مع استمرار الحرب “الأمريكيةـ الإسرائيلية” على إيران وتطوراتها الدراماتيكية اليومية التي وصلت في آخر مراحلها لاستهداف آبار النفط وحقول الغاز، تتصاعد خسائر الاقتصاد العالمي اليومية بشكل مضطرد.
خلال 13 يومًا فقط، تم تصنيف الحرب الحالية، بأنها أول صراع منذ الحرب العالمية الثانية، يؤثر بشكل مباشر على المدن والمنشآت التي تُعدّ مراكز محورية في الاقتصاد العالمي.
استخدمت أمريكا ذخائر بقيمة 5.6 مليارات دولار في أول يومين، واستهلكت وحدها ما يُقدّر بنحو 1250 ذخيرة دفاعية وهجومية خلال الساعات الـ36 الأولى من الحرب على إيران، وتُمثّل الذخائر المستهلكة، والمعادن اللازمة لتصنيعها، مشكلةً صناعيةً دفاعيةً للغرب، لا سيما الولايات المتحدة.
تصل التقديرات للتكلفة التي تكبدتها الولايات المتحدى عسكريًا بحوالي 11.3 مليار دولار في الأيام الستة الأولى للحرب، وما زالت التكلفة تتصاعد.
وفقًا لقناة برستيفي، فإن الولايات المتحدة خسرت 150 نظام إطلاق و23 وحدة دفاع جوي من طراز باتريوت، و37 طائرة (مسيرة ومقاتلة ومروحية) بجانب تدمير ما يصل إلى 43% من مخزونات الأسلحة الأمريكية بالشرق الأوسط.
خسرت الولايات المتحدة بالفعل أربعة من رادارات AN/TPY -2 المستخدمة في نظام ثاد THAAD، مما اضطرها إلى سحب أنظمة THAAD من جبهات أخرى، بما في ذلك كوريا الجنوبية، لاستبدالها.
تبلغ تكلفة كل رادار من THAAD نحو 500 مليون دولار، بينما تتراوح تكلفة كل صاروخ اعتراضي بين 13 و15 مليون دولار، أما منظومة ثاد الكاملة، التي تضم رادارًا ومحطة تحكم وست منصات إطلاق و48 صاروخًا، فتبلغ تكلفتها 2.73 مليار دولار.
بالنسبة لإسرائيل “حليفة” أمريكا بالحرب، فالخسائر يتم التغطية عليها، إذ قدّرت وزارة المالية في دولة الاحتلال، بأن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الحرب الجوية مع إيران قد تتجاوز ثلاثة مليارات دولار أسبوعياً.
اشتعال سوق النفط
انتقل تأثير الحرب أبعد من الأطراف المشاركة فيها، مع ارتفاع سعر برميل خام برنت إلى 119.50 دولار خلال جلسة التداول في 9 مارس، قبل أن يتراجع إلى ما دون 100 دولار بوقت لاحق من اليوم ذاته، وتذبذبت الأسعار بين مستويات مرتفعة وغير مرتفعة منذ 11 مارس.
يُعد هذا الارتفاع الأكبر خلال العام الماضي، متجاوزًا الارتفاع الذي شهده شهر يونيو 2025 خلال حرب الأيام الاثني عشر على إيران من جانب إسرائيل والولايات المتحدة، وحتى الجمعة، استمر تداول النفط بأكثر من 100 دولار للبرميل.
يقول المحلل في شركة “إس بي آي” لإدارة الأصول ستيفن إينيس، إنه كلما طال أمد النزاع، تحول إلى صدمة طاقة كلاسيكية تغذي التضخم بشكل مباشر.
أشار إلى أن النفط يؤثر على كل شيء من الشحن إلى الغذاء إلى فواتير الخدمات المنزلية، لذلك، فإن التأثير الأول يطال التضخم، لكن التأثير الثاني هو على النمو؛ لأن ارتفاع أسعار الطاقة يكون بمثابة ضريبة على المستهلكين والشركات.
وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، تقول إن استقرار أسعار النفط عند 100 دولار للبرميل يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 0,4% بعد أربعة أرباع، ويضيف ما بين 1,2 و 1,5 نقطة مئوية إلى التضخم في أوروبا والولايات المتحدة.
استنفاد الاحتياطيات النفطية
وأعلنت وكالة الطاقة الدولية، أن الدول الأعضاء فيها البالغ عددها 32 دولة قد وافقت بالإجماع على السحب من مخزونها الاحتياطي للطوارئ الذي يزيد عن 1.2 مليار برميل للمساعدة في تخفيف اضطرابات السوق ومواجهة ارتفاع أسعار النفط.
كما أعلنت الولايات المتحدة، أنها تسمح مؤقتًا للدول بشراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات والموجود بالفعل في البحر.
بحسب محللين، حاولت إدارة ترامب استخدام جميع أدواتها السياسية- العسكرية والمالية والمتعلقة بالطاقة- للحد من تداعيات الحرب التي أشعلتها، ولكن جميع محاولاتها باءت بالفشل حتى الآن.
في داخل الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار البنزين إلى أكثر من 3.50 دولارًا للجالون في المتوسط، أي بزيادة نصف دولار، مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي.
تضرر كبير لدول الخليج
مع الضربات الأولى على إيران، أصبحت دول الخليج بمثابة ساحة الرد، لتتأثر صادرات المنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال بشدة جراء الحرب، وتنخفض معها الإيرادات بصورة فادحة.
تشير تقديرات مجموعة وود ماكنزي الاستشارية، إلى أن السعودية خسرت الجزء الأكبر من عائدات الطاقة – 4.5 مليارات دولار- منذ بدء الحرب.
وتكبدت دول الخليج في الأيام الأولى للحرب خسائر بقيمة 15.1 مليار دولار من عائداتها النفطية، وذلك بخلاف البنية التحتية التي تم تدميرها.
وأوقفت شركة قطر للطاقة، المملوكة للدولة، وثاني أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم الإنتاج، مما أدى إلى تداعيات سلبية على أسواق الأسمدة العالمية، كما حذّر وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، من أن الحرب في الشرق الأوسط قد “تُدمّر اقتصادات العالم”.
إغلاق مضيق هرمز
في الثاني من مارس، توعدت إيران بإطلاق النار على أي سفينة تحاول عبور مضيق هرمز، ومنذ ذلك الحين، حوصرت نحو ٥٠٠ ناقلة نفط وغاز، و٥٠٠ سفينة حاويات، وست سفن سياحية على جانبي المضيق، وفقًا لما ذكرته صحيفة الجارديان.
وتعرضت 22 سفينة مدنية على الأقل، من بينها ناقلات نفط وسفن حاويات وسفن شحن أخرى، تعمل في الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان، لهجمات إيرانية منذ بداية الحرب.
في ظل الارتفاع الناتج في تكاليف التأمين على السفن العاملة في الخليج، أعلنت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC)، أنها ستوفر إعادة تأمين بحري لبعض السفن التي لم يتم تحديدها بعد، وذلك في إطار جهود إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة تدفق شحنات الطاقة عبر المضيق.
لكن فشلت الحلول الأمريكية أيضًا لدرجة وصلت إلى مطالبة الرئيس الأمريكي للصين حليف إيران والخصم السياسي والاقتصادي لواشنطن بإرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز لضمان سلامة الممر المائي الحيوي لنقل الطاقة.
تتكدس ما لا يقل عن 10,7 مليارات دولار من شحنات الخام والمنتجات والغاز المسال داخل مضيق هرمز، محمَّلة لكنها غير قادرة على بلوغ وجهاتها، وإن جزءا من هذه الشحنات بيع مسبقاً بموجب عقود طويلة الأجل، ما قد يتيح تدفق بعض الإيرادات تبعا لمواعيد السداد المعتادة بين 15 و30 يومًا بعد التحميل.
خسائر قطاع السياحة
حتى 11 مارس، تم إلغاء أكثر من 46 ألف رحلة جوية من وإلى الشرق الأوسط، فقد استهدفت إيران مطارات في عدة دول بالمنطقة، بما في ذلك مطار دبي الدولي، وهو أكثر مطارات العالم ازدحامًا.
كما علّق مطار حمد الدولي في الدوحة جميع الرحلات الجوية من 1 إلى 6 مارس، ولا يزال يعمل بجزء ضئيل من طاقته الاستيعابية المعتادة.
وتسببت اضطرابات الرحلات الجوية في تقطع السبل بمئات الآلاف من المسافرين في المنطقة مع بداية الحرب، مما زاد من صعوبة جهود الإجلاء
في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار وقود الطائرات بوتيرة أسرع من أسعار النفط، وسيُحمّل هذا العبء على المستهلكين بجميع أنحاء العالم، مع إعلان شركات الطيران عن زيادات في الأسعار وتقليص جداول رحلاتها.
تسبب الحرب خسائر لقطاع السياحة في المنطقة تبلغ نحو 600 مليون دولار يوميا، وذلك وفق تقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر.
وتم إلغاء أكثر من 80 ألف حجز لوحدات سكنية للإيجار قصير الأجل في دبي وحدها في الأسبوع المنتهي في 6 مارس الجاري، وذلك استنادا لبيانات مواقع متخصصة في توفير الإقامة للمسافرين مثل موقع “آير بي آند بي“.
هل تستطيع دول الخليج التعويض؟
ستكون الخسائر المالية لقطر نتيجة توقف صادراتها من الغاز الطبيعي المسال لمدة شهر واحد متواضعة نسبيًا، حيث تبلغ 4 مليارات دولار أمريكي (بافتراض 6 ملايين طن بسعر 14 دولارًا أمريكيًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية)، ويمكن تعويض هذه الخسائر بسهولة مع عودة الأمور إلى طبيعتها.
مع ذلك، تواجه خطط قطر والإمارات طويلة الأجل لتوسيع صادراتهما من الغاز الطبيعي المسال حالة من عدم اليقين، فقد تأجل بدء تشغيل مشروع التوسعة القطري إلى منتصف عام 2027. كما أن التوقعات بشأن احتمالية زيادة الطلب الآسيوي بشكل مطرد تبدو الآن أقل يقيناً.
وستتمكن السعودية من تعويض بعض خسائرها في الإيرادات بفضل ارتفاع أسعار النفط. إلا أن وضعها المالي كان يُظهر بالفعل التحديات قبل الحرب.
وبلغ العجز المالي 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وجرى تقليص الإنفاق الرأسمالي، وقد ازداد اعتماد المملكة على تدفقات رأس المال، بما في ذلك الاقتراض الخارجي الذي بلغ 156 مليار دولار.
وأظهر صافي الأصول الأجنبية لبنوكها التجارية عجزًا قدره 57 مليار دولار أمريكي في نهاية يناير، وسيعيد المقرضون والمستثمرون الأجانب تقييم المخاطر السعودية، حتى لو عادت صادرات النفط إلى مستويات ما قبل الحرب في غضون أشهر قليلة.






