في ظل تصاعد الصراع في السودان، يشهد وسط وشرق إفريقيا موجة متصاعدة من المخاطر الأمنية، حيث امتدت تداعيات الأزمة إلى دول الجوار، لا سيما تشاد، التي تأثرت بالنزاع السوداني الذي تجاوز الحدود ويتميز بتشابك أمني وسياسي معقد.

كما تواجه المنطقة الحدودية أزمة إنسانية حادة، إذ يقيم أكثر من مليون لاجئ سوداني في ظروف بالغة الصعوبة، ضمن مناطق تعاني أصلاً من التهميش ونقص الخدمات وضعف الأمن.
ويُبرز تقرير صادر عن Africa Center for Strategic Studies، أن الحرب بين الجيش السوداني والدعم السريع أصبحت قوة مضاعفة للضغط على استقرار تشاد، مع تصاعد أعمال العنف، وتدفق اللاجئين، وتحركات المقاتلين، وتنوع الانحيازات بين مؤيدي الجيش السوداني وقوة الدعم السريع داخل الأراضي التشادية.
ويشير التقرير، إلى أن التشابكات الجيو سياسية والضغوط الأمنية على الحدود تجعل من تشاد، الدولة الهشة أصلاً، بيئة معرضة لموجات جديدة من الاضطرابات، خاصة مع المنافسة الإقليمية المتزايدة على النفوذ وتوسيع قواعد العمليات داخل وخارج السودان، والتي لم يعد الاصطفاف التشادي خيار سياسي حر، بل ضرورة مدفوعة بالأزمة الاقتصادية، ومصدرها ممتد بجانب عوامل خارجية، إذ قدمت الإمارات تمويلاً يتجاوز 700 مليون دولار منذ عام 2023، هذا المبلغ الذي يشكل 15% من الميزانية السنوية، منح أبوظبي نفوذاً هيكلياً على القرار الدبلوماسي في نجامينا، مما وضع الدولة في مأزق بين التبعية المالية والاستقرار المجتمعي.
النزاع السوداني يهدد الاستقرار الداخلي في تشاد

تشكل تداعيات الحرب في السودان تهديدًا أمنيًا متصاعدًا لتشاد، ففي ديسمبر 2025، أودت ضربة بطائرة مسيرة قرب بلدة “تيني” بحياة جنديين، وتبعتها اشتباكات في يناير 2026 تسببت في مقتل سبعة آخرين على الحدود الشرقية.
في فبراير، وبعد توغلات مسلحة إضافية، أغلقت تشاد حدودها مع السودان ونشرت آلاف الجنود على طول الحدود الممتدة نحو 1400 كيلو متر، لكن الانتهاكات استمرت، مما حول الأزمة من تهديد جوار إلى تهديد أمني مباشر.
بعيدًا عن الحوادث الحدودية، يضاعف الصراع السوداني الضغوط على دولة هشّة مثل تشاد، على الصعد الأمنية، والجيو سياسية، والإنسانية والسياسية، وخلافًا لصورتها كداعم للاستقرار الإقليمي، أصبحت تشاد عرضة للديناميكيات المزعزعة للاستقرار القادمة من السودان، خصوصًا بعد تقارير تفيد بأن حكومة الرئيس محمد إدريس ديبي سهلت وصول إمدادات لقوات الدعم السريع منذ 2023، ما عمّق الانقسامات الداخلية، خاصة بين جماعة الزغاوة ومجموعات شرق تشاد المرتبطة بدارفور.
الشركاء ودورهم في حرب السودان

اصطفاف تشاد مع شركاء خارجيين مثل الإمارات وروسيا، فُسّر على أنه استراتيجية لتعزيز موقفها، لكنه زاد الاضطراب الإقليمي، وأبرز التنافس بين الإمارات ودول خليجية أخرى على النفوذ، كما أضفى تدخل روسيا أبعادًا جديدة من عدم الاستقرار.
وقد أصبحت الحدود التشادية السودانية ممرًا نشطًا لتهريب الأسلحة وحركة الجماعات المسلحة، بما في ذلك عناصر قوات الدعم السريع، ضمن قوس إقليمي يربط ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان، ويضاعف هذا الروابط الاجتماعية العابرة للحدود وتاريخ تشاد الطويل مع التمردات وحروب الوكالة.
حاليا، تستضيف تشاد نحو 1.3 مليون لاجئ سوداني، أغلبهم من دارفور، ما يزيد الضغط على المقاطعات الشرقية الفقيرة، ويختبر قدرة نجامينا على احتواء الصدمات الأمنية.
كما يتعقد الوضع بسبب التفتت السياسي والعسكري في السودان، حيث تنشط حركات دارفورية وميليشيات محلية بدوافع انتهازية، في المقابل تواصل تحالفات مدنية الدعوة لبديل سياسي، لكنها غالبًا ما تطغى عليها الديناميكيات العسكرية.
عدم الاستقرار يهدد تشاد الهشة
اندماج تشاد في تحالف خارجي يشمل الإمارات وروسيا وبعض القوى الليبية، جميعها منخرطة مباشرة في حرب السودان، يعزز هشاشة البلاد، فالتوترات تتفاقم داخل مجتمع الزغاوة، العابر للحدود والمؤثر في تشاد والسودان، حيث يختلف موقف أعضائه تجاه دعم نجامينا لقوات الدعم السريع المسئولة عن فظائع في دارفور.
قوات الدعم السريع، المشتقة من ميليشيات الجنجويد العربية، عززت نفوذها العسكري والاقتصادي عبر السيطرة على مواقع تعدين الذهب، بدعم من شبكات روسية وإماراتية، مما وسع سيطرتها على أجزاء واسعة من دارفور وكردفان.
وقد ساهم التقارب بين طموحاتها ومصالح داعميها الخارجيين في “تدويل” النزاع وتأثيره المباشر على دول الجوار، بما في ذلك تشاد.
تُظهر التحليلات، أن نجامينا و”أم جرس” استخدمتا كنقاط ترانزيت لإمدادات عسكرية إلى قوات الدعم السريع، ورغم نفي تشاد أي تورط مباشر، فإن انحيازها إلى قوات الدعم السريع زاد من توتر العلاقات مع القوات المسلحة السودانية ورفع خطر إجراءات انتقامية.
الروابط التاريخية بين مجتمعات الزغاوة في تشاد والسودان، خلّفت توترات إقليمية، وأعمال العنف السابقة تركت ندوبًا داخل المجتمع، ما يخلق تناقضًا استراتيجيًا في الهيكل السياسي القائم حاليا، ويهدد الاستقرار الداخلي، ويزيد من احتمال الانشقاقات وإعادة الاصطفاف المسلح.
دوافع دعم تشاد لحميدتي
وقوف تشاد مع قوات الدعم السريع، يهدف إلى حماية النظام في بيئة إقليمية متقلبة، أكثر من كونه تقاربًا أيديولوجيًا. الإمارات عززت تمويلها لتشاد منذ 2023، بما يشمل قروضًا ومنحًا تزيد على 700 مليون دولار، تمثل نحو 15% من ميزانية البلاد السنوية، ما يمنحها نفوذًا هيكليًا على خيارات نجامينا الدبلوماسية.
أمنياً، شرق تشاد حساس لوقوعه قرب جماعات المعارضة المسلحة السودانية والتشادية، مصادر متعددة تشير إلى مشاركة أفراد ومعدات ليبية وإماراتية وروسية، إضافة لمرتزقة، لدعم قوات الدعم السريع. والوقوف معها يُنظر إليه كوسيلة لموازنة نفوذ القوات المسلحة السودانية واحتواء الديناميكيات المجتمعية التي قد تهدد القيادة التشادية.
التصدعات الناشئة
عمقت الحرب السودانية الانقسامات المجتمعية عبر الحدود، حيث أعادت التحالفات العسكرية والسياسية تشكيل الولاءات، مما يزيد صعوبة الاستقرار، ويهدد باندلاع صراعات جديدة. بعض قطاعات التبو (مجموعة عرقية شبه رُحّل توجد في جنوب ليبيا، وشمال تشاد، وشرق النيجر، وشمال غرب السودان)، والعرب دعمت قوات الدعم السريع في حين دعم الزغاوة الجيش السوداني، ما يعكس استقطابًا متزايدًا.

تتأثر الولاءات أيضًا بتحولات ميليشيات محلية وعابرة للحدود، بينما حركات التمرد التشادية بين جنوب ليبيا وشمال تشاد ودارفور تبقى فاعلة في مسار النزاع والتحالفات الإقليمية. على المدى المتوسط، الاحتمالات تتراوح بين تعزيز التحالفات الداخلية للزغاوة أو ترسيخ عدم الاستقرار الإقليمي الطويل الأمد في حال تقسيم السودان.
| المجموعة العرقية | الولاء | الدافع |
| الزغاوة | الجيش السوداني | حماية الوجود في دارفور ضد الدعم السريع. |
| التبو/العرب/ | قوات الدعم السريع | تقاطع المصالح والروابط العابرة للحدود. |
| النخبة الحاكمة | ظاهريا توازن حذر | الحفاظ على الدعم المالي (الإماراتي) وتجنب الانقلاب. |
عواقب الفصائلية العسكرية
منذ 1990، استندت السلطة في تشاد إلى هيكل أمني فصائلي، منح ولاءات مجتمعية محددة نفوذًا مفرطًا داخل الجيش، مما أضعف التماسك المؤسسي وعزز الولاءات الشخصية والتشرذم، الحرب في السودان زادت الضعف البنيوي، مع احتمال حدوث اضطرابات سياسية أو عنف داخلي، وربط التدفقات الإقليمية للأسلحة بالمخاطر الأمنية المحلية.
تشاد في برميل بارود
هشاشة تشاد تتقاطع مع الحرب السودانية وتنافس القوى الخارجية: الإمارات تدعم قوات الدعم السريع، مقابل دعم السعودية ومصر وقطر الجيش السوداني، مع دور متزايد لروسيا وتركيا في الساحل وليبيا وإفريقيا الوسطى.
وحال الاعتماد على الحياد النشط قد يقلل التوترات الداخلية ويوازن العلاقات الخارجية، بينما استقرار تشاد يعتمد على إدارة صدوعها الداخلية وتقليل التعرض للأجندات الخارجية أكثر من محاولة التحكم بنتيجة الحرب في السودان.






