منذ الاستقلال، ظل لبنان أحد أكثر بلدان الشرق الأوسط تأثرًا بالتحولات الإقليمية، ليس بسبب موقعه الجغرافي فحسب، وإنما أيضًا نتيجة تركيبته السياسية والطائفية التي جعلت توازناته الداخلية وثيقة الارتباط بموازين القوى الخارجية. ولذلك، فإن معظم الاتفاقات السياسية والأمنية المتعلقة بلبنان لم تكن نتاجًا لتوافقات داخلية خالصة، بل جاءت انعكاسًا لتفاهمات أو تنافسات إقليمية ودولية امتدت آثارها إلى الداخل اللبناني (اتفاق القاهرة 1969 ، اتفاق 17 أيار1983 واتفاق الطائف فى 30 سبتمبر1989).

وفي هذا الإطار، لا يمثل الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة استثناءً. فعلى الرغم من أن أهدافه المعلنة تتركز في تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية وتعزيز دور مؤسسات الدولة، فإن توقيته ومضمونه يعكسان مسعى أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المشرق العربي، في ظل متغيرات فرضتها الحرب في غزة، واتساع نطاق المواجهة على الجبهة اللبنانية، وتزايد الانخراط الأمريكي في إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي.

غير أن الفرضيات التي استند إليها الاتفاق تعرضت لاختبار مبكر مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل جنوبي لبنان، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وما ترتب على ذلك من تراجع فرص الفصل بين المسار اللبناني ومسار الصراع الإقليمي الأوسع. كما أدت هذه التطورات إلى إعادة تشكيل النقاش داخل لبنان، بحيث لم يعد الخلاف يتركز على تفاصيل الاتفاق، بل على البيئة السياسية والأمنية التي سيُنفذ في إطارها، وعلى مدى قدرة الدولة اللبنانية على تطبيق التزاماتها في ظل استمرار المواجهة العسكرية وعدم استقرار الإقليم.

وتنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن “البيئة الإقليمية أصبحت المتغير المستقل الأكثر تأثيرًا في مستقبل الاتفاق، بينما باتت التفاعلات اللبنانية الداخلية تعكس، بدرجة كبيرة، اتجاهات هذه البيئة أكثر مما تصنعها”، ووفقًا لهذه الفرضية، لا يمكن تقييم فرص استدامة الاتفاق من خلال تحليل مواقف القوى اللبنانية وحدها، وإنما من خلال دراسة الكيفية التي أعادت بها القوى الإقليمية تعريف مفهوم الاستقرار في لبنان، وربطته بحساباتها الأمنية والاستراتيجية.


البيئة الإقليمية وإعادة تعريف مفهوم الاستقرار اللبناني

تكشف التطورات الأخيرة أن القوى الفاعلة في الإقليم لم تعد تختلف حول أهمية تجنب حرب شاملة في لبنان بقدر اختلافها حول الوسائل المؤدية إلى هذا الهدف. فبينما تتفق معظم الأطراف على أن انهيار الدولة اللبنانية أو انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة لا يخدم الاستقرار الإقليمي، فإنها تتباين بصورة جوهرية في تعريفها لمفهوم الأمن، وفي ترتيب أولويات الوصول إليه.

الولايات المتحدة: من إدارة الأزمة إلى إعادة هندسة البيئة الأمنية

تعاملت واشنطن مع الاتفاق بوصفه جزءًا من مقاربة أوسع تهدف إلى إعادة بناء منظومة الأمن الإقليمي بعد الحرب في غزة. ولم يعد الهدف مقتصرًا على احتواء التصعيد على الحدود اللبنانية، بل امتد إلى تعزيز دور الدولة اللبنانية، وتقوية مؤسساتها الأمنية، وربط المساعدات الدولية بإصلاحات سياسية وأمنية تكرس احتكار الدولة لاستخدام القوة. فضلا عن ربط إعادة الإعمار وإعادة المهجرين بنزع سلاح حزب الله والتحقق الفعلي من ذلك .

إلا أن تصاعد المواجهة الأمريكية–الإيرانية أعاد ترتيب أولويات السياسة الأمريكية. فمع انتقال الاهتمام إلى إدارة الردع الإقليمي، أصبح الملف اللبناني جزءًا من استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الإيراني، وهو ما جعل تنفيذ الاتفاق يرتبط، بصورة متزايدة، بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران، أكثر من ارتباطه بالتفاهمات اللبنانية–الإسرائيلية ذاتها.

إسرائيل: الأمن قبل التسوية

تنطلق المقاربة الإسرائيلية من فرضية مفادها أن أي ترتيبات سياسية لا يمكن أن تكون مستدامة إذا لم تسبقها تغييرات ميدانية تقلص مصادر التهديد على الحدود الشمالية. ومن هذا المنطلق، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل جنوبي لبنان، معتبرة أن الضغط العسكري يمثل أداة مكملة للمسار السياسي، وليس نقيضًا له.

كما أن الاعتبارات السياسية الداخلية تضيف بُعدًا آخر إلى عملية صنع القرار الإسرائيلي. ففي ظل الاستقطاب السياسي واقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يكتسب الملف الأمني أهمية مضاعفة، إذ تميل الحكومات الإسرائيلية إلى تجنب أي خطوات قد تُفسر داخليًا على أنها تراجع في مواجهة التهديدات الأمنية. ومن ثم، فإن استمرار الضغط العسكري لا يرتبط فقط بالحسابات الميدانية، بل أيضًا بالاعتبارات السياسية الداخلية، الأمر الذي يحد من فرص الانتقال السريع إلى ترتيبات أكثر استقرارًا.

إيران: الاتفاق في إطار معادلة الردع الإقليمي

من منظور طهران، لا يُنظر إلى لبنان بوصفه ملفًا منفصلًا عن بقية ملفات الإقليم، بل باعتباره أحد المكونات الرئيسية لمنظومة الردع التي تشكلت خلال العقود الماضية. ولذلك، فإن أي ترتيبات أمنية يُعتقد أنها قد تُضعف هذه المنظومة تُقاس وفق تأثيرها في ميزان القوى الإقليمي، وليس وفق انعكاساتها داخل لبنان وحده.

وفي ضوء تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، ازدادت أهمية الحفاظ على عناصر الردع الإقليمية بالنسبة لإيران، وهو ما يجعل أي تقدم في تنفيذ الاتفاق مرهونًا أيضًا بمستقبل العلاقة بين الطرفين، وبمدى انتقالها من إدارة التصعيد إلى إدارة التوازن.

الدور العربي: دعم الدولة بوصفه مدخلًا للاستقرار

على خلاف المقاربات التي تنطلق من اعتبارات الردع أو التوازن العسكري، تميل كل من مصر والمملكة العربية السعودية إلى مقاربة مختلفة، قوامها أن استقرار لبنان لا يمكن أن يتحقق إلا عبر استعادة الدولة لوظيفتها السياسية والأمنية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الاتفاق باعتباره هدفًا مستقلًا، وإنما كجزء من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية، واستعادة دور الدولة الوطنية ومؤسساتها وخاصة المؤسسة العسكرية، وتعزيز قدرتها على ممارسة سلطاتها الدستورية وخاصة قرار السلم والحرب، وربط الدعم الاقتصادي والإعمار بإصلاحات مؤسسية تعيد الثقة الداخلية والدولية بالدولة.

وتتميز المقاربة المصرية بتركيزها على الحلول السياسية التوافقية، والحفاظ على وحدة المؤسسات الشرعية، وتجنب انزلاق لبنان إلى استقطاب إقليمي جديد، مع التأكيد على حصرية السلاح في يد الدولة. أما المملكة العربية السعودية، فتركز بصورة أكبر على توفير بيئة سياسية واقتصادية تسمح بإعادة دمج لبنان في محيطه العربي، شريطة أن يقترن ذلك بإصلاحات داخلية تعزز سيادة الدولة وتحد من تأثير الصراعات الإقليمية في القرار الوطني.

ورغم اختلاف أدوات التأثير بين القاهرة والرياض، فإنهما تلتقيان عند هدف استراتيجي واحد يتمثل في منع تحول لبنان إلى ساحة مواجهة مفتوحة، ودعم الدولة بوصفها الإطار الوحيد القادر على استيعاب التعددية اللبنانية دون الانزلاق إلى صراع دائم.
سوريا وتركيا: تأثير غير مباشر في البيئة الإقليمية

رغم تراجع النفوذ السوري المباشر مقارنة بمراحل سابقة، فإن دمشق لا تزال معنية بأي ترتيبات أمنية في لبنان قد تنعكس على أمنها الحدودي أو على موقعها في معادلات الإقليم. كما أن التحولات التي شهدتها العلاقات العربية مع سوريا أعادت إليها هامشًا سياسيًا يجعلها طرفًا لا يمكن تجاهل تأثيره في بعض الملفات اللبنانية، وإن كان هذا التأثير يتم بصورة غير مباشرة. يضاف إلى ذلك ما ألمح إليه الرئيس الأمريكى ترامب من احتمال تفويض سوريا للقيام بدور على الأرض لنزع سلاح حزب الله نظرا “لمعرفتها الجيدة” بالواقع اللبناني.

أما تركيا، فرغم محدودية تأثيرها المباشر في ملف الاتفاق، فإن اهتمامها باستقرار شرق المتوسط، وبتوازنات المشرق العربي، خاصة مع تنامي دورها فى سوريا، يجعلها تتابع أي ترتيبات جديدة باعتبارها جزءًا من إعادة توزيع النفوذ في المنطقة، مع استمرار اعتمادها أدوات دبلوماسية واقتصادية أكثر من اعتمادها أدوات أمنية في الساحة اللبنانية.


السيناريوهات المستقبلية

في ضوء المعطيات الإقليمية الراهنة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: التهدئة الإقليمية المشروطة

يقوم هذا السيناريو على تراجع مستوى التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وانخفاض وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما يسمح بإعادة تفعيل المسار الدبلوماسي، وربط تنفيذ الاتفاق بحزمة متكاملة من الضمانات الأمنية والدعم الاقتصادي. ويتطلب هذا السيناريو إرادة سياسية متزامنة من الأطراف الإقليمية، وهو ما يجعله ممكنًا، لكنه يظل الأقل ترجيحًا في المدى القريب.

السيناريو الثاني: الجمود الاستراتيجي (السيناريو الأرجح)

يفترض هذا السيناريو بقاء الاتفاق إطارًا سياسيًا ودبلوماسيًا قائمًا، مع استمرار تعثر تنفيذه نتيجة بقاء البيئة الإقليمية في حالة سيولة. وتستمر العمليات العسكرية المحدودة، وتتواصل الضغوط السياسية المتبادلة، بينما يظل الاتفاق مرجعًا يمنع الانهيار الكامل، دون أن يمتلك القدرة على إحداث تحول جوهري في الواقع الأمني.

ويرجح هذا السيناريو لأن جميع الأطراف تبدو حريصة على تجنب حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة لتقديم التنازلات الاستراتيجية اللازمة للانتقال إلى تسوية مستقرة.

السيناريو الثالث: التصعيد الإقليمي

يقوم هذا السيناريو على اتساع دائرة المواجهة الإقليمية، بما يؤدي إلى اندماج الساحة اللبنانية بصورة أكبر في الصراع بين القوى الإقليمية والدولية. وفي هذه الحالة، تتراجع أولوية تنفيذ الاتفاق لصالح اعتبارات الردع وإدارة الأزمة، ويتحول الاتفاق إلى إطار سياسي محدود الأثر، مع ازدياد احتمالات عدم الاستقرار.


الخاتمة

إن الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي لم يعد يُقاس بمدى دقة نصوصه أو بقدرة أطرافه المباشرين على تنفيذها، وإنما بمدى قدرة البيئة الإقليمية على إنتاج توازن يسمح بتحويل التفاهمات الأمنية إلى واقع سياسي مستدام. فكلما تصاعدت حدة المنافسة الإقليمية، تقلصت قدرة الدولة اللبنانية على إدارة مسار الاتفاق بصورة مستقلة، وأصبح تنفيذه انعكاسًا لموازين القوى الإقليمية أكثر منه نتيجة للتوافقات الداخلية.

ومن ثم، فإن مستقبل الاتفاق سيظل مرتبطًا، في المدى المنظور، بمسار العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، وبطبيعة المقاربة الإسرائيلية للأمن في الجنوب اللبناني، وبقدرة الدول العربية على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، أكثر من ارتباطه بالاعتبارات الإجرائية أو القانونية للاتفاق نفسه. وفي ظل استمرار هذه المعطيات، يظل سيناريو الجمود الاستراتيجي هو الأكثر ترجيحًا، إلى حين تبلور بيئة إقليمية أكثر استقرارًا تسمح بإعادة تعريف مفهوم الأمن بوصفه نتيجة لتوازن المصالح، لا امتدادًا للصراع.

سفير مصر الأسبق ببيروت