عقدت منصة مصر 360 في 14 مارس الجاري جلسة خبراء لمناقشة تطورات الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط وتداعيات المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
أدار الجلسة الأستاذ حسين بهجت، وشارك فيها كل من الكاتب عبد العظيم حماد، والدكتور مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية، والسفيرة أمل مراد، والسفير أيمن زين الدين، والباحث هشام جعفر.
ناقشت الجلسة طبيعة الصراع الدائر في المنطقة، والذي يتسم بتصعيد متدرج يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة ليشمل جبهات سياسية واقتصادية وإقليمية متعددة.
كما تناول المشاركون موازين القوى بين الأطراف المختلفة، واستراتيجيات التصعيد المحتملة، والتداعيات الجيو سياسية للحرب على النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، إضافة إلى انعكاسات الأزمة على التوازنات الإقليمية ودور القوى الرئيسية في المنطقة، وخاصة مصر والسعودية وتركيا ودول الخليج، في التعامل مع سيناريوهات التصعيد أو احتواء الصراع في المرحلة المقبلة.
كما تطرقت الجلسة إلى البعد الدولي للصراع، في ظل ارتباطه بالتنافس بين القوى الكبرى، وتأثيره على طرق الطاقة والتجارة العالمية، فضلاً عن التداعيات المحتملة للحرب على بنية النظام الدولي، وعلى مستقبل التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.
أيمن زين الدين

الحرب الجارية لا يمكن فهمها بوصفها مواجهة عسكرية محدودة بين دولتين، بل باعتبارها صراعًا متعدد الجبهات يمتد عبر مستويات مختلفة، عسكرية وسياسية واقتصادية وأمنية.
فالصراع يتمدد بالفعل عبر عدة جبهات إقليمية، أبرزها منطقة الخليج العربي، والجبهة اللبنانية، والساحة العراقية، إضافة إلى جبهات أخرى خامدة نسبيًا مثل اليمن، لكنها تبقى قابلة للاشتعال في أي لحظة وفق مسار التصعيد.
الحرب لا تقتصر على الجبهات العسكرية فقط، بل تمتد إلى جبهات غير تقليدية، تشمل الوضع السياسي الداخلي في كل من إيران والولايات المتحدة، وكذلك الجبهة الاقتصادية العالمية، خاصة في ظل ارتباط الصراع بأسواق الطاقة العالمية.
هذه الجبهات المختلفة مترابطة إلى حد كبير، وأن أي تطور في إحدى الجبهات يمكن أن يؤدي إلى انعكاسات مباشرة على الجبهات الأخرى، ما يجعل الصراع أقرب إلى شبكة معقدة من التفاعلات الاستراتيجية المتداخلة.
إن الأزمة كشفت عن مستوى استعداد مرتفع لدى إيران يفوق التقديرات السابقة، سواء على مستوى مؤسسات الدولة أو على مستوى حزب الله الذي أظهر استعدادًا للمشاركة في المواجهة بقدرات أكبر مما كان متوقعًا، رغم الضربات الإسرائيلية التي تعرض لها خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما تلاها من تصعيد على الجبهة اللبنانية، ومحاولات إسرائيلية لإضعاف قدراته العسكرية، ونزع سلاحه من جانب الدولة.
إن الولايات المتحدة بدت أقل استعدادًا سياسيًا لهذه المواجهة، فالإدارة الأمريكية لم تعمل بشكل كاف على إعداد الرأي العام الداخلي للحرب، كما لم تهيئ المسرح الدولي بصورة تضمن دعمًا واسعًا من الحلفاء.
واشنطن راهنت على أن توجيه ضربة قاسية للقيادة الإيرانية ومراكز القوة داخل النظام سيؤدي إلى إضعافه، وربما انهياره أو إلى حدوث اضطرابات داخلية واسعة، إلا أن هذا التصور لم يتحقق على أرض الواقع حتى الآن.
بالنسبة للرد الإيراني فقد جاء على قدر الحدث، حيث استمرت مؤسسات الدولة في العمل رغم الضربات التي استهدفت مواقع عسكرية، كما حافظ النظام السياسي على درجة ملحوظة من التماسك.
الحرب قد تدخل مرحلة ثالثة من التصعيد خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع تصاعد التهديدات المتبادلة بشأن استهداف المنشآت النفطية وتعقيد حركة الملاحة في مضيق هرمز. وأي تصعيد في هذه الجبهة قد يؤدي إلى تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، خاصة أن 20% من تجارة النفط العالمية تمر عبر هذا الممر البحري الحيوي.
أما الوضع الداخلي في إيران يبدو أكثر تماسكًا، مما كان متوقعًا في بداية الحرب، في المقابل، تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا داخلية متزايدة، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونجرس، وارتفاع أسعار الطاقة، وتصاعد المخاوف من تداعيات اقتصادية للحرب.
الأسابيع التالية قد تكون مفصلية في مسار الحرب، إذ قد تشهد تصعيدًا كبيرًا إذا لجأت واشنطن إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية، أو إذا ردت إيران باستهداف منشآت النفط في الخليج أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
عبد العظيم حماد

بعض التقارير الغربية تحدثت عن احتمال إرسال قوات أمريكية للسيطرة على بعض الجزر الإيرانية في الخليج، وأن مثل هذه العملية قد تتطلب نشر آلاف الجنود، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري واسع.
وهناك مقارنة نشرتها صحيفة التلجراف البريطانية بين اللحظة الراهنة وأحداث أزمة السويس 1956، إذ أن الحرب قد تنتهي بانتصار عسكري أمريكي، لكنها قد تمثل في الوقت نفسه لحظة انكسار سياسي للمشروع الإمبراطوري الأمريكي في المنطقة.
فالتاريخ يقدم أمثلة عديدة على حالات انسحاب مفاجئ للولايات المتحدة من صراعات عسكرية، عندما تتصاعد الخسائر أو تتزايد الضغوط الداخلية. نتذكر تجارب حرب فيتنام، والتدخل الأمريكي في الصومال والتجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان، حيث اضطرت واشنطن إلى تقليص وجودها العسكري أو الانسحاب بالكامل.
ترامب قد يلجأ إلى خيار الانسحاب، إذا واجه ضغوطًا سياسية داخلية كبيرة، خاصة إذا بدأت الحرب تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي على الإدارة الأمريكية.
مصطفى كامل السيد

إن أحد السيناريوهات التي يجري تداولها يتمثل في إرسال فرق خاصة؛ للوصول إلى مواقع تخصيب اليورانيوم داخل إيران.
هذا السيناريو يهدف إلى تمكين الإدارة الأمريكية من إعلان القضاء على القدرة الإيرانية على تطوير سلاح نووي، وهو ما يمكن تقديمه للرأي العام الأمريكي بوصفه إنجازًا استراتيجيًا، يسمح بإنهاء الحرب أي انتصار.
الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا واضحًا في مجالات التسليح والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية، إلا أن هذا التفوق لا يضمن بالضرورة تحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية، وأن إيران استخدمت المسيرات، وجعلت عامل الضعف العسكري والتقني يتقلص.
أبرز أوجه القصور في الاستراتيجية الأمريكية يتمثل في عدم الفهم الكافي لطبيعة المجتمع الإيراني وتاريخه السياسي والثقافي والحضاري. فإيران تمتلك حضارة عريقة وتقاليد سياسية واجتماعية متجذرة، وهو ما يجعل قدرة المجتمع على الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية، أكبر مما تتوقعه بعض التقديرات الغربية.
والتاريخ الحديث يقدم أمثلة عديدة على إخفاق الولايات المتحدة في تقدير قدرة المجتمعات المحلية على مقاومة الضغوط الخارجية، ولنتذكر الحرب في فيتنام.
الحرب الحالية كشفت عن الدور المتزايد للأسلحة منخفضة التكلفة نسبيًا، مثل الطائرات المسيرة، والتي تمكنت من تقليص فجوة القوة بين الدول الكبرى والخصوم الأقل قدرة.
إن انتشار هذه التقنيات العسكرية الجديدة ساهم في تغيير طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبح بإمكان أطراف أضعف نسبيًا إلحاق خسائر ملموسة بقوى عسكرية متفوقة.
وهناك ما يخص الأكراد، فالفصائل الكردية الإيرانية لم تستجب للدعوات الأمريكية لمواجهة النظام الإيراني، وذلك يعكس إدراكًا للمخاطر الكبيرة التي قد تترتب على الانخراط في صراع داخلي واسع داخل إيران.
أيمن زين الدين
بعض التحليلات تحدثت عن أن الفصائل الكردية درست الفكرة في البداية، لكنها تراجعت لاحقًا؛ نتيجة عدم الثقة في الولايات المتحدة بعد تجارب سابقة مع الأكراد في المنطقة.
هذا يعكس في جانب منه مقاربة برجماتية لدى القوى الكردية، تقوم على تقييم موازين القوى والضمانات السياسية قبل الانخراط في صراعات داخلية معقدة.
حسين بهجت
ما إمكانية قيام محور إقليمي يضم مصر والسعودية وتركيا لمواجهة الهيمنة الإسرائيلية المحتملة في المنطقة بعد انتهاء الحرب؟
حماد
تحقيق مثل هذا المحور يتطلب تحركًا سريعًا من الدول الثلاث لبناء تصور إقليمي جديد، يقوم على تنسيق سياسي واستراتيجي طويل المدى.
بعض الأطروحات في المنطقة تتحدث عن تحالفات بديلة قد تستثني مصر، مثل التصورات (كما قطر) التي تتحدث عن محور يضم السعودية وتركيا وباكستان، مصر لا يمكن استبعادها من أي ترتيبات إقليمية مستقبلية؛ نظرًا لثقلها الاستراتيجي وموقعها الجيو سياسي، وهناك ضرورة لبناء توافق إقليمي واسع يرفض الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
السفيرة أمل مراد

شكل الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة سيتوقف بدرجة كبيرة على كيفية انتهاء الحرب، والصراع الحالي يتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، في ظل ميل الأطراف المختلفة إلى التصعيد بدلًا من البحث عن تسويات سياسية.
المشروع الإسرائيلي يستهدف في جوهره إضعاف الدولة الإيرانية، وربما تفكيكها، والحرب تمثل بالنسبة لإيران صراعًا وجوديًا، يتعلق بمستقبل الدولة والنظام السياسي.
بينما حدود التصعيد بالنسبة للولايات المتحدة ترتبط بعاملين رئيسيين:
الأول: هو موقف الرأي العام الأمريكي، والثاني: هو مواقف الحلفاء الدوليين المتضررين من الحرب، خاصة في أوروبا وآسيا، والذين قد يمارسون ضغوطًا على واشنطن من أجل إنهاء الصراع، إذا تصاعدت كلفته الاقتصادية.
أيمن زين الدين
الحرب قد تدفع دول المنطقة إلى مراجعة العديد من سياساتها الأمنية والاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بترتيبات الأمن الإقليمي. والتطورات الحالية قد تفتح المجال أمام دور أكبر للقوى الإقليمية الرئيسية مثل مصر وتركيا والسعودية في صياغة ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.
هشام جعفر

الحرب لا يمكن فصلها عن التنافس الاستراتيجي العالمي بين الولايات المتحدة والصين ومسألة الممرات، ويجب النظر إلى الاقتصاد السياسي للحرب في إسرائيل، واستفادتها من الحرب مثلا البورصة وقطاع الذكاء الاصطناعي.
إن إيران تمثل عنصرًا مهمًا في مشروع مبادرة الحزام والطريق، والمنطقة تمر بمرحلة من عدم الاستقرار العميق، والحرب قد تؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، خاصة إذا أدت إلى تغييرات كبيرة في موازين القوى أو في بنية التحالفات الإقليمية.
مصطفى كامل السيد
إن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرة لخوض حروب متكررة؛ للحفاظ على تفوقها العسكري، وهو ما قد يفرض ضغوطًا كبيرة على المجتمع الإسرائيلي على المدى الطويل.
نموذج “الدولة القلعة” الذي يقوم على الاستعداد الدائم للحرب قد يكون صعب الاستدامة، في مجتمع يسعى إلى الاستقرار والنمو الاقتصادي.
حماد
المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو مزيد من اليمين والتشدد، وهو ما قد يقلل من فرص التوصل إلى تسويات سياسية في المستقبل القريب. وهناك مؤشرات، على أن قطاعات واسعة من الشباب الإسرائيلي تميل إلى دعم الأحزاب اليمينية، بما في ذلك دعم سياسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
بهجت
إن المنطقة تقف أمام مفترق طرق تاريخي، حيث قد تؤدي نتائج الحرب إلى إعادة رسم موازين القوى والتحالفات في الشرق الأوسط.






