إن الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، والتي أطلق عليها اسم “عملية الغضب الملحمي”، تتجاوز في جوهرها وتأثيراتها حدود الصراع الإقليمي المعتاد في منطقة الشرق الأوسط؛ فهي بمثابة صدمة نظامية هائلة، تُسرّع من تحوّل النظام الدولي من واقع أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة إلى واقع متعدد الأقطاب، يُتنازع عليه بشدة بين القوى الكبرى.
إن قرار شن حرب شاملة لتغيير النظام من الجو، متجاوزاً قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وتفويض الكونجرس الأمريكي، يدل على شرخ عميق في منظومة الحوكمة العالمية التي سادت لعقود، وبالنسبة للقوى التي ترغب في تغيير هيكل النظام الدولي والقوى المتوسطة وحلفاء أمريكا على حد سواء، فإن هذا الصراع لا يتعلق فقط ببقاء الجمهورية الإسلامية كنظام سياسي، بل هو اختبار حاسم وقاسٍ لقدرة الهيمنة الأمريكية على التحمل، ومرونة النظام الاقتصادي العالمي القائم، وجدوى الهياكل الجيو سياسية البديلة التي بدأت تلوح في الأفق.
موت الأحادية القطبية
لقد رسّخت الضربات العسكرية العنيفة على إيران، نهاية ما كان يُعرف بـ “النظام الدولي القائم على القواعد” الذي ساد في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وأدت بدلاً من ذلك إلى ولادة حقبة جديدة، تتسم بالقوة الغاشمة كأداة وحيدة للحسم.
ومن منظور فلسفي وجيو سياسي عميق، ينظر الاستراتيجي الروسي ألكسندر دوجين إلى هذا الصراع، على أنه صدام ميتافيزيقي وحضاري بامتياز. ويصف دوجين النظام الغربي أحادي القطب، بأنه “بعل”- وهو رمز للهيمنة المادية المطلقة التي تتطلب التضحية بالقيم التقليدية والسيادة الوطنية للدول، في هذا الإطار التصادمي، تمثل إيران في نظر دوجين قطباً تقليدياً حيوياً، يقاوم الاستيعاب في المنظومة الغربية.
ويجادل دوجين، بأن استراتيجية الولايات المتحدة المتمثلة في ضربات “قطع الرؤوس” ضد القيادات السيادية، تلغي فعلياً أي قيمة للقانون الدولي، وتؤسس لما يسميه “قانون الغابة”، حيث تُكتب الشرعية فقط من قبل المنتصرين عسكرياً بعد وقوع الحدث، وبالتالي، يرى دوجين، أنه إذا استطاعت إيران الصمود أمام هذا الهجوم الكاسح، فسوف تحطم إلى الأبد هالة التفوق الأمريكي، مما يمهد الطريق لعالم متعدد الأقطاب حقيقي؛ وعلى العكس من ذلك، فإن انهيارها السريع سيعني الخضوع التام لنظام أحادي القطب متجدد.
يلقى هذا المنظور صدىً مختلفاً، ولكنه يتكامل معه في أنحاء الجنوب العالمي؛ حيث يرى مفكرون مثل الدبلوماسي السنغافوري كيشور محبوباني، أن الغرب يرتكب خطأً تاريخياً فادحاً بمحاولته فرض النتائج السياسية بالقوة المطلقة، وبدلاً من تحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة، فإن تدمير إيران سيؤدي إلى تسريع العزلة الأخلاقية والاقتصادية للغرب، مما يدفع القوى الصاعدة في تحالف “بريكس+” إلى بناء أنظمة مالية وعسكرية موازية بسرعة فائقة، تكون منفصلة تماماً عن سطوة الدولار الأمريكي.
يُنظر إلى هذه الحرب خارج الغرب، على أنها المحفز الفعلي للانفصال النهائي بين “الأغلبية العالمية” والنظام الدولي الذي تقوده واشنطن.
الولايات المتحدة: التوسع الإمبراطوري المفرط
بالنسبة للولايات المتحدة، تمثل هذه الحرب محاولة عدوانية لإعادة تأكيد هيمنتها العالمية وفرض نتائجها السياسية في منطقة الشرق الأوسط الحيوية، إلا أنها تنطوي في طياتها على خطر جسيم، يتمثل في التوسع الإمبراطوري المفرط الذي قد ينهك القوة الأمريكية، وقد سعى الرئيس دونالد ترامب من خلال هذه العملية إلى تحقيق أهداف قصوى- تتراوح بين القضاء التام على البرامج النووية والصاروخية الباليستية الإيرانية، وصولاً إلى تغيير النظام بشكل كامل- معتمداً بشكل شبه كلي على التفوق الجوي والبحري الساحق، ومع ذلك، يكتشف الجيش الأمريكي بمرور الوقت، أن القوة التقليدية الساحقة لا تضمن بالضرورة النجاح الاستراتيجي بعيد المدى.
لقد انخرطت إيران مع الولايات المتحدة في ما يمكن وصفه بـ”حرب عصابات تكنولوجية”، مستخدمة هيكل قيادة لا مركزيا للغاية وأسراباً هائلة من الطائرات بدون طيار الرخيصة لموازنة الهيمنة الجوية الأمريكية المكلفة، وتُجبر هذه الاستراتيجية غير المتكافئة الولايات المتحدة وحلفائها على الوقوع في فخ عملياتي واقتصادي مدمر: فالدفاع ضد طائرات “شاهد” المسيرة التي تبلغ تكلفتها حوالي 50 ألف دولار فقط، يتطلب إنفاق ملايين الدولارات على صواريخ اعتراضية متطورة، مثل صواريخ “باتريوت” و”ثاد”، ويمثل النضوب السريع لهذه الذخائر المتطورة أزمة حادة وغير مسبوقة لقاعدة الصناعات الدفاعية الأمريكية، التي تفتقر حالياً إلى القدرة على استبدال هذه الصواريخ بالمعدل السريع الذي يتم استهلاكها به في ميدان القتال.
يُقوّض هذا الاستنزاف المادي والمالي بشكل مباشر الاستراتيجية العالمية الأمريكية الشاملة؛ فكل صاروخ اعتراضي يُطلق في سماء الشرق الأوسط، يُمثّل في الحقيقة ذخيرة ثمينة، لن تكون متاحة مستقبلاً للدفاع عن تايوان في المحيط الهادئ أو لدعم أوكرانيا في أوروبا الشرقية.
ومن خلال توسيع نطاق الصراع ليشمل استهداف البنية التحتية للطاقة ومضيق هرمز– الذي يمر عبره نحو 20% من النفط المتداول عالميًا- نجحت إيران في تسخير الاقتصاد العالمي كسلاح ضاغط ضد واشنطن، إن الارتفاعات الحادة الناتجة في أسعار الطاقة العالمية تهدد بإشعال فتيل ركود اقتصادي عالمي، وتأجيج حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي الداخلي داخل الولايات المتحدة نفسها، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى ما يصفه بعض المحللين بالانهيار الداخلي لـ”الإمبراطورية المالية” الأمريكية؛ نتيجة لضغوط الحرب والديون.
الصين: الواقعية الجيو اقتصادية
بينما ترى الولايات المتحدة إلى إيران في المقام الأول، على أنها تهديد أمني وجودي، تنظر الصين إلى الجمهورية الإسلامية من منظور “الواقعية الجيو اقتصادية” وضرورة الاستقرار الاستراتيجي طويل الأمد لضمان صعودها الاقتصادي.
ينظر الاستراتيجيون الصينيون، ومن أبرزهم وانج ييوي- المنظر الأساسي لمشروع الحزام والطريق، إلى إيران، باعتبارها “عقدة ذهبية” لا غنى عنها في مبادرة الحزام والطريق؛ فهي تمثل جسراً قارياً بالغ الأهمية يربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط، مما يسمح للصين بتجاوز نقاط الاختناق البحرية التقليدية التي تهيمن عليها البحرية الأمريكية بقوة.
يُشكّل هذا الصراع العنيف معضلة معقدة أمام صناع القرار في بكين؛ فمن جهة، يُهدد تدمير البنية التحتية الإيرانية أمن الطاقة الصيني بشكل مباشر، إذ تستورد الصين نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، كما أن زعزعة استقرار إيران تُعرّض مليارات الدولارات من الاستثمارات الصينية للخطر، وتُهدد بتصدير الفوضى السياسية والاجتماعية إلى منطقة آسيا الوسطى، التي تُجاور إقليم تركستان الشرقية الحساس أمنياً، ونتيجة لهذا الخطر، اتجهت بكين نحو تسريع بناء “اقتصاد حصين”، معززة اعتمادها على خطوط الأنابيب البرية من روسيا وآسيا الوسطى لعزل نفسها عن الاضطرابات في الممرات البحرية.
وتعتبر الصين بقاء الدولة الإيرانية اختباراً حاسماً لنجاح نظامها المالي البديل، وهو نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود (CIPS)، الذي يسعى إلى تسهيل التجارة العالمية بالرنمينبي وتفكيك هيمنة “البترو دولار” التاريخية.
ومن جهة أخرى، تُحقق هذه الحرب مكاسب جيو سياسية استثنائية وجانبية لبكين؛ حيث يرى باحثون صينيون بارزون، مثل يان شيوتونج، أن إيران تُشكل “عامل تشتيت” حاسماً ومفيداً للقوة الأمريكية، فمن خلال إغراق الولايات المتحدة في مستنقع جديد وطويل الأمد في الشرق الأوسط، تستحوذ إيران بفعالية على القدرة الاستراتيجية الأمريكية، وحاملات الطائرات، ومخزونات الذخائر الحيوية، يمنع هذا الاستنزاف الاستراتيجي واشنطن من تنفيذ خطتها الشهيرة بـ”التحول نحو آسيا”، مما يمنح الصين وقتاً ثميناً وحرية مناورة واسعة لتعزيز وضعها العسكري في بحر الصين الجنوبي وتحقيق أهدافها السيادية المتعلقة بتايوان، لذا تمارس بكين ما يعرف بـ”الصبر الاستراتيجي”، حيث توفر غطاءً دبلوماسياً ومساعدة تكنولوجية مستترة لطهران، بينما تراقب الولايات المتحدة، وهي تستنزف مواردها في حرب استنزاف لا تنتهي.
روسيا: المستفيد الانتهازي
تتصرف روسيا في هذا المشهد المعقد بصفتها المستفيد القوي في المدى القصير من الصراع، مستغلة الأزمة لتسريع زوال الهيمنة الأمريكية التي تضغط عليها في جبهات أخرى.
تتسم علاقة موسكو الحالية بطهران بطابع نفعي وبرجماتي للغاية، ومع ذلك فإن البلدين يجدان نفسيهما متحدين في رغبة مشتركة وعميقة لتفكيك النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ عقود.
تخدم الحرب الحالية المصالح الروسية على جبهات متعددة واستراتيجية؛ ففي المقام الأول، يحوّل هذا الصراع الاهتمام السياسي الأمريكي والمساعدات المالية والذخائر الحيوية المخصصة للدفاع الجوي بعيدًا عن جبهة أوكرانيا، مما يمنح الجيش الروسي ميزة عملياتية كبيرة ومساحة للتنفس في أوروبا الشرقية، ولضمان بقاء الولايات المتحدة متورطة بعمق في الشرق الأوسط، تجاوزت موسكو عتبة استراتيجية مهمة من خلال تزويد إيران بنشاط بمعلومات استخباراتية دقيقة، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية وبيانات آتية عن مواقع السفن الحربية والطائرات الأمريكية في المنطقة، تُمكّن هذه المساعدة الحيوية إيران من شنّ ضربات دقيقة للغاية ضد البنية التحتية للقيادة والسيطرة الأمريكية، مما يحوّل الصراع فعلياً إلى حرب بالوكالة أوسع نطاقاً وأكثر خطورة بين واشنطن وموسكو.
من الناحية الاقتصادية، تمثل الحرب مكسباً هائلاً وفورياً للكرملين؛ إذ أدى الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز والهجمات المستمرة على منشآت الطاقة في الخليج العربي إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط والغاز الطبيعي عالمياً، وفي الوقت الذي تسعى فيه العقوبات الغربية القاسية إلى الحد من عائدات النفط الروسية، توفر هذه العلاوة الجيو سياسية والارتفاع في الأسعار لموسكو مليارات الدولارات من رأس المال الإضافي لدعم اقتصادها الحربي المنهك.
ومع ذلك، تواجه روسيا أيضًا نقاط ضعف على المدى الطويل؛ إذ إن الانهيار المحتمل للنظام الإيراني سيحرم موسكو من مورد رئيسي للطائرات بدون طيار (مثل شاهد)، وشريك حيوي في عمليات التهرب من العقوبات الدولية، مما قد يضعف التحالف الأوسع المناهض للغرب المعروف باسم “CRINK” الذي يضم الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية.
أوروبا: الشلل الاستراتيجي
بالنسبة للقارة الأوروبية، تُمثل الحرب في إيران أزمة وجودية وعميقة، تُفاقم من هشاشتها الاقتصادية، وتُبرز حالة عدم الأهمية الاستراتيجية التي وصلت إليها. فبسبب افتقارها للقدرة العسكرية المستقلة لتوجيه مسار الصراع واعتمادها الكبير والبنيوي على الاقتصاد المعولم، تُهمّش القارة العجوز إلى حد كبير؛ لتصبح مجرد ضحية للأحادية القطبية الأمريكية ولتداعيات الصراع التي لا تملك السيطرة عليها.
لقد كان الأثر المباشر لهذه الحرب هو تلقي صدمة طاقة مدمرة وغير مسبوقة؛ فبعد قطع إمدادات خط أنابيب الغاز الروسي في عام 2022، أصبحت أوروبا تعتمد بشكل هيكلي وكلي على الغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً، والذي يأتي في معظمه من دولة قطر، وقد أدى الرد الإقليمي الإيراني العنيف، الذي أجبر قطر على إغلاق بعض منشآت الغاز الطبيعي المسال وعرقل حركة المرور الحيوية عبر مضيق هرمز، إلى مضاعفة أسعار الغاز الأوروبية المرجعية (TTF) لتصل إلى مستويات قياسية، بلغت 60 يورو لكل ميجا واط ساعة.
تهدد أزمة الطاقة المستمرة هذه بإطلاق موجة تضخم جديدة، لا يمكن السيطرة عليها، وشلّ ما تبقى من الصناعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتسريع عملية تراجع التصنيع التاريخية في القارة.
من الناحية الاستراتيجية والسياسية، أدى الصراع إلى تعميق الانقسامات الحادة داخل الاتحاد الأوروبي؛ حيث يدعم التكتل الذي يُوصف بـ “الأطلسي الجديد” (والذي يضم المملكة المتحدة ودول أوروبا الشرقية) الحملة الأمريكية والإسرائيلية بشكل عام، معتبراً تدمير المجمع الصناعي العسكري الإيراني خطوة ضرورية لوقف تدفق الأسلحة والمسيرات إلى الجبهة الروسية في أوكرانيا، وفي المقابل، ينظر معسكر “الاستقلال الاستراتيجي”، بقيادة فرنسا وألمانيا، إلى النهج الأمريكي المغامر بقلق بالغ؛ حيث تخشى هذه الدول، من أن استراتيجية “قطع الرؤوس” لن تؤدي إلى نشوء ديمقراطية ليبرالية مستقرة، بل إلى تحويل إيران إلى دولة متصدعة فاشلة. إن حدوث انهيار شامل في إيران- وهي دولة ضخمة يزيد عدد سكانها عن 90 مليون نسمة- سيؤدي حتماً إلى موجات هائلة وغير مسبوقة من اللاجئين نحو الحدود الأوروبية، مما سيشعل أزمات سياسية واجتماعية داخلية حادة ويعزز من قوة اليمين المتطرف المناهض للمهاجرين.
إن إدراك أن واشنطن مستعدة لاتباع سياسات أحادية، تُعرّض الأمن القومي الأوروبي للخطر المباشر دون أي استشارة حقيقية، يُعزز الحجة المتصاعدة القائلة، بأن أوروبا يجب أن تُعسكر بشكل عاجل، وأن تفصل مصيرها الاستراتيجي عن أهواء السياسة الأمريكية المتقلبة وغير المتوقعة.
هل نتحول إلى بنية متعددة الأقطاب؟
تُشكل الحرب المشتعلة على إيران عاملاً محورياً وحاسماً لإعادة تشكيل المشهد الجيو سياسي العالمي برمته، وقد أظهر هذا الصراع بوضوح لدول الجنوب العالمي والقوى المتوسطة الصاعدة، أن المظلة الأمنية الأمريكية التي كانت تُعتبر ضمانة، باتت اليوم تشكل مصدراً متزايداً للمخاطر الجسيمة، بدلاً من كونها صمام أمان للاستقرار العالمي.
حتى دول الخليج العربي، التي أمضت سنوات طوال في محاولة الابتعاد عن الصراعات الإقليمية للتركيز على طموحات التنويع الاقتصادي، وجدت نفسها فجأة منجرفة في مرمى النيران المباشر، حيث استُهدفت مدنها ومنشآتها للطاقة تحديدًا؛ لأنها تستضيف القواعد العسكرية الأمريكية التي انطلقت منها الهجمات.
هذا الإدراك الجماعي الجديد، يُسرّع من عملية تفتت العولمة التقليدية إلى كتل إقليمية متصارعة أو مستقلة؛ فبينما تستخدم الولايات المتحدة تفوقها العسكري التقليدي وأنظمتها المالية المسيطرة وسيطرتها على نقاط الاختناق العالمية كسلاح لفرض إرادتها السياسية، فإن الدول في جميع أنحاء أوراسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية أصبح لديها الآن حافز استراتيجي كبير؛ للبحث عن هياكل اقتصادية وأمنية بديلة، وتُحفز هذه الحرب توسع وترسيخ منظمات دولية بديلة مثل مجموعة “بريكس+” ومنظمة شنغهاي للتعاون، مما يدفع بجهود جماعية حثيثة لإلغاء هيمنة الدولار على التجارة الدولية، وإنشاء سلاسل إمداد مستقلة تماماً عن الغرب، وبناء هياكل أمنية إقليمية، لا تعتمد على دعم أو إذن واشنطن.
في الختام، وبينما تمتلك الولايات المتحدة بلا شك القدرة التدميرية الهائلة الكفيلة بتفكيك القيادة السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية، فإن التداعيات الاستراتيجية الأوسع لهذه الحرب تقوض في الواقع أسس الهيمنة الأمريكية العالمية بشكل فعال، إن هذا الصراع يستنزف الموارد العسكرية والمالية الأمريكية المحدودة، ويدعم بشكل غير مباشر آلة الحرب الروسية، ويمنح الصين متنفساً استراتيجياً، لا يُقدر بثمن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فضلاً عن إلحاق أضرار اقتصادية جسيمة بالحلفاء الأوروبيين التاريخيين.
وبدلاً من إعادة إحياء النظام أحادي القطب، تُسهم الحرب على إيران في ولادة النظام متعدد الأقطاب، وهو النظام الذي صُممت الحرب أساساً لمنع ظهوره، مما يُعيد كتابة ديناميكيات القوة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا في القرن الحادي والعشرين بشكل جذري ونهائي.






