صناعة المعنى في “الزمن النيو ليبرالي”

إذا كان المقال السابق قد حلل العلاقة بين “العُري الهيكلي” الناتج عن تآكل المؤسسات جميعا وبين نشأة التدين الخوارزمي، فإن هذا المقال يغوص في المحركات الاقتصادية لهذا النمط من التدين التي يمكن أن نطلق عليها “الزمن/ اللحظة النيو ليبرالية”، ونحن لا نقارب النيو ليبرالية هنا كجملة من السياسات التقشفية فحسب، بل كـ”بيئة ضاغطة” أعادت هندسة وجدان جيل زد المصري، ودفعته نحو “فردية جبرية” حولت أحد أبعاد التدين إلى “تكنولوجيا نفسية” لإدارة مخاطر البقاء.

إن فهم “التدين الخوارزمي” يقتضي بالضرورة فهم طبيعة “الزمن” الذي نعيشه؛ زمن يبتلع الأمان الجماعي ويقايضه بمسئولية فردية مطلقة وشاقة.. ويمكن رصد هذا التحول عبر بيانات مسح القيم العالمي (WVS) التي تشير إلى تصاعد “قلق البقاء المادي” لدى الشباب المصري؛ حيث تضع الضغوط النيو ليبرالية الفرد في مواجهة مباشرة مع متطلبات السوق دون وسائط حماية اجتماعية.

كما تُقدم بيانات تقرير “ديلويت” (Deloitte 2024/2025) حول جيل زد في مصر صورة لـ “القلق الهيكلي”؛ حيث يشير التقرير إلى أن 52% من أقران هؤلاء الشباب في العالم يعيشون حالة من الاضطراب الدائم بشأن تكاليف المعيشة وضبابية المستقبل، هذا الرقم ليس مجرد إحصاء اقتصادي، بل هو “تربة سيكولوجية” ينبت فيها نمط جديد من التدين.

وعندما تنقاطع هذه البيانات مع مسح القيم العالمي (WVS)، نجد قفزة نوعية في “قيم البقاء المادي” (Survival Values) على حساب قيم التعبير عن الذات، في اللحظة النيو ليبرالية المصرية، يجد الشاب نفسه عارياً أمام السوق، فالدولة تنسحب، والمؤسسات تتهالك، والأسرة- رغم الثقة العالية بها- تعجز عن توفير حماية مادية مستدامة، هنا يبرز التدين الخوارزمي كآلية “صلابة للذات”؛ حيث يستدعي الشاب “المرجعية الصلبة” (القرآن والسنة) ليس لبناء يوتوبيا جماعية، بل لبناء “حصن روحي” داخلي، يمنحه القدرة على الصمود في وجه التضخم وسوق العمل الهش غير الرسمية- أي التي لا تتوفر بها أية ضمانات.

إن “الخوارزمية” هنا هي الأداة التي تحول المطلق إلى “كود تشغيلي” يومي، يساعد على النجاة.

شتات وسيولة الوظيفة

يعيش جيل زد المصري ما يمكن تسميته “السيولة الوظيفية”. تشير تقارير ديلويت إلى أن نحو 46% من هذا الجيل يمارسون أعمالاً إضافية أو حرة (Side Hustles/Freelancing)، النيو ليبرالية حطمت نموذج “الموظف المستقر” واستبدلته بـ”المتعاقد القلق”، هذا الشتات الوظيفي يعني غياب “المجتمع المهني” الصلب؛ فلا نقابات، ولا أحزاب، ولا حتى زملاء مكتب دائمين.

في هذا الفضاء “السيال”- بتعبير زيجمونت باومان- يصبح التدين الخوارزمي هو “المجتمع الافتراضي” البديل، الشاب الذي يقضي نصف ساعات يقظته أمام الشاشات (يقضي الشاب المصري في المتوسط بين ٨ و ٩ ساعات يوميا أمام الشاشات}، يجد في خوارزميات “يوتيوب” و”تيك توك” الدينية ما يروي عطشه للمعنى، والدين هنا يتبع مسار الوظيفة؛ فهو “متنقل”، “مشخصن”، و”متاح “، إنه تدين يتناسب مع إنسان المنصات الذي لا يملك ترف الالتزام ببرامج تربوية طويلة في مساجد أو تنظيمات، بل يقتنص “كبسولات اليقين” ليواجه بها احتراق الأعصاب المهني الذي يعاني منه 50% من أقرانه- وفق إحصاءات الاحتراق المهني (Burnout).

اقتصاد “ذوي العوز” واستقلال الاضطرار

يكشف المؤشر العربي (2025) في الحالة المصرية، أن نحو 60 % من الشباب يقعون ضمن فئة الأسر “ذوي العوز” (الدخل لا يغطي الاحتياجات الأساسية)، هذا الانكشاف المادي يولد ما أطلقنا عليه “الفردية الجبرية”، فعندما يفشل “الكل” (الدولة/ المجتمع/ المؤسسة) في تأمين “الفرد”، يضطر الفرد للسيادة علي نفسه، والتي هي ليست تمرداً أيديولوجياً بقدر ما هي “استقلال اضطرار”.

الشاب المصري يدرك، أن “النجاة” مسئولية شخصية، ومن هنا يبدأ في هندسة تدينه بعيداً عن “الوساطة المؤسسية” التي خذلته معيشيا- أي في جوانب حياته جميعا.

التدين الخوارزمي يمنح هذه الفردية “غطاءً شرعياً”؛ فالنجاح المادي والكفاءة المهنية يتحولان في هذا الخطاب إلى نوع من “العبادة”، وكما سنرى في المقال الرابع من هذه السلسلة، فإن هذا التحول يمثل انتقالا بـ”ذمة الفرد” عن “امتثال الطاعة”؛ حيث يصبح الفرد هو “المختبر” الوحيد لصدق تجربته الدينية بعيداً عن عُهدة المؤسسات المتهالكة.

“ابتلاع الأصول” ونهاية الزمن المستقر

تجادل نانسي فريزر- الفيلسوفة النسوية- بأن النيو ليبرالية تقوم بـ”ابتلاع الأصول الاجتماعية” (Social Cannibalism)؛ فهي تستهلك قدرة المجتمع على إعادة إنتاج نفسه (التعليم، الصحة، الروابط الروحية والاجتماعية) دون أن تعوضها.

وفي مصر، ابتلعت النيو ليبرالية “الزمن المستقر” الذي كان يسمح بنمو “التدين المؤسسي” الهادئ، وقطاعات من جيل زد لا تملك رفاهية الانتظار؛ لذا فإن تدينها “خوارزمي”؛ لأنه “سريع” و”انتقائي”، هم يرفضون النسخ التفسيرية الجاهزة والمغلقة التي تقدمها المؤسسات الرسمية أو التنظيمات الحركية، لأنها “ثقيلة” ولا تتماشى مع سرعة “زمن السيولة”.

الشاب المصري اليوم- أو بالاحرى قطاعات منه- هو “مهندس إيمان” يفكك الخطابات الدينية، ويعيد تركيبها بما يتناسب مع احتياجاته اللحظية، هذا الفعل هو “استرداد” لما ابتلعته النيو ليبرالية؛ إنه محاولة لصناعة “توازن هش” بين يقين المرجعية وبين سيولة الواقع المعاش.

هذا “الانكشاف النيو ليبرالي” أدى إلى تآكل الحدود التقليدية بين “المجال الخاص” و”المجال العام”؛ فالتدين الذي كان يوماً ما- في أحد أبعاده- فعلا جماعياً؛ يهدف للتفاعل مع الحيز العام، أصبح آلية دفاعية فردية للنجاة.

إن التدين الخوارزمي في هذا السياق يعمل في أحد أبعاده كـ”تكنولوجيا نفسية” لإدارة المخاطر، ففي ظل غياب اليقين الاقتصادي وتآكل دور الدولة الرعائية وتراجع المؤسسات، يستدعي جيل زد “المرجعية الصلبة” (القرآن والسنة) ليس لإعادة بناء “المجتمع المثالي”، كما كانت تطرح التنظيمات الأيديولوجية التي تآكلت، بل لبناء “الذات الصلبة” القادرة على الاحتمال. هنا، يتحول “التوكل” إلى “استراتيجية صمود” (Coping Mechanism) تمنح الفرد توازناً نفسياً، في بيئة تتسم بالتنافسية الشرسة وانعدام الضمانات.

إنها فردية “مجبورة” على البحث عن خلاصها الفردي، لكنها “مؤمنة” بمرجعية تمنح هذا الخلاص معنى يتجاوز مجرد الاستهلاك المادي.

البركة والكفاءة كقيم تشغيلية

من أكثر ملامح التدين الخوارزمي انضباطاً هو قدرته على إجراء عملية “انتقاء وظيفي” من داخل الخطابات الدينية لمواجهة استحقاقات الواقع النيو ليبرالي، نحن نرصد هنا تحولاً جذرياً نحو ما يمكن تسميته بـ”خصخصة القيم التشغيلية”؛ وهي منظومة من القيم المستمدة من القرآن والسنة، والتي يتم إعادة تدويرها لتصبح “أدوات نجاة” فردية، وتأتي على رأس هذه المنظومة قيمة “البركة”؛ فالبركة في الوعي الخوارزمي لجيل زد، ليست مجرد زيادة غيبية، بل هي “خوارزمية تعويضية” تهدف لترميم النقص الهيكلي في الموارد المادية وغياب العدالة التوزيعية.

فالشاب المصري الذي يواجه تضخماً اقتصادياً وانسداداً في قنوات الترقي والحراك الاجتماعي، يلجأ لليقين بـ”البركة” كعامل “غير مادي”، يمنح فعله اليومي جدوى واستمرارية. وبموازاة ذلك، تبرز قيمة “الكفاءة” و”الإتقان” كفعل تعبدي، ولكن كخادم أيضا للاندماج في السوق المعولم.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ “تسييس الكفاءة”، وهو في جوهره رد فعل على “التآكل الهيكلي” للمؤسسات التي تقوم على المحسوبية أو الولاءات الضيقة، مجموعات من جيل زد ترى في “التميز المهني” و”الأمانة الأخلاقية” وسيلة لانتزاع استقلالها الذاتي في سوق عالمي عابر للحدود (مثل العمل الحر عبر الإنترنت Gig Economy)، التدين هنا يصبح “كوداً أخلاقياً” للنجاح؛ فالمؤمن الخوارزمي هو الذي ينتقي قيم الإتقان ليوظفها في بناء علامته التجارية الشخصية أو جودة برمجياته، هذا النمط من التدين “الوظيفي” يقلب الطاولة على الخطاب التقليدي؛ فالدين هنا يصبح “محركاً” للنجوب وسط ركام النيو ليبرالية، محققاً حالة من “السيادة المؤمنة” التي تستمد شرعيتها من الإنجاز المادي المرتبط بالمرجعية الأخلاقية.

بيئة “الخوارزمية” واستبدال الوسائط التقليدية

لا يمكن فهم استمرارية التدين الخوارزمي دون تحليل “البيئة التقنية” التي يعمل ضمنها سوسيولوجيا الإعلام الرقمي، والتي تظهر أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي (تيك توك، يوتيوب، إنستجرام) قد قامت بعملية “إزاحة هيكلية” للمؤسسة الدينية التقليدية (المسجد/ الكنيسة)، وفي ظل “الانكشاف المؤسسي”، لم يعد المسجد/ الشيخ هو الفضاء الوحيد أو الأساسي لإنتاج المعرفة الدينية، بل أصبحت “الخوارزمية” هي المفتي والواعظ والمربي، هذه الخوارزميات تقدم لجيل زد تديناً منزوع السياق (Decontextualized)، ومشخصناً (Personalized) يتغذى على “البيانات السلوكية” للفرد.

في التدين الخوارزمي، يتم عزل النص، أو الفتوى، أو المقطع الديني عن سياقه التاريخي، أو الفقهي، أو المقاصدي الذي كُتب فيه أصلاً، وتُقدم الخوارزميات مواد دينية في شكل “كبسولات” قصيرة أو مقاطع “تريند”، حيث يتم “انتشال” الفكرة من منظومتها الكبرى لتقدم كإجابة فورية على قلق لحظي.

هذا النمط من التدين “المبثوث” عبر المقاطع القصيرة والكبسولات السريعة، يتوافق تماماً مع “الجبرية الفردية”؛ فهو تدين “لا يطلب انضواءً” في تنظيم، ولا “التزاماً” بهيكل إداري، ولا بشيخ وحيد، بل يطلب “تفاعلاً” (Engagement) نشطا، وتعزز الخوارزمية “سيادة الفرد”؛ فهي تمنحه شعوراً زائفاً بالاكتفاء المعرفي، حيث ينتقي من المشايخ والدعاة من وما يتوافق مع “خوارزميته الذهنية” وتحدياته الواقعية.

هذا التشرذم في مصادر التلقي قد يؤدي إلى تفكك “الكتلة المؤمنة” وتحولها إلى “شبكات ذريّة”، تتوحد فقط حول “المرجعية الصلبة” عند الأزمات الكبرى، لكنها تظل في حياتها اليومية تمارس تديناً “مفصلاً على مقاس الفرد” واحتياجات نجاته.

“سيادة المؤمن” كفعل مقاومة في سياق العجز

يمثل التدين الخوارزمي- وفق هذا التحليل- محاولة لاستعادة “السيادة الفردية”، في عالم يحاول تجريد الفرد من فاعليته، النيو ليبرالية تحاول تحويل الشاب إلى “رقم استهلاكي”، والسلطة جعلته “رعية”، والتنظيمات اعتبرته “ترس في ماكينة” التنظيم، والمؤسسات الدينية نظرت إليه مجرد متلق.. في حين أنه متفاعل على أدوات السوشيال ميديا، وأمام هذا الرباعي، يبرز التدين المستقل كفعل “اعتصام سيادي”، الشاب الذي يتمسك بالقرآن والسنة كمرجعية، بينما يرفض الوسائط والأشكال التقليدية، هو في الحقيقة يمارس “استقلالية أخلاقية”، تمنحه الحق في الحكم على الواقع، بدلاً من التماهي معه.

هذا التدين هو “عقد نجاة” يبرمه الفرد مع المطلق لمواجهة القسوة التي تنهشه، إنه رد فعل على “التآكل الهيكلي” الذي عجز عن مواجهة هذه القسوة النيو ليبرالية؛ فبما أن الهياكل المادية والاجتماعية قد خذلت الفرد، فقد قرر أن يبني هياكله الإيمانيّة بنفسه، مستخدماً “كوده المرجعي”.

إن قوة هذا التدين تكمن في كونه “غير قابل للاحتواء” من قبل الدولة أو الموسسة الدينية أو التنظيمات، فهو تدين منتشر، خوارزمي، ويجد في “الاستقلال” عبادة، هذا الجيل، بتدينه الخوارزمي، لا يهرب من الواقع، بل “يعيد هندسته” من داخل نفسه، صانعاً توازناً هشاً- ولكنه صامد- بين يقين المرجعية وسيولة النجاة.

إن التحدي الذي يطرحه هذا النمط هو أن التدين لدى قطاع من جيل زد المصري، ممن ينتمون للطبقة المتوسطة والمتوسطة العليا، لم يعد “ظاهرة هوياتية” فحسب، بل هو “بنية اقتصادية- نفسية”؛ تهدف لمواجهة أزمات البقاء، التدين الخوارزمي هو لسان حال الفرد الذي يقول: “سأنجح في هذا العالم الظالم، وسأنجح بشروطي الأخلاقية المستمدة من مرجعيتي، بعيداً عن أوهام تنظيماتكم وفساد مؤسساتكم، هذه هي “السيادة” في أقصى صورها الاضطرارية، وهي التي تشكل اليوم العقد الأخلاقي الفعلي لجيل النجاة في مصر.

مأزق “الذرة المؤمنة” والحدود البنيوية للنجاة

بيد أن هذا التحليل يقودنا إلى منطقة الظل الوعرة؛ فالنيو ليبرالية بطبيعتها ترحب بالحلول “الفردية”، هي تحب أن يحل الفرد مشاكله النفسية والروحية “بمفرده” عبر تطبيقات الهاتف أو المحتوى الرقمي، لأن ذلك يعفي “الهياكل الاقتصادي والسياسية” من مسئولية الخراب الذي أحدثته.

الخطر هنا، أن يتحول التدين الخوارزمي إلى “تكنولوجيا نفسية للتكيف” (Adaptation Technique) فقط، وأداة تساعد الشاب على تحمل الظلم والضغط دون التفكير في تغييره.

إن “استقلال الذمة” الذي يمارسه قطاعات من جيل زد المصري- والذي سنتوسع في أبعاده في المقالات اللاحقة- هو قوة جبارة للحفاظ على المعنى، لكنه يواجه تحدي “الاشتباك الجمعي”، الشاب يمارس “النجاة الفردية” بامتياز، لكنه يظل “رقيقة مستقلة” (Atomized Unit) في ماكينة عالمية ضخمة، السيادة التي يشعر بها، وهو يختار “شيخه” رقمياً، قد تكون سيادة مخادعة، إذا لم يدرك أن “النجاة الفردية” تظل قلقة، ما لم تسندها أصول اجتماعية قوية.

إن التدين الخوارزمي في ظل النيو ليبرالية هو محاولة جيل زد المصري لاسترداد سيادته التي نهبتها الأسواق وخذلتها المؤسسات، الشاب الذي يفلتر الخطابات الدينية، ويصنع “توليفته” الإيمانية، هو في الحقيقة يمارس “المقاومة” الأكثر ذكاءً، مقاومة التحول إلى مجرد “وحدة استهلاكية” بلا روح أو معنى.

لكن التحدي الأكبر يظل قائماً: ما هي السياقات التي تضمن الانتقال بـ”استراتيجية النجاة الفردية” إلى “قوة التفاعل الجمعي”؟ وكيف يمكن لـ “الذرات المؤمنة”، أن تلتقي لتخلق “كتلة” قادرة على ترميم ما أكلته النيو ليبرالية من لحم المجتمع؟ هذا ما سنناقشه- بإذنه تعالى- في المقالات القادمة، بدءاً من تحليل “انتقال العُهدة إلى ذمة الفرد” وإعادة صياغة مفهوم الانتماء في سياق الفردية الجبرية.