أقدمت واشنطن في 9 مارس الجاري، على إدراج جماعة الإخوان المسلمين في السودان “كجماعة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص” على أن يسري القرار في 16 مارس. يأتي القرار على وقع حربها الراهنة على إيران ومشروعها الحثيث بتغيير بنية الشرق الأوسط، حسب رؤية مشتركة مع إسرائيل، وعلى أسس توراتية معلنة.
وجاء في البيان الصحفي الذي نشرته الخارجية الأمريكية، أن “الجماعة المدرجة تستخدم عنفًا مفرطًا ضد المدنيين من أجل تحجيم جهود تسوية الصراع في السودان، وتعزيز أيديولوجيتها الإسلاموية العنيفة”، وأن مقاتلين ينتمون للجماعة “ممن تلقوا تدريبًا ودعمًا من قوات الحرس الثوري الإسلامي في إيران” قد أقدموا على عمليات إعدام جماعية للمدنيين.
كما لفت البيان إلى القرار السابق بتصنيف لواء البراء بن مالك جماعة إرهابية في سبتمبر 2025 “بسبب دورها في الحرب الوحشية بالسودان” ولم يفت البيان الإشارة، لما اعتبره تمويلًا إيرانيًا للأنشطة الإرهابية على مستوى العالم، وأن الولايات المتحدة “ستستخدم كافة الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وجماعات الإخوان المسلمين من الموارد (اللازمة) لمشاركتها في الإرهاب أو دعمه.
“الإخوان المسلمين” في السودان: البحث عن دور
نجح الرئيس السوداني المعزول عمر البشير في صياغة قاعدة دعم كبيرة لنظامه وسط أطياف الحركة الإسلامية في السودان منذ بدء حكمه (1989)، ولم يقتصر دعمه على أنصار حسن الترابي (لا سيما بعد انشقاق الأخير في العام 1999 وتكوينه حزب المؤتمر الشعبي) قبل إقدام البشير على خطوة كابحة لطموحات الترابي بحله البرلمان السوداني (12 ديسمبر 1999)، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، وميزت هذه التطورات بدء مرحلة ثانية من الحكم الإسلامي بقيادة البشير وحزب المؤتمر الوطني، الأمر الذي اعتبره باحثون متخصصون في شؤون الحركة الإسلامية بالسودان (لا سيما دراسة عزة أحمد عبد العزيز وجان-نيكولاس باش حول تحديات السودان في البقاء كأمة ودولة متماسكتين، انظر Routledge Handbook of the Horn of Africa- 2022, pp. 64-77) خارج التصنيفات الثنائية التقليدية أو بالغة التبسيط (مثل الأيديولوجية مقابل البرجماتية، أو الإسلاميين مقابل الجيش، أو حتى حكومة جانحة للعنف مقابل حكومة مسالمة أو برجماتية).
جسد الأمر قدرة البشير على إعادة تشكيل النزعة الإسلامية (أو تراجع الأجندة الإسلاموية، إذ حشد البشير أطياف مختلفة من الحركة الإسلامية إلى جانب الإخوان المسلمين مثل الجماعات السلفية وفي مقدمتها أنصار السنة، وبعض الجماعات الصوفية التقليدية والأحزاب السياسية ذات القاعدة الصوفية) كجزء من سياسة حكومته لضمان قدرته على نيل دعم شعبي كبير للبقاء في السلطة رئيسًا للدولة، بالتزامن مع نجاحه في خطوة مدهشة أو مباغتة في توطيد صلاته بالولايات المتحدة ودول الخليج العربي، مع تمتع البلاد بمدخولات بترولية كافية لتمويل مشروعاته والحفاظ على حالة الدولة الزبونية clientelist state التي ظل يعتمد في حكمه عليها طوال العقد الأول من القرن الحالي. ويقصد بالدولة الزبونية استخدام السلطة الحاكمة بشكل غير مشروع موارد الدولة في جلب الولاء والاتباع، وهو ما تصنفه أدبيات العلوم السياسية بأنه يندرج ضمن أشكال الفساد.
ويحيلنا هذا السياق التاريخي إلى فهم أكبر لدور جماعة الإخوان المسلمين (وبقية مكونات الحركة الإسلامية، وإن بدرجات متفاوتة) في السياسة السودانية حتى بعد وصول مجلس السيادة للحكم في العام 2019؛ ففي ظل الضربات المتلاحقة التي تلقتها جماعة الإخوان عقب ثورة ديسمبر 2018 وتداعياتها بعد سقوط البشير، والإقصاء المستمر لهذه الجماعة من قبل قوى مدنية ووطنية مثل الحرية والتغيير، وحالة الكمون (الطوعي والقسري) في المشهد السياسي السوداني، ثم العودة القوية إلى المشهد عقب اندلاع الحرب في السودان في إبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع، فإن كل ذلك يحيلنا إلى قراءة مغايرة لرواية واشنطن وأبوظبي، (باعتبارهما الأكثر انخراطًا في ملف مواجهة تيار الإسلام السياسي في السودان) عن هيمنة الحركة الإسلامية، وفي قلبها جماعة الإخوان المسلمين على مفاصل القوات المسلحة السودانية وما تصفه الإمارات تحديدًا “بسلطة بورتسودان”.
ويلاحظ في ضوء تراجع الرافعة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في السودان والاكتفاء بدور الدعم والتأييد التكتيكي للنظام الحاكم بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، أن دور الجماعة (سواء بشقها السياسي التقليدي أم بعناصر لواء البراء بن مالك التي تنخرط في عمليات قتالية تحت مظلة الجيش السوداني)، يظل موظفًا من قبل نظام الفريق البرهان وفي حدود توازنات هذا النظام وبرجماتيته ورؤيته لمستقبل المرحلة الانتقالية، كما اتضح مثالًا في ترحيب الخارجية السودانية في بيان مهم (10 مارس) بقرار واشنطن إدراج الجماعة حركة إرهابية، والاكتفاء بدعوة واشنطن لإصدار قرار مماثل بحق “الدعم السريع”.
واشنطن والابتزاز المزدوج للسودان وإيران
كشف ورود اسم إيران أكثر من مرة في قرار تصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية عن توظيف أمريكي- إماراتي تقليدي لملف الإرهاب؛ لتحقيق ضغوط سياسية على الأطراف المستهدفة؛ وهي هنا الخرطوم وطهران في خضم الحرب الجارية في الشرق الأوسط، ووسط تقارير مهمة عن أن خطوة واشنطن جاءت بطلب مباشر في الأيام الأخيرة من قبل رئيس الإمارات محمد بن زايد الذي تواجه بلاده تداعيات مؤلمة وقاسية جراء الحرب على إيران منذ بدايتها نهاية الشهر الماضي.
ويلاحظ هنا، أن القرار الذي سيسري بدءًا من منتصف مارس الجاري، قد حظي بتأييد عدة دول مثل السعودية والإمارات ومصر، باعتباره قرارًا مفروغًا منه بعد تصنيفات مماثلة للجماعة في دول أخرى، بينما وجد القرار نوعًا من التهوين والتهكم من داخل السودان، باعتبار أن جماعة الإخوان المسلمين تواجه انحسارًا متزايدًا بالأساس منذ نحو سبعة أعوام.
وعلى سبيل المثال، فقد وصف أحد الأكاديميين السودانيين البارزين المعروف بصلاته بالإسلاميين، وهو بروفيسور حسن مكي (10 مارس)، القرار بأنه “طلقة فارغة أطلقتها واشنطن”، وأن الأمر لا يعدو كونه كذبة مثل الادعاءات (الأمريكية) بوجود أسلحة الدمار الشامل في العراق، كما لفت إلى أن التهم الموجهة للواء البراء بن مالك بشنق الأسرى والقيام بعمليات قتل جماعية دون تمييز تماثل نظيرتها التي قامت بها ميليشيات الدعم السريع (المدعومة من الإمارات)، دون أن تخضع لنفس التصنيف؛ الأمر الذي يشير لازدواجية أمريكية تقليدية.
التهوين من القرار يتغافل عن دلالته في تحقيق إقصاء عملي لجماعة الإخوان المسلمين في أية عملية سياسية مرتقبة في السودان، لا سيما بعد إعلان مجلس السيادة قبل أسابيع البدء في إطلاق، ما يعرف بالمجلس التشريعي؛ تمهيدًا لمثل هذه العملية.
وهكذا، فإن القرار يبدو في جوهره ابتزازًا للسودان وصلته المحتملة بإيران، مع العلم أن السودان أدان بوضوح الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي، كما قام الجيش السوداني (6 مارس) باعتقال القائد الإسلامي الناجي عبد الله (أحد القادة في لواء البراء بن مالك) الذي ظهر في 4 مارس الجاري مرتديًا زيًا عسكريًا متعهدًا علنًا بإرسال مقاتلين سودانيين إلى إيران حال إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل أية عمليات عسكرية برية في السودان.
كما قام الجيش بحل مجموعته معلنًا، أنها لا تعمل تحت مظلة الجيش، ورغم حرص الجيش على إنكار أية صلات بعناصر مسلحة إسلامية، فإن الشواهد على الأرض تكشف–على أقل تقدير- عمل لواء البراء بن مالك كقوات مساعدة للجيش السوداني في عدة جبهات منذ إبريل 2023؛ الأمر الذي يعزز فرضية الصلة البرجماتية بين الجيش وجماعة الإخوان المسلمين، ويؤشر ربما إلى ضآلة التأثير المرتقب للقرار الأمريكي خارج بؤرة ابتزاز النظامين السوداني والإيراني، وما يبدو من ولع إدارة الرئيس دونالد ترامب بالظهور الإعلامي بقرارات تبدو جديدة وحاسمة، خلافًا لحقيقتها أو تأثيرها الفعلي.
الرباعية والأزمة في السودان: تستر إماراتي خلف التصدر الأمريكي
قرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، والامتناع المرتقب عن تصنيف مماثل لميليشيات الدعم السريع رغم توثيق انتهاكاتها الموسعة بحق مئات الآلاف من السودانيين، واتساق هذا القرار مع الرواية الإماراتية (ومجموعات من القوى المدنية السودانية) بوجود دعم إيراني للسودان، يحيل إلى سيناريو جديد، يتعلق هذه المرة بعمل الرباعية الدولية في الملف السوداني في الفترة المقبلة أو ما بات يعرف باليوم التالي للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران.
ويتوقع حسب قراءة القرار الأمريكي، ونصه الذي يتداخل مع الأزمة في إيران (أو توظيف القرار لصالح إدانة أوسع لإيران بوصفها أكبر دولة راعية للإرهاب، حسب القرار الأمريكي) أن تصعد واشنطن من لهجتها الضاغطة على السلطات السودانية بشكل مباشر في ملف مكافحة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية، وصولًا إلى التلاعب بورقة “ارتباط القوات المسلحة السودانية بهذه التنظيمات ارتباطًا عضويًا أو علاقة هيمنة من أعلى على مفاصل القوات المسلحة السودانية”، الأمر الذي يتسق تمامًا مع رواية أبوظبي؛ والمثير للمخاوف في هذا النهج الأمريكي المرتقب تسارعه، أنه يأتي بتنسيق كامل مع الإمارات التي تعاني بدورها من صدمة سياسية جراء تداعيات الحرب الراهنة، مضافة إلى التوتر الذي شهدته العلاقات مع السعودية على خلفية التدخلات الإماراتية في اليمن والسودان والصومال، الأمر الذي يعزز توجه الإمارات– في ملف الرباعية الدولية “أي اللجنة الرباعية الدولية المختصة بالسودان وتضم أمريكا ومصر والسعودية والإمارات” تحديدًا- إلى مسارين متضادين تمام التضاد:
- المسار الأول: الدفع بقوة لتبني واشنطن مواقف خشنة وراديكالية تجاه مجلس السيادة السوداني والقوات المسلحة السودانية، فيما تكتفي أبوظبي بالتأكيد على دعم جميع السياسات الأمريكية في هذا المسار دون أي أفق محدود، آخذًا في الاعتبار استمرار التوتر بين الخرطوم وأبوظبي (استثنت الأولى الأخيرة من بيان إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي على سبيل المثال).
- المسار الثاني: انتهاج مقاربة توفيقية مع شريكتيها في الرباعية: السعودية ومصر في الشأن السوداني؛ أملًا في تقليص خسائر الإمارات السياسية الضخمة التي تتكبدها في الأسابيع الأخيرة، واستثمارًا في التعاطف النسبي (رسميًا وشعبيًا) الذي حظيت به عربيًا؛ بسبب هجمات إيران الأخيرة عليها.
وهكذا سيكون السودان في مواجهة مباشرة مع الطلبات والضغوط الأمريكية، كما ستواجه السلطات السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان مخاطر دبلوماسية ترامب العدائية، وقدرتها على خلط الأوراق، وصياغة مسارات تصادمية للغاية، تعززها في واقع الأمر سياسات الإمارات غير المباشرة تحت مظلة “الرباعية الدولية”، الأمر الذي اتضحت أولى إرهاصاته بعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران في قرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، بصياغة بدت أكثر اكتراثًا بإيران من الشأن السوداني الداخلي، الذي يعاني مأزق تجاهل التدخل الدولي والإقليمي الناجز منذ سبعة أعوام تقريبًا.






