يعود عدم تدوين النساء لتجاربهن إلى الأمية الأبجدية الجزئية التي كانت سائدة في القرون البعيدة، وميل المتصوفات إلى العزلة، وانطفاء الرغبة في الإشهار والظهور، وهي طبيعة تميز من سلكوا طريقًا عميقًا في التصوف، رجالًا كانوا أو نساءً. وهناك من المتصوفات من كن يعتبرن أن اكتمال الحال يرتبط بالسكوت أو غياب القول، والزهد في التمثيل الرمزي بين أرباب التصوف وأوليائه، لاسيما في وقت كان فيه التصوف ذا طبيعة فردية.

 وإذا كان الرجال بانخراطهم بين الناس يجدون من يرى أحوالهم، ويدون أقوالهم، فإن هذا لم يكن متاحًا للنساء بالقدر نفسه، وإن أتيح فهو في الغالب يلتقط عبارات محددة من أقوال مأثورة، وحكم سابغة، ومفهوم أو اصطلاح صوفي مستمد من الحال، ويستسلم لطبيعة تجارب المتصوفات المتقلبة بين التسبيح والذكر والبكاء والصمت الاختياري والخدمة أو تذوق التجربة.

 وفيما وجدت بعض النساء من الرجال الذين نقلوا عنهن بإسناد أو من دونه، سواء كان قولًا أو محاورة أو مناظرة، فإن الأغلبية منهن فقدن مثل هذه الاستشهاد، وبذا فقدن التعبير عنهن بواسطة خطاب لغوي واضح أو مفصل، في ظل تصورات كانت تذهب إلى أن نقل صوت المرأة علنًا يلقى تحفظًا أخلاقيًا أو دينيًا، بدءًا بذكر إسمها، إلى وصف حالها، أو صياغة أقوالها، أو تصوير لغة جسدها.

 ومن ذهب إلى الإعلان عن هؤلاء النسوة الصالحات، من الذكور المهيمنين وقتها على الخطاب، ذكر عنهن ما فهمه، وطوعه لأسلوبه هو الشفاهي أو الكتابي، أو ما انتقاه وفق رؤيته، وما يعتقد من وجهة نظره أنه يصلح للتعبير عن طبيعة تصوف امرأة ما.

وهناك من يرون أن جسد المرأة، حيث دم الحيض والبكارة والنفاس، كان عائقًا في نظر الرجال لبلوغها الولاية الصوفية، فهي بحكم طبيعتها البيولوجية تنشغل بجمالها، وحملها وأمومتها، ولن ترتقي في مراتب الصلاح إلا بإمحاء جسدها، ويقولون إن غير مطلوب. وهذا قول لا يستقيم، فلو كان الأمر كذلك ما كانت على المرأة التكليف الذي على الرجل، وإن كانت هناك رخصة لها بسبب طبيعة جسدها، فللرجال رخصهم للطبيعة نفسها، وإن اختلفت الأسباب.

كما أن الله خلق المرأة على هذا، كي تؤدي دورها في الحياة، وهذا لا ينقص منها شيئًا. فهي وجدت لتلعب دور “هي” وهو وجد ليلعب دور “هو”، ويمثل هذا طبيعة الحياة البشرية، في تكامل للأدوار لا تنافرها وتصادمها، وبذا لا يجب تأويل الفوارق البيولوجية اجتماعيًا أو سياسيًا بما يحرم المرأة من حقوقها العامة.

وقد ظل البعد البيولوجي حاضرا في تأويل أقصى المرأة من تولي الإمامة الكبرى عند المسلمين، مثلما أقصيت في المسيحية من تولي الشؤون الكنسية، وكان الوضع في اليهودية أشد، فالمرأة ليست مقصية من تولي الوظائف الدينية فقط، بل ممنوع عليها تعلم اللغة المقدسة، لا قراءة ولا كتابة، فالتلمود يقول: “من الأفضل حرق التوارة على أن يسلم لامرأة.” لأنها هي التي أغواها الشيطان “وما أغوى الشرير آدم بل أغوى المرأة فوقعت في المعصية.” وهي ممنوعة من دخول أماكن العبادة، ليس في أيام الحيض فقط، إنما في أيام النفاس، بل فرقت بين ما إذا كان المولود ذكرا أم أنثى، فإن كان الأول امتد المنع أربعين يوما، وإن كانت الثانية ضوعفت المدة.

وإذا عدنا إلى الإسلام نجد أن من أرخوا للتصوف لم يخرجوا في موقفهم من المرأة كثيرًا عما ذهب إليه الفقهاء، الذين لم يبرزوا دور المحدثات والواعظات والداعيات، رغم أن النص الإسلامي نفسه لا يمنع هذا، وهي مسألة واضحة تمامًا في النص القرآني، حيث تقول الآية: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)، وتقول أخرى: (من عمل صالحًا من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)، وقد ورد في القرآن لفظ “ذكر” ومشتقاته مساويًا تمامًا للفظ “أنثى” ومشتقاته.

 وفيما يخص السُنَّة النبوية، فيرهن على هذا تمامًا قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن السيدة عائشة “خذوا نصف دينكم عن هاته الحميراء”. وقد أورد الزركشي في كتابه “الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة”، كيف كانت هي، بما سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تستدرك على الصحابة بالتصحيح والتنقيح والرفض، وأن استدراكاتها بلغت تسعة وخمسين على ثلاثة وعشرين من الصحابة.

وأبرزت كتب السيرة النبوية الدور المهم الذي لعبته السيدة خديجة رضي الله عنها في صدر الدعوة الإٍسلامية، أو التفصيل في دور هجيمة بنت حيي زوجة الصحابي أبو الدرداء، التي كان الرجال يتفقهون على يديها، ومن أشهر طلابها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

وكان المحدث الورع سفيان الثوري يقر بما تعلمه من امرأة متصوفة هي بنت أم حسان الأسدية، حين دخل عليها فوجدها وأثر الضعف يبدو على وجهها وهي صابرة محتسبة، فقال لها: يا بنت أم حسان، إنك لن تؤتي أكثر مما أوتي موسى والخضر عليهما السلام، إذ أتيا أهل القرية فاستطعما أهلها. فردت عليه: يا سفيان قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقالت: اعترفت له بالشكر، قال: نعم، قالت: وجب عليك من معرفة الشكر شكر، وبمعرفة الشكرين شكر، شكر لا ينقضي، فقال سفيان: قصر والله علمي، وفسد لساني، كلما اعترفت له بنعمة، وجب علي بمعرفة النعمة شكر. ثم قال: ووليت وأنا أريد الخروج، فقالت: يا سفيان كفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعمله، وكفى بالمرء علمًا أن يخاف الله، وإنك لن تتقي القلب الردئ حتى تكون الهموم كلها في الله همًا واحدًا، فقال سفيان: فقصرت والله في نفسي.

 كما لم يعتن المؤرخون بالقدر الكافي بإبراز دور المرأة في مجال الوقف والأحباس، حيث النساء اللاتي أقمن المساجد والزوايا والتكايا والخانقاوات والأربطة والأسبلة والمدارس والمكتبات العامة والمستشفيات ودور طلبة العلم وبيوت تستضيف الفقراء والمحتاجين وعابري السبيل، رغم أن تاريخ المسلمين يحفل بهذا في القاهرة وبغداد ودمشق وحلب والقدس وتونس والرباط.

 حدث هذا مع أن تاريخ المسلمين حافل بنماذج نسائية بارزة من الفقيهات والمحدثات والخطيبات والمجادلات والمحاورات والمناظِرات والمداويات والتاجرات والمحتسبات، فيما يخبرنا تاريخ الأدب العربي بأن المرأة لم تكن متلقية للثقافة فحسب، بل منتجة لها، ومؤثرة بها، كما يذهب ناصر الدين الأسد في كتابه “مصادر الشعر الجاهلي”، متحدثًا عن امرأة تدعى الشفاء بنت عبد الله العدوية، التي كانت تجيد القراءة والكتابة قبل الإسلام، ودرست للنسوة أيام الجاهلية وفي صدر الإسلام، ومنهن حفصة بنت عمر بن الخطاب. ووجدنا تماضر بنت عمرو (الخنساء) شاعرة مشهود لها بالكفاءة، وهي أول من وضع المرثيات الشعرية العربية. وكانت هناك أخريات مثلما يذكر الباحث والشاعر اللبناني بشير بن سليم يموت في كتابه “شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام”، مثل ليلى الأخيلية، وصفيّة بنت ثعلبة الشيبانية، وهند بنت عتبة، ودار الثريا بنت علي بن عبد الله، ووالدها كان من أثرياء مكّة.وفي كتابه الشهير “البيان والتبيين”، يوضح لنا الجاحظ كيف امتلكت نسوة متصوفات ناصية البلاغة، وذكر مثلًا لهذا في أم الصهباء معاذة بنت عبد الله العدوية، واصفًا إياها، فضلًا عن أنها كانت واحدة من كبريات الناسكات الزاهدات، بأنها من أهل البيان. وكرر الأمر نفسه مع رابعة