اكتسب الشريط الحدودي الجنوبي لمصر مزايا اقتصادية خلال الفترة الأخيرة مع سعي الحكومة لتنشيط صناعة التعدين وطرح مناقصات أمام الشركات العالمية للتنقيب عن الذهب في تلك المنطقة الغنية بالخامات المعدنية.
لكن اصطدمت التحركات الحكومية المصرية بأنشطة التنقيب غير الشرعي من قبل سودانيين، وهي الأنشطة التي انتشرت بالمنطقة منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني والدعم السريع، مع تمدد أنشطة التنقيب الأهلي عن الذهب، الذي تحول من مورد اقتصادي للمُعدّنين المحليين إلى جزء من اقتصاد الحرب.
المنطقة استقطبت ما يصل إلى 50 ألف منقب من السودان، كانوا يستخدمون أدوات بدائية للبحث عن الذهب، في أماكن “جبل العقيدات” و”الجبل الأحمر” و”الجبل الأبيض”، وهي مناطق جبلية غنية بالذهب تقع في نطاق حدودي متداخل بين شمالي السودان وجنوبي مصر.
تتوزع مناجم الذهب لقطاعات متعددة، أهمها القطاع الجنوبي الشرقي الموجود جنوب برانيس على البحر الأحمر، حوالي 7 مواقع أشهرها (حوتيت– روميت- كروبباي)، والقطاع الجنوبي الغربي، ويقع في نطاق وادي العلاقي، ويضم حوالي 19 موقعًا للذهب، أشهرها (أم جريات- جيمور– أم الطيور – سيجه– شاشوبة).
وبالتالي، تشتهر المنطقة الجنوبية لمصر المتاخمة للسودان، باحتوائها على احتياطيات مؤكدة من الذهب عالي الجودة، مع إمكانات هائلة لا تزال غير مستغلة، وتضم المنطقة منجم السكري، أحد أكبر 20 منجمًا للذهب في العالم من حيث الإنتاج، والذي أنتج نحو 500 ألف أونصة العام الماضي.
وتستهدف الحكومة رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من أقل من 1% حالياً إلى ما بين 5% و6% خلال السنوات المقبلة، عبر زيادة الاستثمارات وتسريع وتيرة أعمال الاستكشاف والإنتاج.
الأمن المصري يركز جهوده لمواجهة التنقيب العشوائي
تحولت تلك المناطق إلى ملاذ اقتصادي لآلاف الشباب السودانيين، الذين فقدوا مصادر دخلهم التقليدية؛ بسبب الحرب المشتعلة في السودان، وأمام تنامي تلك الشبكات، ألقت السلطات المصرية القبض على المئات منهم وصادرت كميات كبيرة من المعدات التي يستخدمونها أخيرًا.
لاقت تلك الخطوات إشادات من الشركات العاملة بالمجال بمصر، كرجل الأعمال نجيب ساويرس، أحد أكبر المستثمرين في قطاع التعدين بمصر وإفريقيا، الذي أشاد بمواجهة لـ”عصابات التعدين العشوائي” وفرض سيادة الدولة على المناطق الحدودية.
وقال ساويرس، إن تلك الخطوات من شأنها أن تعزز ثقة المستثمرين العالميين بقطاع التعدين المصري، وتمهد لزيادة الاستثمارات الأجنبية وتحقيق طفرة في عوائد الدولة من الثروات المعدنية.
وكشف ساويرس عن تعرض العديد من شركات التعدين العاملة في مصر لممارسات غير قانونية تصل ببعض الأحيان إلى التهديد بالسلاح، موضحًا أن بعض المتورطين في هذه الأنشطة ليسوا من المصريين.
في مايو الماضي، أعلنت الداخلية المصرية عن ضبط تشكيل عصابي، يضم (25 عنصرا إجراميا، 8 منهم يحملون جنسية إحدى الدول)، ويقوم بالتنقيب غير المشروع عن خام الذهب وإدارة وتشغيل مواقع للطواحين المستخدمة في طحن أحجار الكوارتز الناتجة عن التنقيب بالمنطقة الجبلية المتاخمة بالظهير الصحراوي الشرقي بدائرة مركز شرطة قوص بقنا.
وحينما تم استهداف التشكيل العصابي بمشاركة قطاع الأمن المركزي، بادروا بإطلاق الأعيرة النارية تجاه الأمن، وأسفر التعامل عن مصرع أحد عناصر التشكيل، وضبط باقي العناصر وضبط بحوزتهم (مدفع أر بي جي- 2 رشاش متعدد – 10 بنادق آلية – كمية كبيرة من الطلقات النارية مختلفة الأعيرة– 2 كيلو جرام لمخدر الشابو – 13 طاحونة وحفار و7 سيارات نقل و7 دراجات نارية بدون لوحات معدنية ومضبوطات بقيمة 50 مليون جنيه (تتضمن عملات أجنبية).
اكتشافات ضخمة من الذهب في الطريق
تشهد المناطق القريبة من الحدود المصرية الجنوبية اكتشافات واعدة للذهب، إذ أعلنت هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية المصرية بدء الإنتاج الفعلي من مشروع ذهب “أبو مروات” خلال عام 2027، أحد أهم مشروعات تعدين الذهب الواعدة بمصر.
يقع “أبو مروات” بمنطقة الدرع العربي النوبي بالصحراء الشرقية، ضمن شراكة استراتيجية بين هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية وشركة “آتون ريسورسز” الكندية، ويمتد الامتياز على مساحة تزيد على 57 كيلو متر مربعاً.
وأبدت شركات التعدين العاملة بمصر بالمناطق ذات المؤشرات الجيولوجية الواعدة والاحتياطيات الأكبر في نطاق الدرع العربي النوبي وساحل البحر الأحمر، بما يدعم خططها الاستثمارية والإنتاجية طويلة الأجل، في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الذهب والمعادن الاستراتيجية.
تعتزم هيئة “الثروة المعدنية” أيضًا إعادة طرح 3 مناطق استثمار جديدة للبحث واستكشاف الذهب بالصحراء الشرقية خلال النصف الثاني من 2026، وتضم 19 قطاعًا استكشافياً، بالقرب من منطقة حمش بالصحراء الشرقية.
دكتور تامر أبو بكر رئيس غرقة صناعة التعدين باتحاد الصناعات المصرية يكشف عن احتياطات ضخمة بمصر من الثروات المعدنية، فقيمة استخراج خامات التعدين، بلغت عام 2018 ما قيمته 5.2 مليارات دولار أمريكي ويشكل الحديد 50%، والفوسفات 28%، والألومنيوم 11% والذهب 11%.
يضيف أبو بكر أن مصر تتضمن 27 خامًا معدنيًا ذا أهمية بالغة على أقل تقدير، ولذلك تعمل الدولة على إصلاح قطاع التعدين وتشجيع تطوير الصناعات ذات القيمة المضافة التي تستفيد من الثروة المعدنية للبلاد.
تسعى مصر حاليًا إلى جذب استثمارات جديدة في قطاع التعدين بقيمة 700 مليون دولار أمريكي، وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 7 مليارات دولار أمريكي بحلول عام 2030، لكن يوجد تحدٍ كبير بوجود مُنقبين غير رسميين، يُمارسون عمليات صغيرة النطاق وغير مُرخصة في المناطق الغنية بالمعادن، مما يُصعّب جهود الاستكشاف التي تبذلها شركات التعدين.
تشير التقديرات الأولية لأكثر من 220 منجما للذهب في مصر لوجود كميات غير مكتشفة تتجاوز 950 طنا، وهي قابلة للزيادة المتوقعة، مع نهاية إعداد الدراسات الاقتصادية التي ستنفذها الشركات.
الدهابة.. وجود قديم محدود توسع بقوة
يُعرف المنقبون غير الرسميين عن الذهب محليًا في السودان باسم “الدهبية”، ودأبوا لسنوات على العمل في التضاريس الجبلية الممتدة بين مصر والسودان. إلا أن الحرب الدائرة في السودان، غيّرت ديناميكيات هذه التجارة، محوّلةً ما كان في السابق تنقيباً محدود النطاق إلى تحدٍّ أمني واقتصادي.
يستفيد التنقيب غير الشرعي من صعوبة التضاريس في غالبية مناطق التنقيب، فمثلا منطقة حمش يتم الوصول إليها بعد الوصول إلى مدينة مرسى علم عبر مدقات وعرة بطول 140 كيلو مترا وسط سلسلة جبال البحر الأحمر ويتم إنتاج جرام إلى جرامين وأحيانا 4 جرامات من الذهب في الطن الواحد.
نادي عزام، محلل اقتصادي، يشيد بجهود الأمن المصري في الحفاظ على الثروات المصرية في تلك المنطقة، مضيفا أن ممارسات الدهابة تؤدي لاستنزاف موارد معدنية استراتيجية، تشمل الذهب والفضة والمعادن النادرة التي يشهد العالم تنافساً متزايداً عليها.
يقول عزام، إن ممارسات الدهابة سواء المصريين والسودانيين تتنافى مع تحرك الدولة لتنشيط صناعة التعدين، والتي تضمنت منح مالك الأرض بعقد مُسجل التقدم بطلب رسمي للبحث والاستغلال للخامات التعدينية بها.
أعلنت الدولة عن طرح مناطق جديدة وفتح مناطق للاستكشاف وفق “نظام القطاعات المفتوحة” وتوقيع عقود مباشرة مع الشركات، بما يوفر سرعة في إجراءات التقدم والتقييم والإسناد، وتكافؤ الفرص بين المستثمرين.
كما أطلقت الدولة مشروع المسح الجوي الشامل للمعادن لتوفير بيانات دقيقة للمستثمرين، والذي يهدف لإنشاء قاعدة بيانات عالية الدقة للمناطق ذات الأهمية الجيولوجية باستخدام طائرات مزودة بتقنيات حديثة لجذب الاستثمارات التعدينية.
أنشطة إجرامية تحت ستار التنقيب
بدوي الطيب، المحلل الاقتصادي السوداني، يقول إن منطقة البحر الأحمر بها جبال غنية بالذهب على جانبي الحدود، المصري والسوداني، تشهد في السنوات الأخيرة، توسّعًا لأنشطة التعدين العشوائية وغير المنظمة بشكل ملحوظ.
بحسب التقديرات، يعمل حوالي مليوني سوداني بالتنقيب في ظل غياب الرقابة والتنظيم الكافيين، ويواجه العاملون في هذه المناجم ظروفًا مواتية للاستغلال والعمل القسري والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة.
ويؤكد منتدى الدفاع الإفريقي، أن إنتاج الذهب شكل 70% من الإيرادات الوطنية للسودان خلال الفترة من 2023 إلى 2025. ومع ذلك، صرّح وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، بأن 20 طنًا فقط من أصل 74.6 طنًا متريًا من الذهب المنتج عام 2025 صُدّر عبر القنوات الرسمية.
يقو ل الطيب، إنه لم تعد بعض الجماعات المتورطة تقتصر على التنقيب عن الذهب فحسب، بل أصبحت مرتبطة بشبكات إجرامية عابرة للحدود تستغل الصراع الدائر في السودان، تشمل أيضًا أنشطة التهريب التي قد تتضمن الاتجار بالبشر والمخدرات.
يؤكد المحلل الاقتصادي السوداني، أن المنقبين غير الشرعيين توغلوا مرارًا وتكرارًا في الأراضي المصرية في إطار عمليات تهريب مرتبطة باستخراج الذهب، وسببوا خسائر فادحة على مرّ السنين؛ جراء استخراج الذهب غير القانوني، ما حرم السودان من إيرادات قيّمة وأضرّ باقتصادها، وبالتالي، التعاون الأمني المصري السوداني لا يزال أساسياً لتعقب الشبكات الإجرامية وحماية الحدود المشتركة.
بحسب تشاتام هاوس، فإن تعدين الذهب الحرفي “هو التعدين البدائي الذي يتم فيه استخدام معدات بسيطة” على نطاق صغير يمثل الجزء الأكبر من إجمالي إنتاج الذهب، وتختص قوات الدعم السريع بهذا النوع من التعدين، الذي ينتهي معظمه في الإمارات العربية المتحدة، إما بشكل مباشر وإما غير مباشر عبر دول مجاورة مثل تشاد وإريتريا وجنوب السودان.
ونظراً للعلاقات التاريخية لقوات الدعم السريع مع القبائل العربية على طول حدود جنوب السودان، وروابط عائلة زعيمها محمد حمدان دقلو (حميدتي) بمواقع تعدين الذهب الحرفي على نطاق صغير في جنوب السودان، فقد رسخت قوات الدعم السريع وجودها في هذا القطاع لسنوات.
يحذر الطيب من أن السماح لشبكات التعدين غير القانونية بالعمل دون رقابة، قد تكون له عواقب تتجاوز الخسائر الاقتصادية فالتحدي لا يقتصر على حماية موارد الذهب فحسب، بل يشمل أيضاً منع المنظمات الإجرامية من استغلال حالة عدم الاستقرار واستخدام المناطق الحدودية كممرات لأنشطة تُهدد أمن كل من مصر والسودان.






