بتوقيت ملغم بالتساؤلات والمخاوف وأجواء حرب ضارية، أعيدت فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة للتداول الدبلوماسي دون توافر الحد الأدنى من التوافقات الجدية اللازمة، التي تبدت عام (2015) قبل إجهاضها تماما.

في المرتين تصدرت القاهرة مشاهد الدعوة.

بالمرة الأولى، اكتسبت زخما لافتا من التطورات اليمنية الدامية، التي استبقت “عاصفة الحزم” بقيادة سعودية منفردة.

في ذلك الوقت، تصورت السعودية، أن قيادة العالم العربي آلت إليها، وأنه قد آن الأوان أن يتراجع الدور المصري إلى الخطوط الخلفية معترفا بقيادتها.

لم تبد حماسا للمقترح المصري، وبدت أكثر ميلا إلى الرفض في صمت، فهي تدرك قواعد اللعبة الدولية في الخليج والمنطقة التي يصعب خرقها على نحو واسع، وأن أطرافا نافذة لا ترحب بالتطلع المصري إلى بناء نفوذ جديد في المنطقة عبر القوة المشتركة، فجيشها بكل المقاييس العالمية أقوى الجيوش العربية وأكثرها جاهزية.

ولم تكن الموافقة العربية إجماعية، فالجزائر تحفظت بتساؤلات ومخاوف والعراق عارض المشروع؛ خشية أن يكون موجها ضد حليفه الإيراني، ودول أخرى سايرت الكلام، لكنها لم تكن ترغب أن تساهم في هذا الحلف العسكري لأسباب تخصها.

بصورة مفاجئة ألغي اجتماع كان مقررا في مقر الجامعة العربية لرؤساء أركان الجيوش كخطوة مشتركة لإعلان القوة العربية، بعد أن وصلوا إلى القاهرة.

لم يكن الحديث عمن يقود القوة العربية المشتركة محض نزعة مجردة، فقد أُسندت قيادة “عاصفة الحزم” إلى الرياض وحدها، التي أخذت تتصرف على أساس ما تحوزه من قوة اقتصادية وسياسية، لم يعد ينقصها لتؤكد أحقيتها بالقيادة، غير أن تعلن عن قوتها العسكرية.

أخفقت الرهانات لكن التساؤلات ما تزال تطرح نفسها.

بالمرة الثانية، أعيد المشروع للتداول في أجواء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

بدت منطقة الخليج مهددة في صميم أمنها، كما لم يحدث من قبل.

بتعبير رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير “تركي الفيصل”، فقد ثبت أن القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة تعمل من أجل حماية إسرائيل لا دول الخليج.

كان ذلك استخلاصا حقيقيا وصائبا.

تحت ضغط أزمة الأمن الخليجي، طُرحت أفكار مثل “إنشاء ناتو خليجي”، أو العودة مجددا لمشروع القوة العربية المشتركة.

تبدت في أجواء الحرب نزعتان متضادتان.

الأولى، تبحث عن ذرائع، لما بدا أنه عجز خليجي فادح في حفظ أمن دولها، كان أخطرها تحميل العالم العربي، مصر بالذات مسئوليته.

جرت ملاسنات على شبكات التواصل الاجتماعي، تجاوزت كل حد، ومزقت أية أواصر.

خُلطت أوراق على نحو فادح، كأن الحرب عدوان إيراني سافر على الخليج، لا عدوان أمريكي إسرائيلي على دولة إقليمية مسلمة لتفكيكها وإسقاط نظامها، ودفع المنطقة كلها لحروب عرقية ومذهبية، تؤسس لشرق أوسط جديد، أو حقبة إسرائيلية تتهدد مصر في صميم أمنها ومستقبلها.

هكذا انحاز المصريون بأغلبية ساحقة إلى مقتضيات أمنهم القومي، دون تلعثم في تحديد من هو العدو.

الثانية، الاستخفاف بمصر وبأية أدوار يمكن أن تقوم بها دعما للخليج، دون تورط في الحرب على إيران.

“لا نحتاج إلى مساعدة دول عربية هشة، تعيش أزمات داخلية خانقة، ولا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها”.

“لسنا في حاجة إلى قوة عربية مشتركة الآن”.

عندما يكون الكلام منسوبا لأستاذ في العلوم السياسية ومقربا من دوائر الحكم، فالمعنى أن توقيت طرح الفكرة خاطئ تماما ومن كافة الجوانب.

أسوأ ما يحدث الآن هو خلط الأوراق.

حسب تصريح أخير للجيش الإسرائيلي: “ما يزال لدينا آلاف الأهداف لقصفها في طهران”.

ما موقفنا بالضبط أمام حرب تتمدد وتُنذِر؟

إذا كانت دول مثل إسبانيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا واليابان ترفض التورط في الحرب، فلا يصح أن تتورط فيها مصر بأية ذريعة!

أي عمل عسكري هو عمل سياسي، وحديث القوة هو حديث في السياسة وأهدافها ومصالحها.

عندما نتحدث عن عمل عسكري عربي مشترك، فإنه من البديهي أن نتساءل عن الأفق السياسي الذي تتحرك تحته قوة السلاح.

أين مواضع الخطر ومصادر التهديد؟

بصياغة أكثر تحديدا: من هو العدو؟

كانت تلك أسئلة جوهرية اعترضت الفكرة ومشروعها قبل أحد عشر عاما.

لم تكن هناك إجابة واضحة وصريحة.

ولا كان ممكنا أن نسحب صفة العدو من إسرائيل ونسبغها على إيران.

إيران ليست إسرائيل، ومن غير المقبول بأي قياس استبدال الثانية بالأولى.

هذا خلط مريع في الأوراق، يقوض نهائيا أي تطلع لعمل عربي عسكري مشترك، يحظى بأي قدر من الاحترام.

في بيئة إقليمية تسودها النزاعات المذهبية، فإن الطرف المرشح لقيادتها هو الأكثر بعدا عن مواطن الفتن، وقد كان الأزهر الشريف على عهد شيخه الجليل “محمود شلتوت” سباقا في الدعوة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية في ستينيات القرن الماضي.

السؤال- هنا- عن الإرادة السياسية الجماعية، وما إذا كان بوسعها أن تقاوم الضغوط عليها.

الحقيقة، التي يجب أن نصارح أنفسنا بها في أوضاع مستجدة وأكثر تعقيدا، أن مستقبل المشروع كله يقرره السياسيون لا العسكريون، فقبل الحديث في تشكيل القوة وطبيعتها وهيكلها ومهامها وعتادها وقيادتها، يتوجب البت في أفقها السياسي، متى تتدخل وبأي شروط؟.. وأين أولوياتها ووفق أية رؤية للأمن القومي؟

لا توجد قاعدة تفاهم والأولويات متناقضة بقسوة والصدام مرشح للتفاقم على أكثر من جبهة.

هذا هو وقت المصارحة بالحقائق، حتى لا تتقوض للأبد أكثر الأفكار نبلا في بناء قوة عربية مشتركة، تصون الأمن القومي العربي وفق أولويات واضحة، تعرف أعداءها دون تردد، أو تلعثم.

الأفق السياسي أولا وثانيا وثالثا قبل أي حديث عن العمل العسكري المشترك.