تناول مقال الأسبوع الماضي علاقة “جيل زد” بالمسألة الدينية، ثم تأثير الإنترنت كفضاء اجتماعي ومعرفي بديل على الجماعات السياسية الإسلامية، وأتناول هنا السمات الذهنية والنفسية والتنظيمية لـ”جيل زد” كمعضلة للجماعات السياسية الإسلامية.
فمن يراجع ما رصده علماء الاجتماع والاتصال حول السمات الذهنية والنفسية، والبنى التنظيمية لـ”جيل زد” يدرك للوهلة الأولى، كيف أنه يمثل معضلة أمام الجماعات السياسية الإسلامية، فطبيعة أفراده تختلف إلى حد واضح، عن أولئك الذين تقصدهم هذه الجماعات بالتجنيد، كما أن شكل الحركة التي يتخذها هذا الجيل في العالم الافتراضي، ومن ثم تنعكس على تدابيره في الواقع المعيش، تبدو مغايرة لتلك التي صنعتها وتآلفت معها هذه الجماعات، وهي مسألة يمكن طرحها من خلال النقاط التالية:
1ـ على النقيض من تشكلات الجماعات السياسية الإسلامية تنظيميًا، تبدو مجموعات “جيل زد” على شبكة الإنترنت مجرد هياكل شبكية بلا قيادة، سواء كان مرشدًا أو أميرًا أو قائد جناح أو زعيمًا روحيًا، وفق الصيغة التي يتخذها القائد عند هذه الجماعات، فهياكل هذا الجيل يتم إنشاؤها ذاتيًا، وتسري خارج الهيئات التقليدية سواء كانت جماعات دينية أو أحزاب سياسية أو منظمات مجتمع مدني، وتنفر من آلية التحكم المركزي التي تتسم بها هذه التنظيمات التقليدية.
إن هذا الجيل لا ينتظر تعاليم، إنما يصنع تعاليمه غالبًا، عبر التشارك والتراسل الفوري على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء بإنشاء المحتوى أو التعليق عليه، وإذا تم تنظيم أبناء هذا الجيل، فإن تحركه يأخذ الشكل الأفقي وليس الرأسي، والمرن وليس الصارم، مثلما هو عند الجماعات السياسية الإسلامية، وإن اختار قيادة فتكون دورية، مسنودة إلى الإجماع وليس الغلبة، وتحددها الظروف التي يمر بها هؤلاء.
وينفر أبناء “جيل زد” من السلطة العمودية، والأوامر التي تهبط من أعلى إلى أسفل، ويسعون بلا كلل ولا ملل، وراء بيئة اجتماعية، سواء في العمل المهني أو العمل العام قائمة على الحوار والتشارك والتفاهم والثقة والاحترام المتبادل، وتبادل الخبرات، وإعطاء وزن معتبر للتغذية العكسية أو الارتجاعية أثناء النقاش، دون أن يجعلهم كل ذلك يهملون كل ما يعزز قدرتهم إلى إنجاز المهام.
وبينما تنسج الجماعات السياسية الإسلامية لأفرادها شبكة محددة في التعارف والزواج وأحياناً في التشارك في العمل، وتبني كل هذا بالأساس في الواقع المعيش، نجد أن “جيل زد” يتخذ من الإنترنت فضاء كاملًا للتعارف وبناء الصداقات والزواج والعمل وإقامة علاقات التسوق.
وبالطبع، فإن غياب التنظيم أو وجود اللا تنظيم عند “جيل زد” لا يروق للجماعات السياسية الإسلامية، التي ترى أن التصرف في إطار نظام متماسك أحد ركائز القوة، ولهم حق في هذا، بغض النظر عن أهداف التنظيم أو ملاءمته للمصلحة العامة، من هنا تنظر هذه الجماعات إلى حالة “جيل زد” غير الهرمية وغير المتماسكة، على أنها مكمن ضعفه، فإذا كان حالة اللا نظام تقود إلى تعبئة سريعة، فإنها سرعان ما تتلاشى، دون أن تحفر عميقًا، وفي مراكمة نحو تغيير جذري، مثلما رأينا في الانتفاضات التي قام بها أبناء الجيل.
2 ـ يتميز “جيل زد” بالاتصال الفائق، بينما هو عند الجماعات السياسية الإسلامية بطيء ومحدد القنوات والمسارات، ولذا ينزع أبناء هذا الجيل إلى تحديث مواقفهم وتصوراتهم دون توقف، ويواكبون الموضات المتسارعة، وهي سمة تغيب عند أعضاء الجماعات الإسلامية، وبينما يميل الشباب الرقميون هؤلاء إلى تفضيل المحتوى العفوي السريع، غير الخاضع للمراجعة والانتقاء، تربي هذه الجماعات أبناءها على تقبل ما يتم اختياره لها.
3 ـ يبدو الوعي لدى الجماعات السياسية الإسلامية تاريخي النزعة، وينصرف أغلبه إلى جغرافية العالم الإسلامي، الممتدة من غانا إلى فرغانة، وإذا نظر إلى العالم أو تاريخ الآخرين، فإن نظرته تكون من نافذة سياسية إسلامية، ترى الصراع أكثر من التوافق، وقد تقسم العالم، إن تطرفت، إلى فسطاطين، حسب وصف أسامة بن لادن، بينما “جيل زد” لا يهمل المشتركات الإنسانية، وينشغل بتحقيق العدل والطمأنينة في أي مكان، ويناصر المغلوبين والمهمشين والمهضومين أيًا كان مكانهم أو اعتقادهم.
4 ـ يتمتع أبناء “جيل زد” بعقل نقدي، يجعلهم يشكون في كثير من المسلمات المعروضة أمامهم، ويطرحون الأسئلة حول مختلف القضايا، وينزعون القداسة عن كثير من الأفكار والزعامات، وينفرون من الركود الاجتماعي والسياسي، ويعملون على تغييره، ولا تنطلي عليهم الكثير من السرديات السياسية والدينية الموجودة، ومثل هذه السمة تمثل مشكلة بالنسبة لجماعات تأخذ اتباعها إلى التسليم بخطابها، والسير الأعمى أحيانًا خلف أهدافها وغاياتها، وتضفي على بعض قادتها التاريخيين قداسة، وتبعد عنها كل ما يجرحها، وتغلق الطريق أمام أي مساءلة لأقوالها وأفعالها.
5 ـ ينتهج أبناء “جيل زد” طريقة فردية في التعامل مع المجال العام، حتى في إطار جماعة متفاعلة على شبكة الإنترنت، وينظرون إلى المهمة والمسئولية والوعي من منظور شخصي، ويسعون إلى تحقيق نجاح خاص، يحسنون به شروط حياتهم، ويبدون شكوكًا إلى حد كبير في العمل الجماعي.
وبالطبع، فإن مثل هذا التصور يتناقض مع رؤية الجماعات السياسية الإسلامية، التي تدعو الفرد المنتمي إليها إلى العمل من أجل الجماعة، وتقدر النجاح بأنه للمجموع حتى لو واجه كثير من أفرادها خسائر فادحة، جراء ملاحقة أو مطاردة، أو بسبب كبت القدرات الإبداعية الفردية، إن وجدها لا تتماشى مع التصور العام للجماعة.
6 ـ لا يغلق أبناء “جيل زد” عقولهم أمام التكيف مع المستجدات التي تتوالى، والتعلم المستمر مما يتعرضون له من معلومات وخبرات، وهم في مرونتهم هذه، لا يمكن أن يكونوا صيدًا سهلًا لجماعات سياسية إسلامية، سواء كانت معتدلة أو متطرفة، فمثل هذه المرونة هي إحدى مهارات هذا الجيل في التصدي للقيود والقمع، وإبقاء فرص الفرد قائمة في الحياة، دون انكسار أمام ظروف قاهرة، أو انسحاب؛ بسبب الإحباط واليأس، وهذه المنعة النفسية والذهنية التي اكتسبها هذا الجيل الرقمي، لا يبدو أن أغلب أبنائه لديهم استعداد للتفريط فيها أو التضحية بها، من أجل جماعة أو تنظيم، على النقيض مما كان قائمًا من قبل.
7 ـ يميل أبناء جيل زد إلى أن يكونوا قوة اجتماعية ضاغطة على السلطة السياسية في سبيل تحقيق مصالحهم، ويحشدون جهودهم على هذا الأساس، كي يغيروا دفة النقاش، ويفرضوا طرحهم على صانع القرار، وليس لتحقيق انتصار حاسم ضد السلطة في معارك وجودية، أو حتى تعديل القوانين وتغيير السياسات تمامًا، مثلما يحدث لدى أعضاء الجماعات السياسية الإسلامية، التي لا يرضيها غير إزاحة السلطة نفسها، والإحلال مكانها، سواء من خلال حمل السلاح، أو عبر ممارسة آليات التغيير السلمي، وحتى لو احتشدت هذه الجماعات في بعض الظروف لتكون قوة ضاغطة، فإن هذا لا يمثل لديها مسار التأثير الأخير والأساسي كما هو عند أغلب أفراد “جيل زد”، إنما هو مجرد تدبير مرحلي ومؤقت، قد لا يكون بوسعها القيام بما هو أقوى منه في مرحلة ضعفها، وتسارع إلى تغييره تمامًا إن شعرت ببلوعها مرحلة التمكين.
8 ـ تعرض “جيل زد” لجرعات مكثفة من الخطاب الديني التجاري، وتعززت لديه مظاهر التدين الشبكي الرقمي، الذي يمكن أن يطلق عليه “دين السوق”، حيث يتم إخضاع المحتوى الديني لآليات العرض والطلب كأي سلعة، في ظل استهداف من يقدمونه لجني أرباح من ورائه، وبذا يحرص العارضون على أن يكون خطابهم سريعًا سطحيًا وملائمًا لما يطلبه الجيل الجديد، وخاضعًا، في الغالب الأعم، لشروط البرامج الترفيهية.
بالطبع، فإن هذه السمات والقسمات لا يمكن تعميمها على “جيل زد” برمته، فهناك دومًا استثناءات، تصنعها الفوارق الاجتماعية، والتجارب الشخصية، والظروف المحيطة بالفرد، والمناهل الأخرى التي كان يستمد منها جزءًا من معرفته ومنظومة قيمه، لكن يظل التيار الرئيسي داخل هذا الجيل، لديه ما يشكل معضلة أمام الجماعات السياسية الإسلامية، وأي جماعات أخرى، أو حتى أنظمة حكم تنتهج السبل نفسها، وتؤمن بأيديولوجيات صارمة، وبالطبع فإن هذه المعضلة ستتفاقم مع “جيل ألفا” المولود بين بين 2013 و2025.






