يهيمن على سياسة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبدأ واحد فقط، وهو “السيطرة على الطاقة”، في ظل عدم اقتناعه بالأحاديث عن الطاقة النظيفة والتغير المناخي، فتفكيره يشغله فقط “الذهب الأسود” بأشكاله وأصنافه.
منذ أن تولى ترامب السلطة، وافق على ما يقارب 6000 طلب للحصول على تراخيص تنقيب في الأراضي الفيدرالية الأمريكية، بزيادة قدرها 55% مقارنةً بالفترة نفسها من عامي 2024- 2025، مما يُسرّع من وتيرة تطوير الطاقة المحلية، ويخلق فرص عمل.
يشن فريق البيت الأبيض باستمرار هجوما على ما أسموه بـ”عبادة المناخ” فلا يعبأوا بالطاقة النظيفة، وخصصوا 625 مليون دولار لإحياء ما أسموه صناعة الفحم النظيف في أمريكا، ودعم تحديثها وإعادة تشغيلها، وتوفير طاقة أساسية موثوقة للمجتمعات وشبكة الكهرباء.
انسحب ترامب من اتفاقية باريس للمناخ وعشرات المنظمات المناخية الدولية الأخرى؛ لأنه يؤمن فقط بالطاقة التقليدية، وأوقف برنامج السيارات الكهربائية الذي بدأ في عهد سلفه جو بايدن، بما في ذلك برنامج شحن السيارات الكهربائية الفيدرالي الذي بلغت قيمته 7.5 مليارات دولار، مُعيدًا توجيه الموارد نحو الطاقة التقليدية فقط.
الهيمنة التي يريدها ترامب تبدأ من الداخل الأمريكي أولاً بطفرة هائلة في إنتاج النفط إلى مستويات قياسية، وقد زادت صادرات الغاز الطبيعي المسال بأكثر من 20% لتبلغ أكثر من 100 مليون طن متري في عام واحد، لتكون بذلك الولايات المتحدة أول دولة في العالم تحقق ذلك المستوى.
النفط كورقة ضغط
لم يعد مفهوم الهيمنة على الطاقة، يقتصر على الإنتاج المحلي أو قوة التصدير فحسب، بل بات يشمل بشكل متزايد السيطرة على موارد الطاقة عالميًا ونقاط الاختناق الاستراتيجية، والتدفق العالمي، في خضم التنافس بين الولايات المتحدة والصين، حيث باتت الطاقة أداةً حاسمة، وتُبرز التطورات الحادة في فنزويلا وإيران عنصرين مختلفين من استراتيجية الطاقة كأداة جيو سياسية أوسع نطاقًا.
تتعدى تطلعات البيت الأبيض، تَصَدُر الإنتاج العالمي، ولكن استخدام النفط كورقة مساومة وضغط، فمع الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والإشراف على إنتاج النفط في فنزويلا، تستخدم واشنطن حاليًا تلك الورقة للضغط على كوبا بقطع إمدادات النفط الفنزويلي عنها.
عبر ورقة النفط أيضًا، يتم الضغط على الهند لوقف شراء النفط الروسي بأسعار مخفضة، قبل أن يُسمح لها مؤقتًا بشرائه من أجل خفض الأسعار المشتعلة عالمًيا، وفي ملف إيران توجد فرصة للضغط على الصين المستفيد الرئيسي من النفط الروسي والإيراني الرخيص.
المستفيدون من تلك الاستراتيجية هم المنتجون الأمريكيون في نصف الكرة الغربي الذين يؤيدون أسعار مرتفعة، تعوض تكاليف الاستخراج العالية من النفط الصخري، والشركات الأمريكية على مستوى العالم، بالإضافة إلى منتجي أوبك في الخليج الذين يُعدّون شركاء أساسيين لترامب وحلفاء له.
تحييد أوبك.. خطة أمريكية مقصودة
تمثل فنزويلا السيطرة على الموارد، إذ تمتلك بعضًا من أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، وقد يؤدي ازدياد النفوذ الأمريكي على موارد الطاقة الفنزويلية إلى توسيع سيطرة الغرب على قدرات الإمداد الرئيسية في نصف الكرة الغربي.
لكن في إيران الوضع مختلف، فحرب ترامب هدفها النفط والسيطرة على مضيق هرمز حتى من قبل محاولات طهران لإغلاقه، فيعبر مضيق هرمز ما يقارب 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي للبترول، بالإضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وتمر معظم صادرات كبار المنتجين في المنطقة- السعودية والعراق والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة- عبر هذا الممر الضيق، وتتجه معظم هذه الطاقة في نهاية المطاف إلى آسيا، وخاصة الصين، ولعقود طويلة، نُظر إلى المضيق في المقام الأول على أنه خطر أمني، ولكن في عالم تتشكل فيه ملامح التنافس الجيو سياسي، قد تتزايد أهميته.
خطة حرب إيران.. السيطرة على النفط فقط
في الحرب الدائرة حاليًا على إيران، لا ينكر وزير النقل الأمريكي شون دوفي ذلك المبدأ، إذ يقول إن الرئيس الأمريكي لديه خطة واضحة في إدارة الحرب، وأن أجندته للهيمنة على الطاقة تقع في صميم هذه المعركة الدائرة حاليًا.
وفي ظل شعور ترامب– والعديد من القادة الأمريكيين قبله- بالإحباط من قدرة أعضاء أوبك على التهديد برفع الأسعار وزعزعة استقرار الاقتصاد الأمريكي، عبر زيادة إنتاج النفط المحلي والإقليمي، فإن عمليات إيران وفنزويلا بمثابة رادع أمريكي لـ”أوبك” ودولها.
منذ 2008، تكررت المطالبات الأمريكية لـ”أوبك” بزيادة الإنتاج من أجل السيطرة على ارتفاع أسعار البنزين المحلية وتداعياته على التعافي الاقتصادي العالمي، لكن منذ أن تحولت أوبك إلى “أوبك + ” بانضمام روسيا ومنتجين كبار آخرين من خارج “أوبك”، أصبحت المنظمة تنظر في المقام الأول لمصالح دولها الأعضاء بالمقام الأول.
في ديسمبر 2024، وقبل تولي ترامب المسئولية، عبر ممثلون لدول من تحالف أوبك+ إن التحالف قلق من زيادة جديدة في إنتاج الولايات المتحدة من النفط، عندما يعود دونالد ترامب للبيت الأبيض؛ لأن تلك الزيادة ستعني أن حصة أوبك + من السوق ستشهد تراجعا أكبر، وستقوض جهود التحالف لدعم الأسعار.
بتقليص أظافر “أوبك” والسيطرة على النفط الإيراني، ستتمكن أمريكا من التحكم في الطاقة عالميًا، والإضرار العنيف بالصين دون الدخول معها في أي مواجهة عسكرية، وتصبح التسعيرة لعبة في يد الإدارة الأمريكية، خاصة إذا ما توصلت إلى صفقة مع الروس.
سيطرة على الغاز عبر الحليف
تكتمل الخطة الأمريكية مع منح الحليف الأكبر والتابع “إسرائيل” سيطرة نفطية على الغاز في شرق المتوسط، فلم يكن من الممكن لحقل “كاريش” ولا “شمال كاريش”، أن يقعا في المياه الإسرائيلية، لو أصر لبنان على حقه عام 2020، بأن حدوده البحرية تمتد جنوباً، إلا أن المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة، أقنعت بيروت في أكتوبر 2022 بقبول الحدود الحالية.
في عام 2010، قدّر تقرير المؤسسة الأمريكية للمسح الجيولوجي احتياطات الغاز المتوقعة في شرق البحر الأبيض المتوسط بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز، حيث تتضمّن الحقول العاملة فيها نحو 68 تريليون قدم مكعب.
في عام 2021، أصدرت المؤسسة نفسها تقييماً جديداً للمنطقة، حيث أشارت إلى أنّ المنطقة تحتوي على 286.2 تريليون قدم مكعب من الغاز، وبينها جزء كبير في المياه الاقليمية الفلسطينية قرابة شواطئ غزة، وكان ذلك أحد مبررات الرغبة “الإسرائيليةـ الترامبية” في تهجير أهالي القطاع والسيطرة عليه رغم محدودية مساحته، إذ يبلغ طول القطاع 41 كيلو مترًا، بعرض يتراوح بين 6 و12 كيلو مترًا، وتبلغ مساحته الإجمالية 365 كيلو مترًا مربعًا.
تحديات الخطة الأمريكية
قبل وقت طويل من الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران، قال مسئولون في إدارة ترامب مرارًا وتكرارًا، إن “هيمنة الطاقة” الأمريكية تعني قيودًا أقل على العمل العسكري في الخارج، بما في ذلك في الدول المنتجة للنفط، وحينما قصفت الولايات المتحدة إيران الصيف الماضي، واعتقلت رئيس فنزويلا في يناير، كان التأثير على أسعار النفط العالمية محدودًا نسبيًا.
وقال كريس رايت، وزير الطاقة، على قناة سي إن بي سي: “العالم لديه إمدادات نفطية وفيرة حاليًا، وأعتقد أن هذا يمنح الرئيس ترامب نفوذًا أكبر في تحركاته الجيو سياسية، إذ لا يخشى ارتفاعًا حادًا في أسعار النفط”.
لكن ما لم تضعه الإدارة الأمريكية في حسبانها، هو إطالة أمد الحرب واستهداف إيران منشآت نفطية بالمنطقة ونجاحها في إغلاق مضيق هرمز، وهو ما سبب ارتفاعًا غير مقصود بأسعار النفط، ستستفيد منه الشركات الأمريكية، لكن يخلق ضغوطا من شركاء أمريكا الأوروبيين.
أدى استعداد إيران لإغلاق المضيق إلى جانب عدم كفاية نشر السفن في المنطقة، إلى تردد البحرية الأمريكية في مرافقة ناقلات النفط عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي خلال الأسبوعين الماضيين، في سيناريو حذر منه الخبراء لعقود، وتجاهلته إدارة ترامب، كما يقول سال ميركوليانو، المؤرخ البحري والأستاذ في الأكاديمية البحرية التجارية الأمريكية وجامعة كامبل.
أضاف ميركوليانو، الذي أشار إلى أن العديد من السفن طلبت مرافقة البحرية: “أنا مصدوم من فشل الإدارة في التخطيط أو وضع أي توجيهات بشأن كيفية التعامل مع الشحن التجاري”. يبدو أن الولايات المتحدة تفتقر إلى الموارد الكافية.. إنها مجرد قلة فهم، يغذيها عدم إلمام ترامب بآليات عمل الجيش”.
قال جوناثان شرودن، كبير الباحثين في مركز التحليل البحري، إن البحرية الأمريكية فشلت لسنوات في إعطاء الأولوية لسفنها المخصصة لمكافحة الألغام، على الرغم من التحذيرات المتكررة على مدى عقود من احتمال محاولة إيران إغلاق المضيق.
وأضاف شرودن أن البحرية أخرجت مؤخرًا أربع كاسحات ألغام قديمة من الخدمة، كانت متمركزة في الخليج العربي في البحرين، وقد عادت إلى الولايات المتحدة قبل نحو أسبوع، وتم استبدالها بثلاث سفن أحدث، لكنه أشار إلى أن البحرية لم تستثمر بالقدر الكافي في بناء المزيد من السفن والأنظمة لمكافحة الألغام.
حلفاء أمريكا بالناتو يمتلكون سفنًا لإزالة الألغام أكثر من البحرية الأمريكية، لكن إدارة ترامب فشلت أيضًا في الحصول على دعم دول الناتو وبعض الحلفاء الإقليميين الآخرين للهجوم الأمريكي الإسرائيلي، فإيطاليا نأت بنفسها عن الصراع وكذلك ألمانيا وفرنسا وبريطانيا واكتفى بعضهم بنشر بعض الطائرات لحماية الخليج فقط.
الأمر ذاته يتكرر في غزة، فأهالي القطاع رفضوا الترهيب بالقتل والاستهداف وخنق مقومات الحياة أو بالترغيب بالحديث عن مبالغ مالية وحياة أفضل بالخارج، ما أجل أيضًا الطموح الترامبي في السيطرة على جزء من مخزون الغاز، بشكل غير مباشر عبر الشريك إسرائيل.






