لا توجد سردية أمريكية، واضحة ومحددة، لتفسير الحرب على إيران.
يوم بعد آخر، وساعة بعد أخرى، يقدم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” سردية جديدة، تعدل بالإضافة والحذف فيما قاله من قبل، كأننا أمام قوة تستعرض عضلاتها بلا أهداف محددة وخطط متماسكة.
لم يكن جادا في مشاركته بالمفاوضات للوصول إلى صفقة مع الإيرانيين قبل الذهاب إلى الحرب.
كانت الحرب خيارا مقررا سلفا والمفاوضات محض خديعة لاكتساب الوقت الضروري لحشد القوات وإحكام الخطط مع شريكه رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”.
من الذي قاد الآخر- “ترامب” النرجسي المتعجرف.. أم “نتنياهو” الصهيوني البرجماتي؟!
بدا مفاجئا تماما أن يجيب “ترامب” على هذا السؤال الحساس في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض أثناء زيارة المستشار الألماني “فريدرش ميرتس”: “أنا الذي دفعت الإسرائيليين لدخول الحرب”!
كان ذلك محض ادعاء، يعرف هو قبل غيره، أنه لا يمت للحقيقة بأدنى صلة.
إنها حرب إسرائيلية، بكامل أهدافها، لا مصلحة أمريكية فيها.
بمعنى آخر، فهي حرب تخوضها واشنطن بالنيابة!
بأي فحص لما جرى فعلا من تفاهمات، استبقت الحرب، فإن اللاعب الرئيسي فيها هو “نتنياهو” لا “ترامب”.
تقوضت تماما الصورة التي حاول الرئيس الأمريكي، أن يبنيها لنفسه رجلا قويا وقادرا على فرض كلمته على الجميع، أو أنه “رجل سلام” ينهي الحروب ولا يشعلها، كما تعهد أثناء حملته الانتخابية، التي أعادته مجددا إلى البيت الأبيض!
ثبت باعتراف “ترامب” نفسه، أنه كانت هناك ترتيبات استغرقت شهورا طويلة للعمليات العسكرية المشتركة ضد إيران، يتولى كل طرف مهاما محددة.
كل ما يفعله “عظيم” و”رائع” ولا يقدر عليه غيره.
“لو لم ألغ اتفاق أوباما مع الإيرانيين عام 2015 لكانت قد حصلت على سلاح نووي في غضون ثلاث سنوات”.
هكذا قال حرفيا في مؤتمر البيت الأبيض مع المستشار الألماني.
“لولا عملية مطرقة منتصف الليل في يونيو الماضي، لكانت إيران قد أنتجت سلاحا نوويا في غضون شهور قليلة”.
كان ذلك محض ادعاء آخر.
السؤال هنا: إذا كان صحيحا أن الغارات الأمريكية، التي قصفت ثلاثة مراكز نووية بالغة التحصين في عمق الجبال، فلماذا التفاوض عليها في مسقط وجنيف؟
المفارقة هنا أن إسرائيل تمتلك ترسانة من القنابل النووية دون مساءلة، أو تفتيش! – كأن من حقها وحدها أن تمتلك الرادع النووي!
المغالطة الأفدح: ادعاء “ترامب” بأن إيران، لا إسرائيل، أصل كل الشرور في المنطقة وراعية الإرهاب في جميع أنحاء العالم وعرابة العبوات الناسفة.
“كان لا بد من فعل شيء ما”.
باسم مكافحة الإرهاب دخل الحرب.
بدت تلك ذريعة إضافية في السردية الترامبية.
في اللحظات الأولى للحرب جرى الوصول إلى المرشد الأعلى “على خامئني” بالاغتيال، وجرى ترك مهمة الإعلان لـ”ترامب” لإرضاء غروره!
من وقت لآخر تتعدل أهداف الحرب ودواعيها.
في البدء قال إنها لـ”حماية المتظاهرين من قمع السلطات الإيرانية”.
لكنه بعد وقت قصير لم يعد يتحدث عن الديمقراطية، أو تمكين الإيرانيين من صنع مستقبلهم بأنفسهم.
قبل الحرب مباشرة تبنى كامل الرؤية الإسرائيلية في إدارة المفاوضات بثلاثة مطالب محددة: تقويض المشروعين النووي والصاروخي، ووقف دعم وإسناد المنظمات المسلحة في فلسطين المحتلة ولبنان والعراق واليمن، أو ما يطلق عليها “الأذرع الإيرانية”.
إنها مطالب “نتنياهو” حرفيا، وهدفها المباشر تقويض الدور الإقليمي الإيراني تماما ونهائيا.
أضيف إلى هذه المطالب إسقاط النظام، قبل أن يستبين أنه هدف بعيد المنال.
تصور “ترامب” أن سيناريو فنزويلا قابل للتكرار، فيما لم يضع الإسرائيليون وقتا في البحث عن أسئلة اليوم التالي.
الهدف واضح ومحدد: كسر إيران وتوظيف الحرب لمقتضى التوسع الإسرائيلي بأية ذرائع للمضي قدما خطوة بعد أخرى في مشروع إسرائيل الكبرى، أو الشرق الأوسط الجديد.
بادعاء لا دليل عليه قال “ترامب”، إنه وجد فعلا من يمكن التحدث معهم من القيادات الإيرانية لعقد صفقة تستجيب بالضرورة لكل ما تريده إسرائيل، غير أنهم بالمفارقة اغتيلوا جميعا!
ثم تبدت مفارقة أخرى بمحاولة اغتيال جميع أعضاء مجلس خبراء القيادة المخول دستوريا اختيار قائد جديد، يخلف “خامنئي”، أثناء اجتماعهم في “قم”، حسب ما أعلنته إسرائيل ونفته إيران
إذا ثبت صحة ما بثته إسرائيل، فإنه اختراق أمني مروع لا تحتمله إيران.
مع من إذن سوف يعقد “ترامب” صفقة؟!
لا أحد هناك.
بعد التدمير الهائل، الذي أحدثته القوات الأمريكية والإسرائيلية المشتركة، يصعب الحديث عن أية مفاوضات، إلا أن تكون استسلاما شاملا، أو خيانة كاملة.
إغواء السيناريو الفنزويلي يهمن عليه دون إدراك للحقائق على الأرض.
فكرته تعود لاقتناعه التام بـ”غباء إدارة جورج بوش- الابن” عندما حلت إثر احتلال بغداد كافة مؤسسات الدولة، خاصة الجيش والشرطة، وتركت البلد نهبا للفوضى المسلحة.
الأفضل كما يرى: البحث عن “متعاونين” من داخل مؤسسة الحكم، لا من خارجه.
لا يعول كثيرا على نجل الشاه السابق، الذي قد يبدو لطيفا بنص وصفه، لكنه لا يتمتع بأي شعبية داخل إيران، تجعله قادرا على الإمساك بمقاليد الأمور.
“تحقيق السلام في المنطقة لم يكن ممكنا، إذا سمحنا لإيران بتطوير مشروعيها النووي والصاروخي”.
كانت تلك المغالطة الكبرى في سردية “ترامب”.
بصياغة أخرى للمغالطة نفسها فـ”الوقت حان للسلام مع السعودية”- حسبما صرح “نتنياهو”.
بنظرة واحدة على أزمات المنطقة المشتعلة، فإنها مرشحة للتمدد والتغول على المشرق العربي كله، سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة والعراق.
غير أنها- بالمفارقة- حسب تصريح “نتنياهو” نفسه “لن تكون بلا نهاية، ونحتاج إلى حسم قريب”.
إنه سلام القوة والإذعان والإذلال، أي كلام آخر محض ادعاء.






