اقتربت سفن حربية أمريكية من الأراضي الإيرانية، وهي تحمل آلاف من جنود البحرية الأمريكية، وقبلها تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية احتلال جزيرة خارك التي تستحوذ على أكثر من ثلثي مصافي وأنابيب إنتاج وتصدير النفط الإيراني، وظل الرئيس الأمريكي يتأرجح في حديثه بين إسقاط النظام وتدميره متطابقا مع الرغبة الإسرائيلية، وبين حديث آخر يتعلق بتغيير سلوك النظام وتفكيك مشروعه النووي وتجميد مشروعه الصاروخي.

والموكد، أن هذه الحرب لن تنتهي بنتائج “رمادية” مثلما جرى في حرب العام الماضي التي استمرت فقط ١٢ يوما، إنما ستنتهي بمنتصر ومهزوم، دون أن يعني ذلك أن النصر أو الهزيمة سيكون ساحقا أو بالضربة القاضية، إنما سيكون واضحا من المنتصر ومن المهزوم من خلال “ترتيبات ما بعد الحرب” وشروط وقف القتال.

والحقيقة، أن مؤشرات هذه الحرب بعد مرور ثلاثة أسابيع على اشتعالها، تقول إن إيران خسرت جانبا يعتد به من قدراتها العسكرية، وعجز دفاعها الجوي عن إيقاف الغارات والصواريخ الأمريكية الإسرائيلية، وتأكد اختراق جبهتها الداخلية باستهداف المرشد في اليوم الأول من الحرب، ثم اغتيال أول أمس كل من علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وغلام رضا سلماني قائد قوات “الباسيج” وتهديد المرشد الجديد مجتبى خامنئي بالاغتيال.

والحقيقة، إن استباحة الأجواء الإيرانية وتدمير جانب كبير من قدراتها العسكرية والمدنية، بجانب استمرار الاختراق الأمريكي الإسرائيلي للجبهة الداخلية، واستهداف عدد كبير من قادة الصف الأول، كل ذلك أعاد طرح سيناريو “هزيمة إيران” عسكريا وسياسيا وتفكيك القوات النظامية وهيكل القيادة، بما يعني إمكانية فقدان السيطرة على عناصر الحرس الثوري والباسيج وغيرهما، وهنا نكون دخلنا في سيناريو كارثي يذكرنا بما جرى في أفغانستان عقب احتلاها من قبل القوات الأمريكية في ٢٠٠١، ثم انسحابها بعد عشرين عاما عقب نجاح حركة طالبان في تحرير البلاد من الاحتلال الأمريكي، وكذلك ما حدث في العراق عقب الغزو الأمريكي في ٢٠٠٣ من فوضى وإرهاب عقب تفكيك مؤسسات الدولة.

إرسال قوات برية أمريكية لإيران، يعني أن هناك تفكيرا جديا في هذا السيناريو بإيعاز إسرائيلي، وأن نجاح هذه القوات مع الضربات الجوية ومساعدة عناصر في الداخل في تفكيك النظام بالقوة وفرض نظام جديد بالقوة، سيكون كارثة مكتملة الأركان على الجميع، وستتحول بقايا النظام القديم وبقايا الحرس الثوري إلى تنظيمات وفصائل أكثر شراسة وعنفا وانتقاما من الجميع داخل المنطقة وخارجها، وهو سيناريو لا زلنا نعتبره غير راجح مثل سيناريو انتصار إيران.

هذا السيناريو الثاني (انتصار إيران) سيعني فشل الهجمات الأمريكية الإسرائيلية في إسقاط النظام أو أحداث تغيير جذري في سلوكه وتوجهاته، والاكتفاء بإجراء تغيرات شكلية محدودة، بعد أن يكون قد نجح في توجيه ضربات للمصالح الأمريكية في الخليج، ويؤثر على حركة التجارة العالمية ويرفع أسعار النفط والمواد الغذائية، ويكلف الاقتصاد الأمريكي خسائر فادحة، بعد أن يصمد ويطيل أمد الحرب.

والحقيقة، أن فرص “انتصار إيران” ضعيفة مثل فرص “هزيمتها” واستسلامها، في حين أن الأقرب حدوثه على ضوء مسار المواجهات الحالية والوضع الدولي والإقليمي، هو أن تعود أمريكا للخطط الأولي التي قامت على إضعاف النظام بغرض تغيير سلوكه وتجميد مشروعة النووي، ونكون في هذه الحالة أمام نظام جديد غير منفصل تماما عن القديم، يحتفظ بمؤسساته، ومن تبقى من قادته، وسيكون مطالب بتقديم تنازلات محسوبة لأمريكا والمجتمع الدولي.

إن الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات النظام الإيراني (مهما كان الرأي فيها) وإصلاحها وتغيير سياستها، هو السيناريو الآمن للجميع، ومشكلته أن الأمريكان يفكرون فيه، ولكنهم يتراجعون عنه حين يستمعون لنصائح الحكومة الإسرائيلية التي ترحب بكل كارثة، تحل بشعوب المنطقة، مهما كانت قسوتها.

ورغم تعثر الجولة الأولى من جهود الوساطة الثلاثية التي ضمت روسيا وسلطنة عمان وتركيا؛ لوقف الحرب وفق شروط تضمن تنازلات إيرانية مقابل عدم التصعيد؛ تمهيدا لوقف إطلاق النار، إلا إنها فتحت الباب أمام “نافذة سياسية”، يمكن أن توقف الحرب ويقبلها نظام المرشد الجديد.

صحيح، أن المؤشرات الأولى تقول إن الاتجاهات التي تحل مكان القيادات التي تم اغتيالها هي الأكثر تشددا ومسكونة بروح الثأر لمقتل القادة السابقين، إلا أن التجارب تقول إن كثيرا من الاتجاهات المتشددة قدمت تنازلات كبيرة، وتغيرت وراجعت نفسها وفي أحيان أخرى ناورت “ولفت ودارت” من أجل الحفاظ على بقائها، خاصة إذا شعرت أن التهديدات التي تواجهها “وجودية”.

إذا كان من نصيب إيران أن تذهب نحو السيناريو الثالث، أي أن تصمد في وجه آلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية، فإن هذا الصمود لن يكفي بمفرده لإنهاء الحرب، كما جرى في العام الماضي، إنما سيتطلب استدعاء “برجماتية” المتشددين التي في بعض الأحيان تكون غير متوقعه، من أجل تقديم تنازلات صعبة، ولكنها غير مستحيلة، وستتطلب تجميد أو تفكيك المشروع النووي، وأيضا إجراء إصلاحات سياسية جراحية، تحفظ لإيران تماسكها ووحدتها في مرحلة ما بعد الحرب.