من الامتثال الجماعي إلى “ذمة الفرد”

عند رصد التحولات البنيوية في المجتمع المصري عبر مقاربة معطيات الجولة السابعة لمسح القيم العالمي (WVS)، يبرز تحول جوهري في ترتيب الأولويات القيمية التي يتم غرسها في النشء، إن البيانات الإحصائية تشير إلى قفزة نوعية في قيمة “الاستقلال” (Independence)؛ حيث تزايدت رغبة الآباء في رؤية أبنائهم كأفراد مستقلين قادرين على اتخاذ القرار، وذلك كاستجابة موضوعية لحالة “التآكل الهيكلي” للمحيط الاجتماعي.

سوسيولوجياً، نحن أمام انتقال من نموذج “التنشئة على الامتثال” إلى نموذج “التنشئة على الذمة”، في هذا السياق، لم تعد “الطاعة” للمؤسسة أو الجماعة أو اتباع الشيخ هي الضامن للبقاء، بل أصبحت “ذمة الفرد” هي الحصن الأخير.

هذا التحول يفسر، لماذا لم يتجه جيل زد نحو التحلل من الدين رغم تراجعه عن المؤسسات؛ فالإحصاءات توضح أن 85% من الشباب المصري لا يزالون يضعون الدين في مرتبة “الأهمية القصوى”، ولكن بنوع من “الفردية” في الممارسة، إن “الذمة” هنا تعمل كبديل للعقد المؤسسي؛ فبما أن الدولة والتنظيم لم يعودا ضامنين للأمان أو المعنى، فقد استدخل الفرد سلطة “المقدس” داخل ذمته الشخصية، هو لم يعد يتدين “لإرضاء الجماعة” أو “امتثالاً للمؤسسة” أو طاعة للشيخ، بل يتدين انطلاقاً من عقد فردي مباشر مع المرجعية (القرآن والسنة).

إنها “ذمة” واعية تدرك أن المسئولية الإيمانية والأخلاقية أصبحت شأناً فردياً محضاً في عالم “منكشف” مؤسسياً.

“ذمة الفرد” كفعل استرداد

لقد ارتبط التدين في الوعي المصري لفترات طويلة بـ”الكتلة”، حيث كان الفرد يستمد شرعيته الإيمانية عبر “ذمة الجماعة” التي توفر له الحماية والتفسير الجاهز، إلا أن حالة “الانكشاف المؤسسي” التي أصابت التنظيمات والأوعية التقليدية أدت إلى ما نسميه بـ”استرداد الذمة”، قطاعات من جيل زد المصري قامت بعملية سحب لـ”التفويض الأخلاقي” الذي كان يمنحه سابقاً للوسيط (الشيخ، المرشد، المؤسسة)، وقرر أن يضع المرجعية الصلبة في عهدة ذمته الشخصية، هذا الاسترداد هو الذي أفرز ما أسميناه “التدين الخوارزمي”؛ فالفرد يستخدم أدواته المعرفية والرقمية لبرمجة إيمانه، بما يتوافق مع “ذمته” تجاه النص وتجاه الواقع في آن.

وتظهر بيانات المؤشر العربي حول اتجاهات الرأي العام، أن هناك تراجعاً حاداً في الثقة في “رجال الدين” و”المؤسسات الدينية الرسمية” كأدوات للتوجيه السياسي أو الاجتماعي، حيث انخفضت هذه النسبة لتتراوح بين 20- 25% لدى الفئات الشابة، هذا التراجع لا يعني “سقوط الدين”، بل يعني “سقوط الوصاية على الذمة”. جيل زد يرى في نفسه “ذمة مستقلة” قادرة على معالجة النص المرجعي واستخلاص “القيم التشغيلية” دون حاجة لوساطة، أثبتت التجربة التاريخية عجزها أو تآكلها الهيكلي، إن “الذمة” هنا هي “المختبر” الذي يتم فيه اختبار صدق المرجعية في حل أزمات البقاء، بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية التي فقدت بريقها.

تجليات “الذمة” في الفضاء النيو ليبرالي

من أكثر التجليات عمقاً لمفهوم “ذمة الفرد” هو ما يطلق عليه “تسييس الكفاءة”، ففي ظل انسداد قنوات الفعل السياسي التقليدي وتآكل الأحزاب (التي سجلت انعدام ثقة لدى أكثر من 80% من الشباب في WV7)، والمؤسسات الوسيطة الأخرى وتصحير المجال العام، لم ينسحب قطاع من جيل زد- خاصة في طبقته الوسطى والوسطى العليا- إلى العدمية، بل حول “التميز المهني” إلى مساحة لممارسة “الذمة الأخلاقية”. الشاب الذي يتبنى “التدين الخوارزمي”، يرى أن إتقانه لعمله (كـ Programmer أو Designer) هو الرد العملي والسيادي على انهيار المشروع الجماعي، المرجعية هنا (القرآن والسنة) تمد “ذمة الفرد” بقيم الأمانة والإتقان، بينما تفرض عليه “الفردية الجبرية”، أن ينتزع نجاحه انتزاعاً من سوق العمل العالمي.

هذا النمط يمثل “تسييساً”؛ لأنه يحول الكفاءة الفردية إلى أداة للتغيير والاشتباك؛ فالفرد يدرك، أن “ذمته” المهنية هي التي تمنحه القدرة على التأثير المستقل، استبدال “الشعار” بـ “المنتج” هو جوهر هذا التحول؛ حيث يتم النظر إلى التميز التقني كفعل تعبدي يحرر الفرد من التبعية للمؤسسات الفاسدة أو التنظيمات المأزومة، إن البيانات التي ترصد قفزة في قيم “الإنجاز الشخصي” و”المبادرة” لدى الشباب المصري هي في الحقيقة تعبير عن “ذمة”، قررت أن تأخذ بزمام المرجعية لتصنع بها “نجاحاً سيادياً” في قلب النظام النيو ليبر الي، مما يحول التدين إلى “محرك للفاعلية” للفردية، بدلاً من أن يكون “أفيوناً للامتثال”.

البحث عن المعني.. ضرورة تشغيلية

تُقدم بيانات تقرير “ديلويت 2024/ 2025” (Deloitte Gen Z and Millennial Survey) صورة دقيقة لتحول “البحث عن المعنى” لدى جيل زد المصري من ترف فكري إلى ضرورة تشغيلية؛ حيث يؤكد 86% من هؤلاء الشباب، أن وجود “غرض” أو “معنى” للعمل هو أمر محوري لرضاهم الوظيفي وصحتهم النفسية، هذا الرقم يترجم مفهوم “استقلال الذمة” إلى واقع اقتصادي، فالشاب المصري- أو بالأحرى قطاعات منهم- يرفض أن يكون مجرد “وحدة إنتاجية” صماء، ويشترط توافق قيم المؤسسة مع قيمه الشخصية قبل قبول الوظيفة بنسبة تصل إلى 75%، وهو ما يفسر قيام 44% منهم برفض مهام أو وظائف بالفعل لأسباب أخلاقية.

وفي ظل “اللحظة النيو ليبرالية” التي تبتلع الأصول الجماعية، وتنتج قلقاً هيكلياً دائماً لدى 52% من الشباب المصري بشأن تكاليف المعيشة ومستقبل العمل، يتحول “المعنى” إلى “تكنولوجيا نفسية” للصمود؛ فالعمل الذي يمتلك “تأثيراً” (Impact) ملموساً يساعد 60% منهم على تحمل ضغوط المهام الشاقة، المعنى هنا يعمل كـ”ممتص للصدمات” في “زمن السيولة”، حيث يميل 50% منهم للعمل، في مهن تتيح مساهمة اجتماعية، مستمدين صلابتهم الوجدانية من كفاءتهم التي يراها 65% منهم مرتبطة بقيم كالعدالة والاستدامة، محولين نجاحهم المهني إلى “فعل سيادي”، يضمن لهم النجاة في عالم بلا ضمانات مؤسسية.

“الذمة الخوارزمية” والقطيعة مع الأيديولوجيا الشمولية

إن التدين الخوارزمي، بوصفه تدين “ذمة”، يمثل القطيعة النهائية مع الأيديولوجيات الشمولية التي حاولت تأميم “الضمير الفردي” لصالح “المشروع الجماعي”، في هذا الصدد، نرى كيف أن جيل زد يستخدم “الخوارزمية” ليس للهروب من المرجعية، بل لحمايتها داخل ذمته من “التلوث التنظيمي” والمؤسسي. البيانات التي توضح تراجع الرغبة في “العمل السياسي المنظم” مقابل تصاعد “العمل التطوعي الفردي” أو “المبادرات الشبكية” (كما نرصد في تفاعل الشباب مع القضايا الإنسانية والوطنية)، هي دليل، على أن “الذمة الفردية” باتت تفضل الأطر المرنة والسيالة التي لا تصادر استقلاليتها.

الخوارزمية هنا هي “الحارس”؛ فهي تسمح للفرد بتلقي الدين عبر وسائط رقمية متعددة، مما يفتت مركزية “الشيخ” أو “المرشد” أو “التنظيم”، وهذا التفتت يعزز من سلطة “الذمة”؛ لأن الفرد يصبح هو “المُحرِم” و”المحلل” لكل ما يتلقاه، إنه تدين “ذري” بامتياز، لكنه يمتلك قدرة مذهلة على التحشد عند الضرورة (كما في الموقف من غزة)، لأن “الكود المرجعي” (القرآن والسنة) يظل ثابتاً ومشتركاً في “ذمم” الجميع”، بينما تظل “الخوارزميات” الفردية مرنة في التطبيق.

إن “ذمة الفرد” في جيل زد هي التي صنعت هذا التوازن الصعب بين “ثبات المرجع” و”سيولة الواقع”، وهي التي تحمي هذا الجيل من التحلل في القيم الاستهلاكية المحضة، عبر إبقاء “الوازع المرجعي” فاعلاً ومستقلاً عن كل هيكل متهالك.

“الذمة” كحائط صد ضد اللا يقين

في التحليل، نجد أن الانتقال من “عُهدة المؤسسة” إلى “ذمة الفرد” هو الرد الأذكى على حالة “اللا يقين المعرفي” و”الانكشاف المؤسسي”، فعندما سقطت صدقية المؤسسات الرسمية وتآكلت هياكل الجماعات، لم يبقَ للفرد إلا “ذمته الأخلاقية” واتصاله المباشر بالوحي، إن “ذمة الفرد” لجيل زد هي “الخندق” الذي يتم فيه ترميم المعنى وتأسيس “السيادة المؤمنة” التي لا تنتظر إذناً من أحد.

إن هذا التدين، بمرجعيته الثابتة وذمته المستقلة، هو أحد المحددات التي تصوغ اليوم العقد الأخلاقي الفعلي في مصر، عقد يرفض الوصاية، ويسيس الكفاءة، ويجد في “المال الحلال” سبيلا، وفي “البركة” اقتصاداً بديلاً.

هذا الجيل لم يعد يبحث عن “مرشد” يقوده، بل عن “حقيقة” يمارسها بـ”ذمته”، محولاً “يُتمه المؤسسي” إلى “قوة تمكين”، تجعل من الإيمان فعلاً سيادياً مستقلاً قادراً على النجاة في زمن السيولة، وهو ما يمثل التحدي الأكبر والأبقى لكل المنظومات التي تآكلت هياكلها، وفقدت القدرة على احتواء هذا “الإيمان الحر”.