الحلقة الأولى
مما لا شك فيه أن 5 يونية 1967 هو هزيمة عسكرية ثقيلة ، وحدث سياسي ينبغي أن نقف عنده ، نتأمل أسبابه ونتائجه . ولكننا في هذا المقال سننظر في كيف تمت معالجته ، حيث إن السياسات التي اتبعت بعد العدوان لا تقل خطورة على حاضرنا ، مما حدث قبله .
ونحن هنا أمام رؤيتين استراتيجيتين مختلفتين تماما حيال العدوان ، ويحسن قبل تناولهم ، أن نبدأ بتحديد بعض المفاهيم أولا . فالاستراتيجية Strategy هي فن استخدام الموارد المتاحة لتحقيق هدف سياسي أو عسكري أو اقتصادي كبير ، والسؤال الذي تجيب عنه هو”كيف نحقق هدفنا بشكل عام ؟”، بينما التكتيك يجيب عن سؤال: ما الخطوات والإجراءات المحددة التي سأقوم بها الآن؟ . كذلك لابد من الإشارة إلى مفهومين مرتبطين بمفهوم الاستراتيجية ، وهما الجيوبوليتيكا والجيوستراتيجية ، وهي ثلاثة مفاهيم مترابطة ، لكنها ليست الشيء نفسه .
فالجيوسياسية Geopolitics تعني دراسة تأثير الجغرافيا على السياسة والقوة .” كيف تؤثر الجغرافيا في سلوك الدول ومصالحها؟” . والجغرافيا تشمل ؛ الموقع ، المناخ ، الجبال والأنهار ، البحار والمضائق ، الموارد الطبيعية ، السكان . أي أن الجيوسياسية تدرس القيود والفرص ، التي تفرضها الجغرافيا على الدول .
أما الجيوستراتيجية Geostrategyفهي تطبيق الاستراتيجيةa على الواقع الجغرافي . والسؤال الذي تجيب عنه هو: “كيف نستغل الجغرافيا لتحقيق أهدافنا الاستراتيجية؟” . فإذا كانت الجيوسياسية تشرح أهمية المكان ، فإن الجيوستراتيجية تشرح كيفية استخدام ذلك المكان.
ويمكننا النظر إلى سياسات جمال عبد الناصر وأنور السادات من خلال المستويات الثلاثة ؛ الجيوسياسية، والجيوستراتيجية، والاستراتيجية.
الجيوسياسية المصرية هي الثابت الذي واجهه الاثنان . فكلا الرئيسين كانا يتعاملان مع نفس الحقائق الجغرافية تقريبًا . مصر تقع عند ملتقى أفريقيا وآسيا – تمتلك قناة السويس ، أحد أهم الممرات البحرية في العالم ، تتحكم في المدخل الغربي للبحر الأحمر ، تشكل حلقة وصل بين المشرق العربي وشمال أفريقيا ، تواجه مباشرة الصراع العربي الإسرائيلي .
ويمكن القول إن كليهما انطلق من الموقع الجغرافي نفسه ، لكنهما اختلفا في الاستراتيجية والجيوستراتيجية . فعبد الناصر رأى أن موقع مصر يؤهلها لقيادة مشروع عربي واسع ، بينما رأى السادات أن الموقع نفسه يمكن استثماره لتحقيق تسوية تعيد الأرض وتغير التوازنات الدولية لصالحه .
كان الهدف الاستراتيجي لعبد الناصر هو تحويل مصر إلى مركز قيادة للعالم العربي ودولة مستقلة عن هيمنة القوى الكبرى. لذلك تبنى القومية العربية ، عدم الانحياز ، تقليص النفوذ البريطاني والفرنسي ، التصنيع .
وكانت الاستجابة الجيوستراتيجية الناصرية وهي استخدم الجغرافيا لتحقيق ذلك ؟ . السيطرة الكاملة على قناة السويس، تجسد ذلك في تأميم قناة السويس ، توسيع النفوذ المصري عربيًا وأفريقيًا ، دعم حركات التحرر في أفريقيا ، دعم قضايا عربية عديدة ، محاولة بناء عمق استراتيجي عربي ، مثل وحدة مصر وسوريا .
وكانت نقاط القوة ؛ رفع مكانة مصر الدولية – تعزيز الاستقلال السياسي – بناء قاعدة صناعية ومشروعات كبرى مثل السد العالي . وكانت التحديات هي ؛ التوسع في التزامات إقليمية متعددة ، الاعتماد المتزايد على الدعم السوفيتي ، حرب اليمن ، صدمة حرب الأيام الستة.
مقدمات الهزيمة العسكرية
قبل الخوض في تحليل السياسات التي اتبعت بعد العدوان. لابد من الإشارة إلى أطراف أخرى في النظام الإقليمي والنظام الدولي وقفت خلف العدوان الإسرائيلي عام 67، توضح معرفتها الثغرة التي دخل منها العدوان.
فالاتحاد السوفيتي نفسه الذي لم يغفر لعبد الناصر، أن الحزب الشيوعي الوحيد في العالم ، الذي حل نفسه ، هو الحزب الشيوعي المصري. رغم ما قدمه من مساعدات عسكرية واقتصادية. ويذكر مراد غالب وزير الخارجية وسفير مصر في موسكو آنذاك، أن قادة الاتحاد السوفيتي نصحوا قادة الانقلاب السوري عند زيارتهم موسكو في عام 1966، أن يعقدوا اتفاقية دفاع مشترك مع مص، وبالفعل قبلها عبد الناصر. من جهة أخرى فالسوفييت هم من أبلغوا عبد الناصر، بأن هناك حشودا عسكرية إسرائيلية على سوريا، نفي وجودها الفريق محمد فوزي في حينها. كذلك قامت السعودية بحث أمريكا على ضرب عبد الناصر، وفق ما جاء في مذكرات ضابط المخابرات الأمريكي مايلز كوبلاند، بسبب حرب اليمن وقبلها وحدة مصر وسوريا.
ولو رجعنا للأحدث التي تلت الانتقال السياسي الكبير الذي حققه عبد الناصر في معركة السويس، سنجد أن خضوع عبد الناصر للضغوط المعنوية التي تعرض لها، ليقبل وحدة اندماجية بين مصر وسوريا، كانت خطأه السياسي والاستراتيجي الكبير. لأنها دولة لا تملك الجيش القادر على حماية إقليمها، ما بالك وإقليمها منقسم يفصله دولة عدو. زد على ذلك أن دول المشرق العربي ظاهرة سياسية معقدة، لم تحقق اندماج وطني حديث، حيث تؤثر فيها صراعات القبائل والطوائف وأطماع الدول العظمى. واعتماد عبد الناصر على قوة دعم الرأي العام في الصراع الإقليمي، في ظل القيد المفروض على جيش حديث التكوين والتسليح، مكبل بالطبيعة في ظل نظام سياسي أوتوقراطي يخشى الانقلابات العسكرية .
وقد جر ذلك عليه خطأين آخرين، وهما التورط في حرب اليمن كان يمكن أن يقتصر دعمه لها على الإمداد بالسلاح والدعم السياسي كما فعل مع ثورة الجزائر. فقد دفعه الانفصال بعد مرور ثلاثة أعوام ونصف علي الوحدة، إلى التورط في حرب اليمن بعد سنة واحدة من الانفصال، لتأكيد عدم تخاذله عن قيادة الثورة العربية، وحركة التحرر الوطني. وقد كان من الأفضل الاستمرار في دعم الثورات بالمساعدات الخارجية، مثلما فعل مع ثورة الجزائر، دون التورط بالدخول بجيش نظامي في حرب عصابات، ومسرح عمليات غريب عليه، خصوصًا أنه موضع تربص الدول العظمي.
ثم جاءت ثالثة الأثافي حرب 1967، فقد كانت خطأ في الحساب ، وهو ما أشار إليه عبد الناصر في خطاب التنحي يوم 9 يونيه. ولا شك أنه يقف في خلفية هذه السياسة، أن قوة الرأي العام العربي كانت السند والحصن الحصين لقيادة جمال عبد الناصر، ودوره الثوري في العالم في مواجهة الإمبريالية، وخصوصًا في مواجهة القوتين الأعظم.
من جهة أخرى مقتل كيندي، وتولى جونسون نائبه رئاسة الولايات المتحدة، وبدء سياسة جديدة. فقد كان جونسون على رأس المناصرين للسياسة الإسرائيلية، فتوقفت المحاولات التي بدأها كيندي مع عبد الناصر، وبدأ يتخذ خطًا منحازًا لإسرائيل ومعادِ للعرب. وقد تصاعد عداء جونسون، عندما لمس أن تأثير عبد الناصر، بدأ يشتد ويمتد بشكل فعَّال خارج حدود مصر، خصوصًا في نهاية عام 1964، الذي كان عام المؤتمرات الدولية في القاهرة، حيث عقد اجتماعات القمة الأربعة، والتي انتهت برفض السيطرة الأجنبية، وتأكيد سياسة عدم الانحياز، وتأييد القضية الفلسطينية.
لذلك بدأت الحربُ على مصر عام 1965 حربًا اقتصادية. فقد استخدمت الولايات المتحدة المعونة الأمريكية بشكل مباشر للتأثير على السياسة المصرية المؤيدة لحركات التحرر. القمح بالعملة المحلية أي بالجنيه المصري ، وفق قانون فائض الحاصلات الزراعية الأمريكي. كما تم اكتشاف محاولات تدبير الاغتيال، عن طريق إحياء تنظيم ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين يقوده سيد قطب، في اطار سياسة ادعم الاغتيالات والانقلابات التي تبناها جونسون عام 1965.
وبإعلان عبد الناصر غلق خليج العقبة اعتبارًا من 23 مايو 1967، تحول الصراع من تهديد سوريا وحشد القوات على حدودها إلى غلق الخليج. واتخذ هذا الخبر الصدارة في أخبار العالم، مشفوعًا بحملة إعلامية ضد مصر. وكان هذا القرار الذي ينبغي أن يتحسب له في ضوء تطورات الأحداث السابقة.
وليس هذا طعنًا في القيادة التاريخية لجمال عبد الناصر، أو تقليلًا من أهمية الدور الذي لعبه، ولكن هذه هي أهمية درس التاريخ، فقد كان دوره دورًا فريدًا في التاريخ المصري والعربي، كما أنه عبر باقتدار عن الطاقات الكامنة للدور المصري في الإقليم والعالم، وتفاعلاته المتبادلة بينهما.
انتهت حرب يونيه 1967 بنجاح إسرائيل بالفعل، في غزو واحتلال كافة الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة، كما قامت باحتلال شبه جزيرة سيناء في مصر وهضبة الجولان في سوريا.
وما أن فرغ من قراءة خطاب التنحي في التليفزيون، واختفت صورته من الشاشة، لم يمر غير دقائق حتى جاءت الإجابة. فقد تدفقت الجماهير إلى الشوارع، وانطلق طوفان البشر منطلقا مناديًا باسم عبد الناصر ومطالبًا ببقائه. ولقد حدث نفس الشيء في مختلف الدول العربية. وتدفقت تقارير وبرقيات وكالات الأنباء. كان أولها من وكالة “يونايتد بريس” عن مشاعر الصدمة، التي أصابت وفود دول آسيا وأفريقيا في الأمم المتحدة عندما وصلها النبأ، وكيف أن بعض المندوبين العرب والأفارقة راحوا يجهشون في البكاء علنًا في أروقة الأمم المتحدة وقاعاتها، ثم كان هناك فيض من برقيات وكالات الأنباء، يحكي عن الجماهير الصارخة الباكية في كل مدن وقرى العالم العربي، واتصالات من قادة الدول العربية. ثم صدر بيانًا صادرًا عن الرئيس الفرنسي الجنرال ديجول في باريس يقول : “إنه يتمنى أن يتمكن الرئيس جمال عبد الناصر بشجاعته ووطنيته من الاستجابة لمشاعر أمته التي تطالبه بالبقاء في موقعه”. كما أرسل له رسالة شخصية يقول فيها : “إن النصر والهزيمة في المعارك عوارض عابرة في تاريخ الأمم، وما يهم هو الإرادة، ففرنسا في وقت من الأوقات ، كان نصفها تحت الاحتلال النازي، ونصفها الآخر خاضعًا لحكومة عميلة، ولكن فرنسا لم تفقد إرادتها. إن الشجاعة الحقيقية هي مواجهة المحن، أما الأوقات السعيدة فلا تحتاج إلى الشجاعة”.
كذلك كان هناك موقف له دلالته السياسية والقومية، وهو موقف الشعب التونسي، وما ترتب عليه من موقف الرئيس الحبيب بورقيبة، برغم الخلاف السياسي الشهير مع الرئيس عبد الناصر تجاه إسرائيل. فيقول أحمد المستيري وزير الدفاع التونسي في مذكراته: “وبالرغم من أن علاقتنا مع مصر لم تكن على أحسن ما يرام وقت حرب الأيام الستة، إلا أن المواطنون نزلوا الشوارع تلقائيًا في أغلب المدن، كما حدث في سائر الأقطار العربية، مرددين شعارات معادية لأمريكا وإسرائيل؛ وتطورت المظاهرات بسرعة إلى هيجان خطير، واستهداف المباني العامة ومقر الإذاعة، والبيعات اليهودية، والسفارة البريطانية، والسيارات والمحلات التجارية. وعجز مناضلو الحزب وقوات الأمن من الشرطة والحرس الوطني عن السيطرة على الجماهير، فاستنجدوا بالجيش؛ وتدخل الجيش ، وبعد يومين تمكن بصعوبة من حماية المباني العمومية، وإخلاء شوارع العاصمة من المتظاهرين؛ لكن التوتر استمر، وكان بورقيبة في حرج، لا يريد مواجهة الرأي العام، فكلف المُنجى سليم وأحمد بن صالح بعقد اجتماع عام لتهدئة الخواطر، خصوصُا عند الطلبة الذين تركوا الدروس وانتشروا في المدينة.
ويضيف المستيري: ووصل هذا المناخ إلى مجلس الأمة، فارتجلت كلمة وجيزة، فقلت: إنه علينا في هذه الظروف العصيبة، التعبير عن تضمنا مع إخواننا المصريين، تضامنًا معنويًا على الأقل، إن لم يكن سياسيُا أو عسكريُا. وعند نزولي من على المنصة، فاجأني الرئيس بورقيبة إلى أبعد مما قلت في المساندة لمصر، أي إلى المساندة السياسية، وحتى المساندة العسكرية. وهكذا صدر تصريح رسمي لتعبير عن تضامن تونس الفعلي مع مصر، وإرسال فيلق عسكري من جيشنا مع وفد صحي. وفي الغد كان الفيلق على أهبة الاستعداد للسفر إلى مصر برًا، وتجول في شوارع العاصمة ثم سوسة وصفاقس وقابس، تتقدمه فرقة موسيقية، وحيته الجماهير بالهتاف والزغاريد. إلا أنه قبل اجتيازه الحدود الليبية، تلقى الأمر بالعودة. فقد بلغتنا من القاهرة، أنباء وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل . كانت مبادرة رمزية معنوية – تافهة حسب ما قال البعض – إلا أنها كانت ضرورية ومفيدة بالنسبة للظرف.
الاستعداد للعودة للقتال
في يوم 6 يونية 1967 قرر عبد الناصر قطع العلاقات مع الولايات المتحدة. وبعد أن عاد عن استقالته في 10 مايو. وبدأت مهمة الرئيس عبد الناصر الجديدة في بناء القوات المسلحة يوم 11 يونية مباشرة، على أسس علمية جادة لم تحدث من قبل ، كما يقول الفريق أول محمد فوزي .
وفي 16 يونيه 1967 وصل إلى القاهرة وفد عسكري سوفيتي لبحث المساعدات العسكرية . كما وجهت القيادة السوفيتية الدعوة إلى جمال عبد الناصر، للتباحث معه في موسكو. عندما نقلت الدعوة إلى عبد الناصر، طلب إبلاغ السفير السوفيتي، بأنه لا ينوي الذهاب إلى موسكو في الوقت الحاضر. وأن يرى أنه من الأفضل من الوجهة السياسية، حضور أحد القادة السوفييت إلى القاهرة، وأن التقاليد قد جرت في مصر، على أنه إذا حل مكروه يشخص، فإن الأصدقاء هم الذين يفدون إلى داره للوقوف بجانبه.
وهكذا حضر بدجورني إلى القاهرة يوم 21 يونيه 1967، وتم أول لقاء بينه وبين عبد الناصر. وتحدث بدجورني عن وقوف الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية، بجانب مصر والدول العربية لإزالة آثار العدوان، وأشار إلى أهمية تحقيق ذلك عن طريق الحل السلمي، فوافقه عبد الناصر، لكنه ذكر أنه حتى يتم ذلك يجب تحقيق توازن عسكري، مما يستلزم سرعة دعم الجيش المصري ، بالأسلحة والخبراء الروس وخاصة في مجال الدفاع الجوي، وأبلغ موسكو برغبة مصر في إدخال سفن من الأسطول السوفيتي إلى البحر المتوسط، لكي تتوازن مع سفن الأسطول السادس الأمريكي، الذي تعتبره إسرائيل احتياطي استراتيجي لها.






