شدد عليه الإعلامي إبراهيم عيسى الذي دعا صراحة لإسقاط النظام الإيراني، مدعيا أن إيران لم تقدم دعما حقيقيا للقضية الفلسطينيةــ التي هاجم مقاومتها أثناء العدوان على غزة ــ وقال صراحة، أنها “أضعفت العالم العربي.

عيسى اعتبر، أن العدوان الإيراني الصريح على دول عربية وخليجية يكشف: “الغل والكراهية الإيرانية للعرب والعروبة”.

كثيرون ممن انتقدوا النظام الإيراني واتهموه بقمع شعبه ودعم كيانات ميليشياوية توقفوا عندما اعتبروه حقيقة ثابتة، أنه في حال نجاح العدوان الأمريكي الإسرائيلي في إسقاط النظام سيكون ذلك خطوة ناجحة في “مخطط أوسع لإعادة تشكيل المنطقة وفرض الهيمنة الإسرائيلية”، حسب تعبير السفير حسين هريدي.

الكاتب عبد العظيم حماد كان واضحا في فهم ورصد أهمية وجود وبقاء إيران قوية، لصالح مصر قائلا: “سئلت لماذا أقول إن إيران القوية مفيدة لنا استراتيجيا؟ فقلت بدفعها إسرائيل للحرص على السلام معنا دون ابتزاز، كما سبق مثلا التهديد بضرب السد العالي”.

النائب مصطفى بكري كان ممن حذروا من خطورة العدوان على إيران، باعتباره مقدمة نحو الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على المنطقة.

الكاتب أنور الهواري بدوره حذر من مغبة نجاح الجهد الأمريكي الإسرائيلي لإسقاط النظام الايراني وقال: “إذا سقط النظام فلن يقوم بعده نظام، وسوف تذهب إيران مع الفوضى”.

ولخص الهواري ما وصفه بـ”روح الاقليم وضميره ” قائلا: المصري البسيط يقف بقلبه وعقله مع إيران، يحزن لأي نصر تحرزه إسرائيل، ويعلم عن يقين أن قوة إسرائيل خطر على الجميع.

وذهب الكاتب فهمي هويدي بعيدا في هذا الاتجاه ليقول إن “تركيع إيران هو تركيع للأمة العربية قاطبة وسقوطها سقوط لأمة”، يقول إن أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني ليست مجرد هجوم على دولة، بل تهديدا وجوديا للعرب والمسلمين كلهم.

ويحذر من انه ” “إذا سقط النظام في إيران، سيكون نتنياهو ‘مرشداً أعلى وخليفة’ للأمة العربية والشرق الأوسط بأكمله”، ويراه “تمهيداً لإقامة إسرائيل الكبرى”.

د. عبد المنعم سعيد رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم، كان أكثر حدة في مهاجمة النظام الإيراني، حيث اعتبر أن “الحرب الإيرانية الإسرائيلية امتداد لـ 7 أكتوبر”، رغم أنها لم تكن البادئة بالهجوم كما في حالة حماس في السابع من أكتوبر، بل أنها من تلقى الضربة الأولى.

كما توقع أن “إيران ستخسر الحرب إذا لم توجه صواريخها لإسرائيل مباشرة”، في اشارة الي ضربات الحرس الثوري الايراني للقواعد والاصول الامريكية في دول الخليج.

الضربات الخليجية.. ضرورة أم خطا استراتيجي

في بيان رسمي، أعلنت الحكومة المصرية رفضها، لما اعتبرته انتهاكا لسيادة وأراضي دولا عربية شقيقة، وبادر الرئيس السيسي بالاتصال بولي العهد السعودي لتأكيد الموقف المصري الرافض، وهو ذاته الموقف الذي تبناه الأزهر، الذي دعا الي خفض التصعيدــ في حالة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران ــ وأعرب عن “رفضه واستنكاره لانتهاك سيادة الدول العربية، والعدوان على أراضيها ومقدراتها وترويع شعوبها الآمنة”.

وقال إن “هذا الاعتداء” يرفضه الخُلق والدين والقانون، مهما كانت المبررات أو الذرائع أو التعليلات”.

وغير بعيد عن الموقف الرسمي والازهري جاءت تعليقات النخب المصرية على منصات التواصل الاجتماعي، والمنابر الإعلاميةــ أو أغلبها.

الإعلامي عماد الدين أديب بادر بانتقاد السياسة الإيرانية بشدة، معتبراً أن أفعالها “هدمت الثقة مع دول الخليج”.

اما شقيقه فتباكي على دبي في تغريدة على منصة إكس قائلا: “كلما تمت إصابة مَعلم من معالم دبي أتألم من الذكرى الجميلة التي عاصرتها لسنوات في هذه المدينة الآمنة المطمئنة”.

الكاتب عبد اللطيف المناوي اعتبر أن قرار طهران توسيع ردّها العسكري ليشمل دول الخليج العربي ليس مجرد خطأ تكتيكيا عابرا، بل تحوّل إلى خطأ استراتيجي عميق قد تكون كلفته السياسية أكبر من كلفته العسكرية.

وحذر من ان هذا   التوسع قد يحوّل الصراع إلى مواجهة أوسع، وان استمرار إيران في استهداف أراضٍ خليجية، يعني إن خيارات الرد لن تبقى سياسية أو دبلوماسية فقط، ومع كل صاروخ يعبر سماء الخليج، يتآكل هامش المناورة وتزداد احتمالات الانزلاق إلى حرب متعددة الجبهات.

الكاتبة مي عزام تبنت موقفا “وسطيا” رغم رفضها الكامل للعدوان على إيران قائلة: ” تدمير إيران أمر سيئ، وأيضا ضرب أي دولة عربية أمر سيئ.

نجحت امريكا وإسرائيل في تفجير المنطقة وجميعنا أصبحنا رهائن للقرار الإسرائيلي الأمريكي بتفجير المنطقة لصالح إسرائيل..”.

وقالت بخلاف الآخرين إن ” دول الخليج كانت تعرف موعد الضربة الامريكية لإيران وتباركها، القول غير الفعل، يظن البعض انه بعيد عن متناول امريكا مادام يدفع الجزية، لكن على يد ترامب، لن تستطيع أن تغمض عينيك وتنام مطمئنا.

فهو كل لحظة يرفع قيمة الحماية، وسيأتي اليوم الذي سيكون فيه الثمن باهظا حتى أقرب التابعين سيعجز عن دفعه”.

الإعلامي حافظ الميرازي قدم طرحا، يحمل الكثير من الوجاهة: ” عندما يُطلق حزب الله صواريخ من لبنان، أو أطلقتها حماس من غزة والحوثي من اليمن، يُسرع محللون عرب بوصفهم: “الأذرع الإيرانية”.. لكنهم لا يصفون كفلاءهم مستضيفي القواعد العسكرية “بالأذرع الأمريكية”.

بينما اجاب الصحفي احمد عابدين عن السؤال المُضمَر بشكل مباشر ودونما مواربة قد تمليها مراعاة الأشقاء قائلا: ” نشرت القيادة المركزية الأمريكية فيديو لضرباتها على إيران بصواريخ أرض أرض قصيرة المدى، وهو بمثابة تصريح أمريكي، بأنها تستهدف إيران من دول الخليج، عكس ما تروج هذه الدول”.

أما هيئة البث الإسرائيلية، فأعلنت بأن إيران ضربت بمسيرة شقة سكنية في أبوظبي يسكنها إسرائيليون وأصيب عدد منهم.

أمس، استهدفت مسيرة أخرى مبنى في # البحرين اتضح أنه مسكن للجنود الأمريكيين

ربما هذا جزء من سؤال “لماذا يتم استهداف الدول الخليجية بهذه الكثافة”

بينما اعتبر الكاتب مصطفى عبد السلام أن: “منطقة الخليج باتت أمام خطر حقيقي في ظل تنامٍ غير مسبوق للمخاطر الجيو سياسية والأمنية والاقتصادية، وفي ظل عدم وجود خطوط حمراء أمام إيران في الصراع الحالي ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وما ترتكبه إيران من جرائم بشعة بحق دول الخليج الستّ من استهداف صواريخها وطائراتها المسيّرة وحرسها الثوري المواطنين العزّل”.

الكاتب الصحفي تامر شيرين شوقي استخدم اللهجة العامية في تحليله للمشهد قائلا:” أنت مع إيران؟ متخليش حد يسألك السؤال بالصيغة دى.. الصيغة الصح والوحيدة:

أنا ضد إخرائيم “يقصد إسرائيل وتغيير الحروف للتحايل على خوارزميات فيس بوك”.. أنا ضد إخرائيم على طول الخط ضد وجودها ضد شعبها ضد مصالحها ضد خططها ضد من يدعمها ضد كل حاجة تحمل اسمها..”

أما بالنسبة للضربات الإيرانية على المصالح الأمريكية في عدد من الدول العربية فقال:”أنا متفهم الضربات وإن كنت لا أتمناها..”

وبالعامية أيضا علق الكاتب تامر النحاس قائلا: “*متخيل أن وزير الخارجية الامريكي بيبرر الحرب على إيران، بأنهم علموا بنية العدو لضرب إيران، لذلك قرروا ضرب إيران أولا حتى لا تصيبهم رد انتقامي منها !

*متخيل المنطق!

***متخيل حجم التخلف اللي بيسوق أمريكا الآن”؟

وطرح الكاتب والباحث حسن حافظ تساؤلا راه جديرا بالمناقشة قائلا: ” ماذا سيحدث إذا قررت دول الخليج العربية إعلان الحرب على إيران، وانضمت إلى الحلف الأمريكي/ الإسرائيلي، ماذا سيكون موقف القاهرة وقتها؟ سؤال يجب أن يناقش في ظل مؤشرات بأن القادم سيئ على جميع الأصعدة.

الحقوقي البارز خالد على اكتفى بدعاء قصير علي حسابه بفيس بوك:” كل الدعاء لأهالينا وأشقائنا بكل دول الخليج وكل العمالة الوافدة بها، وكذلك الشعب الإيرانى الذي يتعرض للغارات والضربات الأمريكية والإسرائيلية”.

بينما فضل حقوقيون آخرون الصمت ما دفع المحامي أحمد قناوي للتعليق قائلا: “الكثير من الحقوقيين المصريين (بالمعني التمويلي) التزموا الصمت بشأن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، أحترم رغبتكم، بس بلاش تعملوا زعماء سياسيين وقت ما تحبوا، خليكم على المستوى الكامل حقوقيين وبس”.