تشهد إيران في المرحلة الراهنة أكثر لحظات الانكشاف السياسي والأمني حساسية منذ قيام الثورة عام 1979، وذلك في ظل الأزمة التي تتعرض لها بنية النظام السياسي والعسكري خلال الأشهر الأولى من عام 2026، ومع حرب تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، غير حشد عسكري تشارك فيه قوى غربية، وتطوق إيران عسكريا، بعد حصار اقتصادي وعقوبات أربعة عقود.
كما أدى الفراغ الذي أعقب قتل المرشد علي خامنئي في آخر فبراير ، وأغلب الصفوف الأولى من القيادة السياسية والعسكرية، واستهداف هيكل القيادة إلى خلق بيئة استراتيجية مضطربة، وضمن السياق برزت عدة مقاربات إقليمية ودولية للتعامل مع إيران، كان من أبرزها محاولة توظيف التصدعات الإثنية والعرقية داخل البلاد، وعلى رأسها ما بات يُعرف بـ”الورقة الكردية”، واستغلال وجودهم “أي الكرد” على الحدود ومعاناتهم ومظالمهم في خلق حشد عسكري، يهاجم القوات الإيرانية، فيسهل فرضية إسقاط النظام أو يربك على الأقل الجناح الأمني والعسكري.
وضمن مناقشة أبعاد التوظيف لهذه “الورقة”، أصدر مركز التنمية والدعم والإعلام (DAM) تقدير موقف، يحلل حدود فاعلية الدور الكردي، والأدوار التي يمكن أن تلعبها الفصائل في سياق الصراع الدائر، إضافة إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل هذا الملف في ضوء المعطيات العسكرية والسياسية الراهنة، والأبعاد الإقليمية للأزمة،
مع عدم إنكار لأزمة الاكراد أنفسهم والتهميش الذي وقع عليهم، غير أنهم ليسوا كتلة واحدة، وأيضا ليسوا كما يرى البعض أداة في يد واشنطن وإسرائيل، بقدر أنهم يتعاملون مع واقع متغير، يحاول أغلبهم خلاله أن يحسن وضعه وإبراز القضية الكردية.
التحول في الاستراتيجية الغربية
يشير التقرير، إلى أن المقاربة الأمريكية– الإسرائيلية تجاه إيران شهدت تحولاً، وبعد الاعتماد على العقوبات الاقتصادية لسنوات طويلة، والضربات العسكرية المحدودة كوسيلة للضغط، بدأت هذه الاستراتيجية تميل نحو استهداف ما يمكن وصفه بـ”الأنسجة الرخوة” أي المناطق أو المكونات الاجتماعية الأكثر عرضة للتوترات والاضطرابات.
وتقوم هذه المقاربة على فكرة أساسية مفادها، أن إثارة بؤر اضطراب داخلية، يمكن أن تسهم في إضعاف قدرة النظام على إدارة المواجهة الخارجية، عبر تشتيت قدراته العسكرية والأمنية.
وفي هذا الإطار، تبرز المناطق الكردية في شمال غرب إيران بوصفها ساحة محتملة لمثل هذه الضغوط، إذ تسعى واشنطن لتحفيز الفصائل الكردية المسلحة لفتح جبهات اشتباك على الحدود، ليس بهدف السيطرة المباشرة على المدن الكبرى، بل لإرباك الحرس الثوري وإجباره على نقل جزء من قواته من المراكز الحضرية الكبرى مثل طهران وأصفهان وتبريز إلى المناطق الحدودية.
ويشير التقرير، إلى أن الاتصالات السياسية التي جرت بين الإدارة الأمريكية وعدد من القيادات الكردية تمثل تطوراً نوعياً في هذا السياق، إذ أسهمت في نقل بعض الفصائل الكردية من موقع الفاعل المحلي المحدود إلى مستوى أكثر حضوراً في الحسابات الدولية والإقليمية.
خريطة الفاعلين الكرد في إيران
يؤكد التقرير، أن أحد الأخطاء الشائعة في تحليل المشهد الكردي الإيراني يتمثل في التعامل معه بوصفه كتلة سياسية وعسكرية موحدة، في حين أن الواقع يشير إلى وجود تعددية واضحة في الفصائل الكردية، من حيث الأيديولوجيا والتنظيم والقدرات العسكرية، وأن هذه المكونات بينها اختلافات وتنافس وليست جبهة موحدة.
بين أبرز الفصائل يبرز حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، الذي يعد من أكثر التنظيمات صلابة من الناحية العسكرية، ويعتمد بشكل كبير على تكتيكات حرب العصابات مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لجبال قنديل إحدى سلاسل زاجروس، كما يرتبط فكرياً بأيديولوجية حزب العمال الكردستاني.

إلى جانب ذلك، يحتل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI) موقعاً مهماً، باعتباره أحد أقدم التنظيمات السياسية الكردية، وأكثرها حضوراً في التاريخ السياسي للحركة الكردية في إيران، ويقوده مصطفى هجري، ويتمتع الحزب بشبكات تنظيمية داخل المدن الكردية الإيرانية، إضافة إلى امتلاكه قوات عسكرية “بيشمركة” مدربة.
كما يشكل حزب كومله أحد المكونات الرئيسية في الساحة الكردية، وهو تنظيم يساري ذو جذور ماركسية يتمتع بحضور فكري وسياسي في الأوساط الطلابية والنخبوية غرب إيران، رغم أن قدراته العسكرية تعد أقل نسبياً مقارنة ببعض الفصائل الأخرى.

وإلى جانب هذه القوى، يوجد أيضاً حزب حرية كردستان (PAK)، الذي اكتسب مقاتلوه خبرة قتالية خلال مشاركتهم في الحرب ضد تنظيم داعش في العراق.
وتعكس هذه التعددية طبيعة المشهد الكردي الذي يتسم بدرجة من التنافس الداخلي والتباين في الرؤى السياسية، وهو ما يؤثر بدوره على مستوى التنسيق بين هذه الفصائل وقدرتها على العمل المشترك.
معضلة الفاعلية الكردية
رغم ما تردد في بعض التقارير الإعلامية الدولية، كرويترز وفوكس نيوز وأكسيوس، حول حشود عسكرية كردية واستعدادات لعبور الحدود إلى الداخل الإيراني، يشير التقرير، إلى أن الفصائل الكردية تميل إلى اتباع نهج حذر في التعامل مع هذه التطورات.
ويرتبط هذا حسب تقدير الموقف إلى عدة عوامل في مقدمتها، الذاكرة التاريخية التي تحملها الحركة الكردية، تجاه ما تعتبره حالات الوعود والتخلي من قبل القوى الدولية، خصوصاً الولايات المتحدة في مراحل مختلفة تاريخيا.
كما أن غياب ضمانات سياسية وعسكرية واضحة، وخاصة ما يتعلق بتوفير غطاء جوي أو دعم مباشر في حال اندلاع مواجهات يجعل القيادات الكردية مترددة في الانخراط في عمليات عسكرية كبيرة، قد تعرضها لخسائر جسيمة، وتخلق مأساة جديدة للأكراد وفي الذاكرة ما جرى لهم في العراق وتركيا وسوريا.
وبناءً على ذلك، تميل الفصائل في الوقت الراهن إلى تبني تكتيكات محدودة النطاق، مثل عمليات التسلل الفردي أو الهجمات الصغيرة على النقاط الحدودية، بدلاً من الانخراط في عمليات عسكرية واسعة النطاق.
التقاطعات الجيو سياسية
يشير التقرير، إلى أن مسألة توظيف الورقة الكردية لا ترتبط فقط بالتطورات في إيران، بل تتداخل مع حسابات معقدة للقوى الإقليمية المحيطة.
فتركيا على سبيل المثال، تنظر بقلق إلى أي تصاعد في قوة الفصائل المرتبطة فكرياً أو تنظيمياً بحزب العمال الكردستاني، وهو ما يجعلها عاملاً إقليمياً مهماً، قد يحد من أي توسع كردي محتمل في شمال غرب إيران، وفي الوقت ذاته، تخشى أنقرة من أن يؤدي أي نجاح للمشروع الكردي إيرانيا لتغذية النزعات الانفصالية داخل حدودها.
أما إقليم كردستان العراق، فيجد نفسه بين ضغوط أمريكية تدفع باتجاه استخدام أراضيه منصة لوجستية لدعم الفصائل الكردية الإيرانية، وبين مخاوف من ردود فعل عسكرية إيرانية، قد تستهدف البنية التحتية الاقتصادية للإقليم، ولا سيما منشآت النفط والغاز التي يعتمد عليها الإقليم وتمثل قاعدة اقتصادية “لاستقلاله” ورابط مع دول الجوار.

الاستراتيجية الإيرانية المضادة
في مواجهة هذه التطورات، يشير تقدير الموقف الذي كتبه الباحث عصام شعبان، إلى أن إيران تبنت “الردع الاستباقي”، فبدلاً من انتظار تحرك الفصائل الكردية، سعت طهران إلى تنفيذ ضربات استباقية على مواقع هذه الفصائل في إقليم كردستان العراق باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى توجيه رسالة واضحة مفادها، أن إيران مستعدة لتجاوز حدود وقواعد الاشتباك، إذا ما شعرت بوجود تهديد لأمنها القومي، كما ترافق ذلك مع إجراءات عسكرية داخلية، تمثلت في تعزيز انتشار الحرس الثوري على الحدود وإعادة تنظيم خطوط الدفاع في بعض المدن الحدودية.
إلى جانب ذلك، تراهن طهران أيضاً على عامل التعبئة القومية الداخلية، إذ تشير التجارب التاريخية، إلى أن الضغوط الخارجية قد تدفع قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني إلى الالتفاف حول الدولة دفاعاً عن وحدة البلاد.
كما وجهت رسائل دبلوماسية إلى العراق وإقليم كردستان بشكل واضح، تحذر من أي تحرك ينطلق منها، وكذلك خاطبت دول الجوار المرتبطة بالملف الكردي .
السيناريوهات المستقبلية
انطلاقاً من المعطيات الحالية، يطرح التقرير ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل توظيف الورقة الكردية في الصراع:
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، حسب ما تقول الورقة، يتمثل في استمرار نمط “استنزاف الحواف” وخلاله تكتفي الولايات المتحدة بتقديم دعم محدود للفصائل الكردية، يشمل تسليحاً خفيفاً ومعلومات استخباراتية، ما يسمح بتنفيذ عمليات كر وفر على الحدود، دون القدرة على السيطرة على مدن يسكنها أكراد.
وفي هذه الحالة تستمر إيران في استنزاف جزء من قدراتها العسكرية على الحدود، دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار بنيوي في النظام.
أما السيناريو الثاني، فهو احتمال تصاعد الدعم الغربي ليشمل توفير مظلة جوية مباشرة للفصائل الكردية، الأمر الذي قد يسمح بالسيطرة على بعض المناطق الحدودية، وتشكيل منطقة عازلة شبيهة بتجربة شمال سوريا. غير أن هذا السيناريو يحمل مخاطر توسع الصراع إقليمياً، خاصة في حال تدخل تركيا عسكرياً؛ لمنع قيام كيان كردي جديد بالقرب من حدودها.
أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً، فيفترض حدوث انهيار مفاجئ في مؤسسات الدولة الإيرانية؛ نتيجة الضغوط الداخلية والخارجية والحرب، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتقال الفوضى إلى المدن الكبرى.
وفي هذه الحالة قد تتوسع أدوار الفصائل الكردية في محاولة لملء الفراغ، غير أن التناقضات الداخلية بينها قد تقود إلى صراعات جديدة، تشبه ما حدث في التجربة الكردية خلال تسعينيات القرن الماضي.
الخلاصة
يخلص التقرير، إلى أن الفصائل الكردية في إيران، رغم تاريخها الطويل وخبرتها في العمل المسلح، لا تمتلك في المرحلة الراهنة المقومات العسكرية والسياسية الكافية لفرض واقع انفصالي شامل أو إسقاط النظام الإيراني بمفردها.
وبناءً على ذلك، فإن دورها المرجح يظل في إطار أداة ضغط تكتيكية ضمن استراتيجية أوسع، تستهدف استنزاف إيران وإرباك مؤسساتها الأمنية.
وفي الوقت ذاته، يحذر التقرير، من أن الإفراط في توظيف الورقة الإثنية في الصراعات الإقليمية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد يفتح الباب أمام موجات من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى دول الجوار، بما يحول المنطقة بأكملها إلى ساحة صراعات متشابكة، تتجاوز حدود إيران نفسها.
لقراءة الورقة كاملة:






