تُلقي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بظلال ثقيلة على الاقتصاد المصري، لكن وسط ذلك النفق يوجد بريق فرص استثمارية واعدة، شريطة أن تقدم الحكومة نفسها كبديل استثماري جيد للشركات التي تعتزم مغادرة دبي تحديدًا بعد استهدافها بالهجمات الأخيرة، والقضاء على التعقيدات البيروقراطية.
منذ اندلاع الحرب، يواصل الأثرياء الذين اتخذوا من دبي موطنًا، الفرار من مركز الأعمال البراق بكل الوسائل المتاحة، لتفقد المدينة الصحراوية التي جذبتهم بفضل ضرائبها المنخفضة، وأمانها، وفخامتها، وحكومتها الداعمة للأعمال، مزاياها.
تُرسل عدة حكومات أجنبية، من بينها بريطانيا وألمانيا، طائرات إلى سلطنة عُمان لإجلاء رعاياها، نظرًا لانخفاض عدد الرحلات التجارية المُسيّرة من مطارات الإمارات، وسط ارتفاع أسعار التذاكر بشكل حاد؛ بسبب نقص الطائرات.
ووفقا لتقرير صحيفة “فايننشال تايمز”، وصلت تكلفة إجلاء عائلة واحدة مكونة من أربعة أفراد من دبي عبر طائرة خاصة إلى نحو 250 ألف دولار، في ظل ارتفاع حاد بأسعار الطائرات المستأجرة، وتراجع الرحلات الجوية التجارية بعد الاضطرابات الأمنية في المنطقة، كما تحولت سلطنة عُمان إلى مركز عبور رئيسي لعمليات الإجلاء، بعدما أبقت حدودها مفتوحة وسهّلت دخول المسافرين.
مليارات يمكن جذبها
يقول رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن التوقعات تشير إلى احتمالية نزوح ما يزيد عن 260 مليار دولار أمريكي أو ما يعادله من العملات الأجنبية الأخرى من الدول الخليجية مع استمرار العمليات، ومن المنطقي، أن تذهب تلك الأموال إلى الوجهة الآمنة في المنطقة تحديدًا بصرف النظر عن معدلات الفائدة السائدة.
تصدّرت مصر قائمة الدول العربية من حيث أسعار الفائدة لعام 2025، إذ بلغ سعر الفائدة الأساسي 25.5%، ورغم تخفيض البنك المركزي وتخليه عن سياسة التشديد النقدي، لكن لا تزال الفائدة الحقيقية بمصر (الفرق بين الفائدة البنكية والتضخم) من أفضل المستويات عالميًا.
توقع الجرم، أن تؤدي التطورات السريعة والمتلاحقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي لنزوح الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الاقتصادات ذات الاقتصاد المالي نحو الاقتصادات ذات الاقتصاد العيني، والاقتصاد العيني يركز بشكل اساسي على الإنتاج، والتوزيع، واستهلاك السلع والخدمات الحقيقية، ومصر تندرج تحت طائفة الاقتصادات العينية المتنوعة، إذ لديها مصانع وشركات وأراضي شاسعة صالحة للزراعة والتشييد وقوة استهلاكية أكثر من مائة مليون نسمة، فالاستهلاك يخلق الانتاج من خلال زيادة الطلب على السلع والخدمات.
أما الاقتصاد المالي، فيركز على القطاع المالي (المصارف، البورصة، الأوراق المالية، الائتمان وأسهم وسندات وتوريق)، وهي عناصر موجودة في الاقتصاد الإماراتي، أما الاقتصاد العيني، يعتمد على الطاقة الإنتاجية المادية، كذلك يعتمد الاقتصاد المالي على تدفق النقد والأصول المالية، والوقت، وحالات عدم اليقين، بحسب الجرم.
في الحرب الدائرة حاليًا، تم استهداف أكبر مركز بيانات لشركة “أمازون” الأمريكية في الشرق الأوسط ويقع بالبحرين، بجانب فرع بنك “سيتي بنك” الأمريكي بدبي، كما تم قصف العديد من المقار الإدارية لشركات عالمية، وبالتالي، أصبح الأمن أحد العناصر الأساسية التي يمكن تسويق مصر بها أمام الكيانات الراغبة في الرحيل.
استفادة كبيرة للنقل البحري
مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، تحولت مواني البحر الأبيض المتوسط مراكز رئيسية لتفريغ البضائع المستوردة؛ لنقلها برًا إلى مواني البحر الأحمر، ومنها إلى الخليج، ويجري الإعفاء الاستثنائي من رسوم التسجيل للبضائع العابرة في نويبع والسخنة وسفاجا، فضلاً عن ارتفاع طاقة استيعاب الحاويات إلى 19 مليون حاوية نمطية.
منح أحمد كجوك، وزير المالية، شحنات الترانزيت العابر تسهيلات جمركية استثنائية بالمواني المصرية، تهدف إلى تيسير حركة البضائع إلى وجهتها النهائية وتعزيز تدفق التجارة عبر مصر، موضحا أن تلك الإجراءات ستتم دون التقيد بالتسجيل المسبق للشحنات ACI، بما يسهم في دعم سلاسل الإمداد الدولية، خاصة بين الاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربي، ودفع حركة التجارة العالمية.
أحمد أموي، رئيس مصلحة الجمارك، يقول إن استثناء شحنات الترانزيت العابر من التسجيل المسبق سيستمر لمدة ثلاثة أشهر، مشيرًا إلى منح أولوية متقدمة لإنهاء إجراءات هذه الشحنات في المواني، مضيفا أن التيسيرات تتضمن البضائع العالقة بالفعل، وما تم شحنه بعد اندلاع الحرب الإيرانية، بما يدعم استمرار حركة التجارة، ويخفف الضغط على سلاسل الإمداد العالمية.
تحركات وزارة المالية جاءت في ظل الضغوط التي تشهدها مواني الغردقة وسفاجا على البحر الأحمر، بالإضافة إلى ميناء نيوم السعودي، إذ يجري يومًيا نقل نحو 500 شحنة يوميا عبر خط “نيوم- سفاجا، مع تكدس المزيد من البضائع في انتظار توفر العبارات، كما يشهد ميناء شرق بورسعيد نشاطا متزايدا كبديل استراتيجي، كونه يتيح لشركات الشحن تجاوز مضيق باب المندب وقناة السويس بالكامل.
انطلق تشغيل الخط الملاحي بين مينائي “سفاجا” و”نيوم” في نهاية 2025 للنقل على نطاق واسع للبضائع، التي تشمل السلع الاستهلاكية سريعة التداول، وقطع الغيار الصناعية، والمنتجات القابلة للتلف، فالممر يختصر زمن الرحلة بنسبة تتجاوز 50% مقارنة بالمسارات التقليدية عبر المواني الأخرى، ما يعزز تنافسية الصادرات المصرية ويخفض كلفة النقل على المصدرين.
ووفقًا لهيئة مواني البحر الأحمر، فإن إجمالي عدد السفن المتواجدة على أرصفة مواني الهيئة 10 سفن، وتم تداول 17000 طن بضائع، و1028 شاحنة، و107 سيارات، إذ شملت حركة الواردات 3000 طن بضائع، و451 شاحنة و75 سيارة، فيما شملت حركة الصادرات 14000 طن بضائع، و577 شاحنة، و32 سيارة، وهو مؤشر على نشاط كبير في حركة المناولة بالمواني والطلب على السلع.
تأثير إيجابي مستقبلي على السياحة
رغم المخاوف من تأثير الحرب على المقصد السياحي المصري؛ نظرًا لحساسية صناعة السياحة تجاه الأوضاع السياسية والأمنية، وتوقعات بنك الاستثمار الأمريكي “مورجان ستانلي” من تزايد المخاطر التي تواجه القطاع السياحي بمصر مع استمرار الصراع الحالي في الشرق الأوسط، وتواصل حالة عدم اليقين حتى الربع الثالث من 2026، إلا أن هناك بوادر لانتعاشة مستقبلية بمصر.
الشركات السياحية الشهيرة تؤكد ذلك التوجه، فشركة “بيجاس تورستيك“، قالت إن نحو 30% من الحجوزات الملغاة إلى الإمارات المتحدة خلال الفترة من 28 فبراير، وحتى 31 مارس يتم إعادة حجزها حالياً إلى مصر وتركيا، مع وجود تفضيل واضح من السياح لمدينتي الغردقة وشرم الشيخ .
بينما قالت شركة “أنيكس السياحية”، إن ما يقرب من 40% من الرحلات السياحية القادمة من الشرق الأوسط، يتم إعادة حجزها حالياً إلى مصر، مع اختيار منتجعات الغردقة وشرم الشيخ بنسب متقاربة، موضحاً أن أكثر من 85% من عمليات إعادة الحجز تمت بالفعل خلال شهر مارس الجاري.
كما أشارت شركة “سبيس ترافل”، إلى أنه تم إعادة جدولة نحو 60% من الرحلات السياحية؛ لتكون خلال شهري مارس وإبريل، وكذلك أشارت شركة «راشن إكسبريس» إلى وجود إقبال متزايد على إعادة حجز المنتجعات السياحية المصرية خلال الشهر المقبل، خاصة في المدن الساحلية المطلة على البحر الأحمر.
فرص كبيرة أمام مصر في النقل
المهندس مدحت القاضي، رئيس شعبة خدمات النقل الدولي واللوجستيات، يقول إن التطورات الجيو سياسية الحالية بالمنطقة، وما تشهده طرق التجارة من اضطرابات، تمثل فرصة مهمة أمام مصر لتعزيز دورها كمركز إقليمي لتجميع البضائع القادمة من منطقة الخليج والشرق الأوسط، وإعادة تصديرها إلى الأسواق الأوروبية عبر المواني المصرية.
يعزو القاضي رأيه إلى البنية التحتية الجيدة بمصر من وجود شبكة طرق قومية متطورة، تربط المواني المصرية بالدول المجاورة، وتطوير المواني المصرية، بالإضافة إلى أن الأرصفة والمحطات الجديدة تساهم في رفع كفاءة عمليات الشحن والتصدير، وتسرّع من حركة تداول البضائع، مما يعزز قدرة مصر على أن تصبح مركزاً محورياً لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية بالمنطقة.
في غضون ذلك، تضاعف النشاط على الطريق البري بين مصر والأردن، مع عبور 100 شحنة عبر هذا الممر يوميا، وكانت زارة النقل قد بدأت في 2024 تشغيل المرحلة الأولى من خط التجارة العربي اللوجستي المتكامل المتعدد الوسائط بين مصر والأردن والعراق، لخدمة نقل البضائع بدول الخليج العربي لمواني الدول الأوروبية، والأمريكية.
تمر البضائع من خلال الربط بين مواني العقبة ونويبع على خليج العقبة ومنها بريًا- حاليًا- عبر سيناء من خلال طريق نويبع/ طابا/ النفق، ومنها لمواني العريش وشرق بورسعيد ودمياط والإسكندرية الكبير، وهو المسار الذي يمثل الجزء البري من ممر طابا العريش اللوجستي، وذلك لاستغلالها للخدمات البحرية المباشرة بين المواني المصرية والأوروبية والأمريكية، وذلك من خلال وزارة النقل المصرية بالتعاون مع وزارتي النقل العراقية والأردنية.
لكن أداء ذلك الدرور يتطلب تعزيز الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر البشرية العاملة في قطاع النقل واللوجستيات، إلى جانب تشجيع الشراكات والاندماجات بين الشركات لرفع كفاءة القطاع، وتمكينه من التعامل مع التحولات السريعة في حركة التجارة الدولية، بحسب المهندس مدحت القاضي.
فرص في تداول الطاقة
يُوفر خط “سوميد” بديلاً استراتيجيًا أيضًا للنفط المتكدس بالخليج بعدما نقل 365 مليون برميل من النفط في عام 2025، واقترحت وزارة البترول على “أرامكو”، أكبر مُصدّر للنفط في العالم، استخدام خط “سوميد”، خاصة مع توجه الشركة نحو تحميل شحنات النفط بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، متجاوزةً بذلك مضيق هرمز الذي تُصَدر منه في المعتاد نفطها الخام من الخليج العربي.
الدكتور بشير عبد الفتاح، الباحث بمركز الأهرام للدراسات، يقول إن الأزمة الحالية أكدت ضرورة الاعتماد على أكثر من مصدر وطرق متعددة لنقل النفط والغاز، بما في ذلك خطوط الأنابيب والمواني والمضائق والممرات البحرية، وبناءً على ذلك ستكون الدول التي تمتلك هذه القدرات محط تركيز في المستقبل، وتعتبر مصر من أبرز هذه الدول سواء في مجال النفط أو الغاز.
يضيف أن لعب أي دولة دور مركز إقليمي للطاقة يتطلب عدة شروط أساسية: أولها الموقع الجيو سياسي الحيوي بالنسبة للدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، وأن تكون الدولة منتجة للنفط والغاز، وثالثًا امتلاك بنية تحتية قوية تمكن الدولة من القيام بهذا الدور، وتلك الشروط موجودة بمصر التي تملك أيضًا محطات الإسالة في إدكو ودمياط، والتي تعد عناصر مهمة في دعم دور ها كمركز إقليمي للطاقة.






