مع وجود الطرق الصوفية، تحول التصوف من تجربة فردية، ومنزع ذاتي جواني، إلى مسار اجتماعي له تنظيماته وتشكلاته، ما جعل هناك حاجة إلى إقامة تواصل بين أفراد الطرق الصوفية وتجمعاتها، التي تنتظم في شكل إداري، حدده قانون يحمل رقم 118 لسنة 1976 ينظم عملها، وكذلك اتصالها مع المجتمع العام، الذي يمثل المخزن البشري الذي تستقطب منه مريديها، ويعد هو السند والمدد لها، سواء قصدت أن تنهض فيه بما عليها من دعوة دينية، أو سعت إلى الحصول على عطاياه ومنافعه، في شكل نذور وهبات ومساعدات.
ويوجد عامل آخر يعزز أهمية “الاتصال الجماهيري” بالنسبة للطرق الصوفية، ألا وهو استمرار قدرتها على الوجود، رغم التحديث الاجتماعي، الذي كان هناك من يحسب أنه سيجرفها في طريقه، مثلما جرف الطوائف الحرفية، ولا سيما مع ظهور أشكال اجتماعية أخرى للتدين، بعضها ينزع إلى السياسة وينافس أو يصارع على الحكم، وأخرى تقتصر في نشاطها على الجانب الدعوي، ولكل له قاعدته الجماهيرية، وموارده المالية، وتنظيماته الموزعة على خريطة الدول من أقصاها إلى أدناها، وكلاهما يتخذان موقفًا من الطرق الصوفية، يتراوح بين النقد والجفاء والنبذ والمناهضة ومحاولة الإزاحة التامة.
ولم ينشغل الباحثون في الإعلام، بما تبذله الطرق الصوفية في مجال “الاتصال الجماهيري” من جهد في سبيل إشهار تصورها، والدفاع عن مسلكها، وجذب الأتباع إليها، إلى أن جاءت أطروحة الباحث محمد عبد الحليم إبراهيم المنسي، التي قدمها لنيل درجة الماجستير من معهد البحوث والدراسات العربية، التابع لجامعة الدول العربية، وعنوانها “توظيف الطرق الصوفية لوسائل الاتصال في نشر أفكارها.. الطريقة العربية نموذجًا”، لتغطي جانبًا مهمًا على هذا الدرب، وتثبت أن هذه الطرق لم تعدم كلها امتلاك الإعلام، ولم تهمله بالكلية، مقتصرة على العلاقات البينية المباشرة داخل صفوفها، أو الاكتفاء بنشر أخبار عنها متقطعة وموسمية في الغالب الأعم.
استخدم الباحث عدة أدوات منهجية؛ كي يختبر الافتراضات التي حددها، ويجيب على الأسئلة التي أطلقها، هي: دراسة الحالة، والمقابلة المتعمقة، والاستبيان، وحلل المادة التي حصل عليها كميًا وكيفيًا، وانتهى إلى نتائج مهمة، يخص أغلبها الحالة التي فحصها على مهل، وهي الطريقة العزمية.
لم يكن دافع الباحث لدراسة هذه الطريقة أنه من أبنائها، فهذا لم يجعله يميل في التحليل مُغلِبًا العاطفة على العقل والانحياز الوجداني على مقتضيات العلم وشروطه، إنما لأنها من أكثر الطرق التي لعبت دورًا سياسيًا واجتماعيًا، ولا تزال، إلى جانب اهتمامها بالمسألتين الأخلاقية والروحية، علاوة على المرجعية المعتبرة التي تعود إليها، وهي الكتابات المتنوعة لمؤسسها الشيخ محمد ماضي أبو العزائم، الذي غادر دنيانا عام 1937، تاركًا خلفه ستة وخمسين مؤلفًا، منها كتب متعددة الأجزاء مثل “أسرار القرآن”، وأشعاره التي حواها ديوان “ضياء القلوب” في عشرة مجلدات، و”النجاة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم”، التي بلغت سبعة عشر جزءًا، ولم تقتصر مؤلفاته على المسائل الدينية، إنما تفاعلت وتشاكلت مع مسائل اجتماعية وسياسية وفلسفية واقتصادية ولغوية وأدبية، جعلت إنتاجه محل دراسات وأطروحات جامعية عدة، بلغت نحو خمسة وعشرين أطروحة، ما بين الماجستير والدكتوراه، إلى جانب دراسات وأبحاث متفرقة، عنيت بفكره وتجربته.
لكن دراسة المنسي هذه هي الأولى عن الطريقة في مجال الاتصال والإعلام، منطلقة من اعتبار الجانب الدعوي لها “عملية اتصال متكاملة”، تضم الإعلان والإعلام والدعاية، وتنظر في مسائل الإخبار والتربية، وخلق النمط الاجتماعي، والتثقيف، والتسويق، والرقابة، والربط، والمبادرة، والتفسير، وتتعامل مع الطرق الصوفية على أنها، كغيرها من المؤسسات، تستخدم الأنشطة الاتصالية؛ لنشر أفكارها بين مريديها وفي المجتمع العام، وتحقيق أهدافها التربوية والروحية والخيرية، فيما يثبت ضرورة تغيير النظرة إلى الطرق الصوفية، على أنها “منابر للعزلة والجهل والفقر” والتعامل معها على أنها مؤسسات دينية اجتماعية تلعب أدوارًا عدة في الواقع المعيش.
لم يأت اختيار الطريقة العزمية، من بين ثمانين مسجلة رسميًا في مصر اعتباطًا، فهي في رأي الباحث من أكثر الطرق انفتاحًا وتخطيطًا، وتمتلك بعض المنابر الإعلامية مثل مجلة “الإسلام وطن” ودار نشر باسم “الكتاب الصوفي”، ولها موقع على الشبكة الدولية للمعلومات “الإنترنت”، فضلًا عن طرق الاتصال المباشرة، التي تقيمها حيث الحضرات وليالي آل البيت، والقوافل الدعوية، والندوات والمؤتمرات، واللقاءات التي يعقدها شيخ الطريقة باستمرار مع مثقفين وباحثين وصحفيين وعلماء دين.
وانتهت الدراسة إلى نتائج مهمة، منها أن الطريقة العزمية لا تميل في استراتيجيتها إلى إصلاح الراعي/ الحاكم، معتبرة هذا مضيعة للوقت، ومسارًا غير مضمون ولا مأمون النتائج، إنما تتبني إصلاح الرعية/ الناس، عبر مسارين، أفقي يعتمد على تحصين الفرد عقديًا وأخلاقيًا، ورأسي يعمل على الانتقال من الفرد إلى الأسرة ثم المجتمع.
وللطريقة رسائل محددة، هي تربية المريدين؛ ليكونوا نواة صلبة لها، وحث الطرق الصوفية الأخرى على لعب دور اجتماعي ووطني، كما تدعو المسيحيين إلى التمسك بالوحدة الوطنية ومواجهة التطرف أيًا كان دين المتطرفين، ولها خطاب أممي، يدعو إلى التفاعل الخلاق بين المسلمين، وخطاب إنساني، ينزع إلى مقاومة الظلم والجور، والتحذير من خطر الأيديولوجيات العنصرية والقاتلة ومنها الصهيونية والماسونية.
وتزاوج الطريقة بين المدخل العقلاني، حين يتعلق الأمر ببعض الكتابات التي تحويها مجلة “الإسلام وطن” وخلال الندوات واللقاءات المعرفية والدينية، وتسمح في هذا بالاجتهاد والتجديد ومواكبة مجريات الأمور على قدر الاستطاعة، والمدخل العاطفي في الحضرات والخطب، دون أن تستخدم استمالات الوعيد، حيث التخويف والترهيب، إنما الوعد حيث الثواب، الذي ينتظر أهل الإحسان والمحبة والسالكين على الطريق.
وتبين الدراسة أن الأنشطة الروحية للطريقة تحظى بإقبال شديد، وتفاعل واضح، بينما تعاني منصاتها الرقمية من ضعف التفاعل، ويعزو أتباع الطريقة هذا إلى تضييق الخوارزميات عليهم؛ لأن أفكارهم المناهضة للصهيونية والماسونية غير محبذة لدى مطلقي وسائل التواصل الاجتماعي، فضلًا عن الأسباب المرتبطة بالسياقين السياسي والأمني، والذي يتأثر به أتباع الطرق الصوفية سلبيًا مثل غيرهم.
وتدور عملية الاتصال بالأساس حول شيخ الطريقة، فهو من يطرح فكرة في لقاء جماعي، ثم يكتبها في مقال بمجلة “الإسلام وطن” أو يوسعها في كتيب، ويطلب من الدعاة الحديث عنها، ويقوم نوابه بتوجيه المريدين إليها، سواء في البيوت أو المساجد أو الحضرات، ثم يعمل على تقييم الثمار، لتبدأ بعدها مرحلة نشر الفكرة في الدوائر الاجتماعية الأوسع المحيطة بالطريقة، أو التي يتمكن أتباعها من الوصول إليها.
ولا تحصر الطريقة دعوتها ورؤيتها في الجوانب الدينية، إنما تعطي اهتمامًا للمسائل الاجتماعية والسياسية، فتواكب الأحداث الجارية والقضايا المتجددة كعادتها، إذ يعلق شيخها عليها، ويقترح بشأنها، ويبلور موقفًا يعلنه عبر المنابر الإعلامية للطريقة، أو من خلال وسيلة إعلامية أخرى تتاح له، وهي في هذا توظف استراتيجيات إعلامية لنقل المعلومات، وأخرى إقناعية؛ لتغيير سلوك المريدين إلى الأفضل، وثالثة لبناء الإجماع في المواقف المهمة، حتى لو سبق هذا أو صاحبه فتح باب حوار غير علني.
وهذا المسلك إن كان يجعل الطريقة حريصة على توعية مريديها وتثقيفهم واطلاعهم على ما يجري حولهم، فإنه، وفي الوقت ذاته، يدفع إلى أوصالها رغبة في نقد، بل مهاجمة خصومها في الفكر والسياسة عبر منصاتها الإعلامية، بل إنها أحيانا تتبنى رؤية متواصلة من أتباع المسالك الدينية الأخرى، مثل السلفيين، أو المنتمين إلى الجماعات السياسية الإسلامية.
وعبر هذين المسلكين، وباستخدام وسائل الاتصال الجماهيري، نجحت الطريقة، إلى حد ما، في تماسك أتباعها أو خلق حالة من “التضامن الاجتماعي” بينهم، وربطتهم روحيًا بالشيخ والولاء له، وأفادتهم في الجانب السلوكي أو الأخلاقي، من خلال التأثير الوجداني والمعرفي، الذي تحويه رسالتها أو رؤيتها.
(ونكمل الأسبوع المقبل، إن شاء الله تعالى)






